الجمعة، 20 أكتوبر، 2017

أيقظوني عندما أذهب

أيقظوني عندما أذهب
هيلون هابيلا

تدور أحداث رواية أودافي أتوجن الثانية في قرية نيجيرية يكاد يمكن وصفها بالسحرية. يحكمها ملك جبار ومجلس من الكهنة ليس من المدهش في شيء أن تكون رؤيتهم للعالم بطريركية موغلة في المحافظة. فلا عقاب فيها لمنشق أو مبتدع إلا النفي أو الموت.
لا بد للأرامل أن يتزوجن في غضون فترة معينة من موت أزواجهن، فإن لم يفعلن يؤخذ منهن أبناؤهن ليعيشوا في كنف أعمامهم، أو ينفون في بعض الحالات للعيش على أطراف البلدة ليسرقن طعامهن أو يتسولنه. نظام قاس يستدعي التحدي، إن قرر شخص أن يدفع ثمن العصيان. ويحدث أن يتحداه آخر شخص يحتمل منه التحدي، ذلك الشخص هو إيسي الطيبة الجميلة.
إيسي فقدت للتو زوجها ولا بد من أن تواجه صدمة قرار الملك الغاشم، وتتأهب لفقدان ولدها الوحيد نوح. في تلك الأثناء يكون نوح الصغير قد أقام علاقة وثيقة مع أيتام البلدة المتشردين وأقنع أمه بأن عليهم أن يعتنوا بأولئك الأطفال، ولو أن ثمن ذلك هو مواجهة غضب الملك العارم.
هكذا هو مفتتح الرواية القوي الممتلئ بالأحداث، وتستمر الأمور في التصاعد. إذ يتبين أن الملك يكن حبا يائسا لإيسي، كان طوال الوقت يحبها، حتى قبل أن يقترن بها زوجها السابق تانتو. والزواج بالملك كفيل بأن يوفر لنوح فرصا أفضل في البقاء، برغم أن زوجات الملك الكثيرات يقتلن في بعض الأحيان الذكور من أبناء بعضهن البعض لزيادة فرص أبنائهن. لكن المشكلة الأساسية ـ مثلما توضح إيسي للملك ـ هي أنها لا يمكن أن تتزوج إلا برجل تحبه، وإيسي لا تحب الملك.
كما فعل في روايته الأولى "أغنية تاندونو"، يجمع أتوجان بين عناصر فولكلورية وشخصية مركزية قوية خلقا لسردية استثنائية آسرة. ويحضر في أسلوبه عبق كتاب أفارقة سابقين من أمثال عاموس توتولا، وفلورا نوابا، وجابرييل أوكارا ممن كتبوا ما يطلق عليه بأريحية "روايات اللون المحلي" حيث يكتب الكاتب وكأن اللقاء الكولونيالي لم يحدث أصلا، وأن الحداثة ظاهرة نائية تحدث في المدينة البعيدة. وقد يظهر بين الحين والآخر زائر من المدينة، غريب ومثير للاهتمام، ويكون دائما موضع ارتياب.
تتألف أفريقيا في هذه الحكايات من مجتمعات مغلقة سرية وغالبا ما تتأثر خطوط الحبكة بتدخلات من قوى فوق طبيعية. وفي العادة تكون المعارضة الكبرى للشخصيات هي التقاليد والتابوهات ومن يستعملونها جميعا للسيطرة على الجموع واستغلالها.
من الواضح أن الآلهة تحب إيسي. فحينما تهرب من قريتها إلى قرية أخرى فيها تقاليد مماثلة لكن لها ملكا شابا حكيما، تقابل امرأة عجوزا تقول لها إنها تنتظر وصولها منذ سنوات كثيرة، وإن الآلهة أنبأتها من قديم بوصول إيسي. تصبح هذه العجوز حارسة لإيسي، وبين عشية وضحاها تصبح إيسي امرأة ذات ثراء ونفوذ. ومن المتوقع طبعا ألا يقبل القارئ هذا التدخل الإلهي إلا بثمن، هو في هذه الحالة الإيحاء بأن اختيار الآلهة لإيسي يرجع إلى  طهر قلبها، وأنه مكافأة لها بعد معاناة ظالمة على يد حاكم قريتها. ولكن القارئ لا يملك إلا أن يتساءل ماذا كان ليجري على إيسي لولا تلك الراعية الثرية.
هل كان بوسعها أن تفرض التغيير على المجتمع بدون ثرائها ونفوذها السماويين، أم كانت لتصبح ضحية أخرى من ضحايا التقاليد والطغيان؟ لقد حذر الناقد جيمس وود ـ في معرض كتابته عن "الساعات العظمية" لديفيد ميتشل ـ من إقحام ما فوق الطبيعي في السرديات الحديثة. فهو يرى أن مثل هذه الأدوات تزيح الشخصيات إلى المرتبة الثانية، وتسلبها قوتها ـ وتحيلها إلى محض مطايا لنزوات الآلهة ورغباتها. في حين يجب أن يبقى الإنسان في مركز الأحداث، ولا بد أن تصمد الشخصيات أو تسقط بعون من طبيعتها وحدها، لا بعون من تدخل سماوي اعتباطي.
غير أنه من الواضح تماما أن أتوجَن لا يحاول إبداع حكاية حديثة. بل يمكن القول عن قصته إنها أليجوريا للصراع الدائم بين الخير والشر، وكيف أن الكون في بعض الأحيان ـ لا في جميعا ـ ينصر الخير على الشر.
قد تحمل التقاليد في ثناياها كلا من الخير والشر، ومثال إيسي يبين أنه لا بد من مقاومة الشر بلا هوادة ولا مهادنة. فهي رؤية للعالم توشك أن تكون دينية، لكن ما ينجيها هو خيال الكاتب الجميل ولغته المقتدرة.

صدرت رواية "أيقظوني حينما أذهب" Wake Me When I’m Gone   حديثا عن دار كانونجيت

عن جارديان ـ نشرت في جريدة عمان قبل أيام

اقرأ أيضا