الاثنين، 22 أغسطس، 2016

نوع أدبي جديد من أجل جنون الصين

نوع أدبي جديد من أجل جنون الصين
نينج كين

أول ما يجب أن أفعله هو أن أفسّر ما أعنيه بالـ تشاوهوان الذي نعيد إنتاجه بعبارة "اللاواقع الأقصى". المعنى الحرفي لـ تشاوهوان هو "تجاوز اللاواقع" أو "تجاوز الخيالي". هو اصطلاح ألفته أنا وصديق لي منذ عام أثناء حوار حول الواقع الصيني المعاصر. ولم يمض وقت طويل حتى استعملت الاصطلاح في مؤتمر بمقاطعة هاينان. كان المؤتمر من تنظيم معهد الأدب في أكاديمية العلوم الاجتماعية، وحدث أخيرا أن نشرت مجلة المعهد، وهي مجلة مهمة اسمها "ذي ليتراري رفيو"، مقالة تستعمل في عنوانها الاصطلاح الذي نحتناه. اصطلاح اللاواقع الأقصى صغير السن، وليدٌ حديث الولادة. غير أنني أسلِّم واثقا بأنه سوف يعيش طويلا، حياة مديدة صحيحة. فالصين كانت حبلى بالاصطلاح منذ ثلاثين عاما على الأقل، أو ربما منذ خمسين عاما، بل ربما منذ مائة عام.
فما الذي جرى في الصين طوال المائة عام الماضية؟ تعالوا نتغاض عن الماضي الأكثر بعدا ونلزم أنفسنا فقط بالعقد الأخير الذي بدت أغلبية الواقع الصيني فيه أقرب إلى الهلوسة. هناك أمور وقعت بالفعل وتتجاوز الروايات والأفلام في ابتكاريتها. ولأضرب لكم أمثلة بسيطة تكشف شيئا عن الواقع الصيني الراهن.
في الصين بينما أتكلم حملة كبيرة لمناهضة الفساد، وكل الأمثلة التي أضربها معلنة في وسائل الإعلام الرسمية. والمسؤولون الفاسدون في الصين يحبون أن يحتفظوا بكميات هائلة من النقد في بيوتهم، فكان المحققون في الماضي قد يعثرون على مخبأ سري فيه مليون أو عشرة ملايين، ولكن هذه الكميات لا تمثل شيئا اليوم. ففي مطلع 2015، أجري تحقيق مع رئيس اللجنة الوطنية للإصلاح والتنمية بتهمة الفساد. وعثروا في شقته على نقد أكثر مما يمكن أن تعده الأيدي. فجاؤوا بآلات عد النقود لكي لا يخطئوا في الحساب، واحترقت أربع من هذه الآلات قبل أن يصلوا إلى الرقم النهائي وهو مائتا مليون رينمينبي، أي قرابة 31 مليون دولار أمريكي.
مثال ثان. جيو بوزيونج، جنرال متقاعد في جيش التحرير الشعبي، عند التحقيق معه في اتهامات بالفساد، وجدوا لديه من النقد ما جعلهم يصرفون النظر فورا عن استعمال آلات عد النقود، فوزنوا بالطن، ثم كان عليهم أن ينقلوا النقود بالشاحنة.
كان جيو مسؤولا شديد الرفعة في الجيش، ولكن مثالي التالي لمن يكدس من النقد المنهوب ملء شاحنة هو مسؤول حكومي دنيء الرتبة تماما، شديد العادية. أثناء هروبه، تظاهر ذلك الرجل على الطريق أنه فلاح ذاهب إلى السوق بشاحنة محملة بالخضراوات. وعندما رفع المحققون الغطاء القماشي عن مؤخرة الشاحنة، لم يعثروا على كرنب، بل على ملايين النقود التي جمعت من الطبق الذي كان يدار على محفل الصينيين العاديين الذاهبين للتعبد في مذبح السلطة. وميض كل ذهب الرشاوى يضيء إضاءة مبهرة واقع الصين شديد التفرد.
ليس هناك ما لا يمكنك تحقيقه لو أن لديك السلطة. عندما لقي نائب رئيس المحكمة العليا بمقاطعة هيبيي نهايته المؤسفة التعيسة في حادث مروري، جاءت أربع سيدات يتشاجرن فوق جثمانه. والسيدات الأربع كن زوجات شرعيات لنائب رئيس المحكمة، الذي استخرج لنفسه أربعة أذون زواج مختلفة، كلها قانونية لا تشوبها شائبة. واستمر ذلك الوضع سنين طويلة، دون أن تعرف أي من النساء بوجود الأخريات. كيف أمكنه أن يحتفظ بزواجه من أربعة سرًّا؟ أنا أكتب الروايات، وبمنتهى الصدق أقول لكم إنني لا أستطيع أن أتخيل طريقة لتحقيق هذا. ذلك رجل كان ينتمي إلى قمة النظام القضائي في محكمة عليا إقليمية، لكنه كان يعامل القانون معاملة النكتة.
عندما يقع ما يفوق خيالنا، يبدأ العالم يبدو غير واقعي. والحكاية الأفدح طبعا هي حكاية وانج ليجون. في 2012، كان وانج ليجون نائب عمدة شونجكوينج ورئيس مكتب الأمن الشعبي في المدينة. ووقعت له أزمة مع زميله بو زيلاي، سكرتير فرع الحزب الشيوعي الصيني في شونجكوينج. كان وانج صاحب سلطة غير هينة، لكنه عند هربه، رأى أن أكثر الأماكن أمنا بالنسبة له في الصين كلها هو قنصلية الولايات المتحدة في مدينة شينجدو. ما الذي نفهمه حينما يرى مدير مكتب الأمن الشعبي في إحدى أهم بلديات الصين أن أكثر الأماكن أمنا بالنسبة له هو قنصلية أجنبية؟ لكن الحقيقة أن قراره هذا أنقذ حياته. كان قد أشيع أن شرطة شونجكوينج  المسلحة ـ لدى وصول وانج إلى القنصلية الأمريكية في تشينجدو ـ تبعته بالفعل إلى هناك وكانت تتهيأ لتعصف بالقنصلية لاعتقاله. يقال إن وانج كانت لديه معلومات من شأنها تجريم بو زيلاي، وهذا سر رغبة شرطة تشونجيانج في القبض على وانج حماية لبو. لكن شرطة مقاطعة سيتشوان المسلحة ـ التي كانت تأتمر بأوامر لجنة الحزب الشيوعي ـ كانت قد وصلت هي الأخرى إلى تشينجهو. هاتان المجموعتان المنفصلتان تماما من الشرطة المسلحة كانتا في موقف شديد التوتر وبدتا مستعدتين للعنف في أي لحظة. وأخيرا، اقتادت شرطة سيتشوان الإقليمية المسلحة وانج ليجون بعيدا عن القنصلية. ليتبيَّن أن لجنة الحزب الشيوعي كانت تتعقب بو زيلاي، وكانت تريد وانج ليجون لقدرته على تجريم بو. وفي النهاية شهد وانج فعلا ضد بو. وحكم على بو بالسجن خمسة عشر عاما بينما حكم على الآخر بالسجن مدى الحياة. هذا كله حدث. فهو ليس جزءا من رواية، وليس من فيلم. لكنه أشد جموحا من أي فيلم.
هذه الأمثلة التي ضربتها قد تبدو منقطعة الصلة بالبشر العاديين، الذين لا يتجاوز دورهم الفرجة على ما يجري، لكن هناك رباطا وثيقا للغاية بين هذه القصص المتعلقة بإساءة استعمال السلطة وبين البشر العاديين. فكما لا يخفى عليكم جميعا، يمثل الغذاء الآمن في الصين هما ملحا على البشر العاديين. هناك سموم في أرزنا، وسموم في خضراواتنا، وسموم في لحومنا. هناك سموم في المكملات الغذائية لأطفالنا. المطاعم تقلل التكلفة بإعادة استعمال زيت القلي ففيه أيضا سموم. تلوث الهواء منفلت عن السيطرة، والجميع يعرفون أمر دخان بكين. الصين تواجه جبالا من هذه المصاعب، وهي نتيجة مباشرة لإساءة استعمال هذه السلطة أو تلك. لكن الصين على الرغم من هذه المصاعب صاعدة. فعلى مدار أكثر من ثلاثين عاما كانت سرعة التنمية ونطاق الإنجازات في الصين استثنائية بقدر هول المشكلات التي تواجهها الصين. وقبل سنوات قليلة تجاوز إجمالي الناتج المحلي الصيني نظيره الياباني ليصبح الثاني في العالم، ويرى الكثيرون أن إجمالي الناتج المحلي الصين سوف يتجاوز نظيره الأمريكي عما قريب، ليصبح الأضخم في العالم. بل إن إحدا لا يتذكر متى تجاوزت الصين بريطانيا العظمى، أو فرنسا، أو إيطاليا، أما تجاوز الصين لألمانيا فلم يعد يحدث أثرا عظيما. قبل أن نعرف فعلا أن ذلك يحدث، كانت الصين قد أصبحت رائدة العالم في سرعة القطارات، وفي إنشاءات السكك الحديدية، وفي عدد السيارات على الطرق، وفي استعمال الهواتف المحمولة. الصين الآن لديها أضخم اقتصاد في العالم. وذلك كله أيضا يدخل في نطاق "اللاواقع الأقصى". كل شيء يحدث في الصين بسرعة فائقة، وهذه السرعة الفائقة تأتي بكل أنواع المشكلات. وهذه ظاهرة انتبه إليها مثل صيني قديم في داوديجينج: "يوجد الحظ السعيد حيثما تكمن الكارثة. وتوجد الكارثة حيثما يزداد الحظ السعيد سعادة".
ما الذي يمكن أن نفعله إزاء واقع الصين المعاصر؟ لأساتذة العلوم السياسية طريقتهم في النظر إلى الأمور، شأن أساتذة الاقتصاد، وأساتذة علم الاجتماع، وأساتذة الفلسفة. لكن احذروا الخطأ، فنحن كتاب الأدب لنا طريقتنا أيضا في النظر إلى العالم، وليست طريقة كاتب الأدب في النظر إلى العالم مجرد إضافة إلى القائمة. كاتب الأدب يدمج كل طرق النظر إلى العالم في طريقة واحدة. فهي عين مركّبة. ولو أن الواقعية السحرية هي الطريقة التي نظر بها كتّاب أمريكا اللاتينية إلى واقعهم، فواقعية اللاواقع الأقصى ينبغي أن تكون اصطلاحنا الذي نطلقه على الأدب الذي يتعامل الصينيون به مع واقعهم. اصطلاح تشاوهاون الصيني هو أقرب إلى اللعب بكلمة موهوان (السحر) كما في موهوان زيانشيزهوي (الواقعية السحرية)، موهوان هي "الواقعية السحرية" وتشاوهوان هي "اللاواقع الأقصى". في ثمانينيات القرن الماضي، بدأت الصين تنفتح على العالم وانهال أدب أمريكا اللاتينية ـ وممثله جابرييل جارثيا ماركيز ـ على الصين. حينما قرأنا "الواقعية السحرية" بدت مألوفة لنا، وقريبة منا، وذلك لأن أبناء الصين وأمريكا اللاتينية في معاناتهم وتواريخهم الغرائبية يشتركون في أمور كثيرة. لقد كنا في واقع الأمر نتكلم عن الصين في الثمانينيات بوصفها مكان "الواقعية السحرية". لكن ابتداء من التسعينيات، لا سيما في السنوات العشر الأخيرة أو نحو ذلك، لم تعد الصين ذلك المكان، فقد أصبحت الآن مكان اللاواقع الأقصى.
أم ربما كان هذا هو الحال دائما في الصين.
هناك نقاط عديدة تميز لاواقع الصين الأقصى عن واقعية أمريكا اللاتينية السحرية. أولا، التاريخ مختلف. فالحضارة الصينية ذات تاريخ متصل يبلغ خمسة آلاف عام. وما من حضارة أخرى مثلها في ذلك على وجه الأرض. وهذا في حد ذاته لاواقع أقصى. وفي القلب من الحضارة الصينية كان هناك دائما شخص ما مطلق السلطة. وفي الصين، تضمن الطريقة التي يصل بها الحكام إلى السلطة ويستعملون بها السلطة أن تصل سلطتهم إلى كل مكان وتشمل كل شيء. يناقش فوكو في "عين السلطة" الآليات التي تحتجب بها السلطة وتهيمن من خلالها. وإشارته إلى "عين" السلطة في محلها تماما. ففي التاريخ الصيني تظهر عيون السلطة الضخمة مرارا وتكرارا. وبمعنى من المعاني، يبدو التاريخ الصيني وحشا مكسوا بعيون السلطة. واقعية أمريكا اللاتينية السحرية معنية أيضا بعين السلطة بالطبع، لكنها عين أصغر كثيرا.
ثانيا، إحساس الزمن مختلف. فلقد تحولت الصين من بلد بطيء الحركة إلى بلد سريع الحركة، سريع إلى حد الإفلات من الجاذبية. في الاقتصاد، والموضة، والثقافة الشعبية، والتسلية، والرياضة، مرت الصين في ذلك كله خلال ثلاثين عاما بما مر به الغرب في مئات عديدة من السنين. وفي وقت قصير للغاية، حققت الصين منجزات استثنائية. وكأنما ضُغِط الزمن في الصين. المقارنة أيضا لا تطوي في اللحظة الراهنة بضع مئات السنين من تاريخ الغرب بل وبضع آلاف السنين من تاريخ الصين. فلأن الزمن بات شديد السرعة، باتت المدن الصينية الآن غرائب نافرة. تبدو جميعا متطابقة، وكأنها سلسلة من النسخ الكمبيوترية. والتحول الذي طرأ على القرى الصينية ليس أقل إدهاشا. قبل ثلاثين عاما فقط كانت القرى الصينية تبدو إلى حد كبير مثلما كانت عليه في العصور السحيقة. أما في هذه الأيام فلا يوجد في كثير من قرى الصين إلا المسنون والأطفال. خلافا لقرى أصبحت أماكن لا يعمرها غير الأشباح، زيارتها تثير الفزع في النفوس.
في الفترة الأخيرة نشرت الجريدة الأدبية التي أحرِّرها قصة بعنوان "تاريخ الصوت" عن رجل ذي قدرات سمعية خارقة. ترصد الأصوات التي يسمعها تاريخ إخلاء القرية التي تجري فيها أحداث القصة. الناس الذين في سن العمل تركوا القرية للعمل في البلدات والمدن. ويأتي فيضان، وبعده تصبح القرية موضعا هجره التاريخ. لا يبقى فيها غير اثنين، شيخ وشيخة. كان بينهما خلاف في الماضي، وتدريجيا صارا يعتمدان على أحدهما الآخر، حتى انتقلا للعيش في بيت واحد. هناك مقولة صينية عن "الحب الذي يدوم أكثر مما تدوم السماء والأرض" أي الحب الذي يبقى حتى آخر الزمان. تلك كانت مجرد مقولة، لكنها في هذه الأيام واقع في كثير من القرى: ففي هذه القرى انتهى الزمان بالفعل.
القوة الثالثة التي تميز "الواقعية السحرية" عن "اللاواقع الأقصى" هي الإنترنت.  فلم يكن يوجد شبيه بها قط. كثير من ظواهر "اللاواقع الأقصى" في الصين يكتب عنها في الإنترنت فور حدوثها. الواقع ابتداءً نص، والآن إذ تستطيع الإنترنت أن ترينا ظواهر "اللاواقع الأقصى" التي ما كنا نراها لولاها، فإننا ننتهي إلى "لاواقع أقصى" مزدوج. وهو ما فرض على الأدب تحديا هائلا. فلم يعد بوسع الأدب أن يحكي قصصا مباشرة في مواضيع مفردة متبعا منحنيات سردية مفردة، لأن الواقع يمدنا بكل أنواع الاحتمالات الثرية للتجارب في قالب أدبي. وبدرجة ما، كلما صدق الأدب مع الواقع في هذه الأيام، بدا أكثر طليعية. إن طريقتنا في النظر إلى الأشياء هي التي تحدد طريقة كتابتنا عنها. والواقع متغير. فلو أنك على سبيل المثال نظرت إلى الواقع من وجهة نظر الموروث، فسوف يبدو الواقع الذي تكتب عنه تراثيا. ولو نظرت إلى الواقع من وجهة نظر "اللاواقع الأقصى" فكتابتك سوف تأتي "لاواقعية قصوى". ولا أعني من هذا أنه ما من فارق بين المنظورين، فقد لا يكون هناك شك في أن وجهة نظر "اللاواقع الأقصى" هي الأكثر تناغما مع الزمن الراهن.
أعتقد أن "الكتابة في عصر اللاواقع الأقصى" تتميز بالسمات الأربع التالية، التي سوف أشرحها على أبسط نحو أستطيعه.
1: الكتابة في عصر اللاواقع تشتبك مع الوضع الراهن. لقد جلب الواقع الصيني المعاصر على عالمنا تحولا زلزاليا، وينبغي أن تشتبك كتابة العصر الراهن مع هذه التغيرات الهائلة. ينبغي أن تشتبك مع القضايا الاجتماعية التي تمثل أشد مواضيع النقاش الشعبي سخونة في هذه اللحظة. لكنها عند الاشتباك بها ينبغي أن تظل بصرامة داخل نطاق الأدب، بمعنى أنه ينبغي أن يظل البشر شاغلها الأساسي. لقد صار البشر معقدين وعديدي الأوجه شأن سطح الماسة المصقولة آليا. فنفس التكنولوجيا التي تقطع الماس وتشكِّل الناس أتلفت الأرض. وحالة البيئة اليوم انعكاس لحالة أرواحنا.
2: وهي تأملية فلسفية. فحينما ننتقد العالم المحيط بنا ينبغي أن نكون شديدي الوضوح إزاء ما ننتقده وإزاء أسبابنا في ذلك. ولكن في الأدب الجدير أن يكون أدبا، ينبغي أن نتذكر أن في الحياة وفي الطبيعة البشرية الكثير من الأمور غير الواضحة. في الحياة وفي الطبيعة البشرية هناك الكثير من المفارقات. بعض ما نفعله يتسق مع طبيعتنا وبعض ما نفعله يتنافر مع طبيعتنا. والتفاعل بين الواقع والطبيعىة البشرية مفرط التعقيد. هناك أمور يمكن أن نتبينها بوضوح، وأمور لا يمكن أن نتبينها بوضوح. ومن ثم فينبغي في كتابتنا أن نسمح لأنفسنا بشيء من الحرية.
3: لها سمة الخرافة أو الأليجوريا. الواقع نفسه فيه سمت الخرافة. ولقد سبق أن أشرت إلى قصة "تاريخ الصوت" القصيرة. بعد "نهاية الزمن" يبدو الرجل والمرأة أشبه بآدم وحواء في شيخوختهما. ومن سبل منح الأدب حريته أن نحافظ له على سمة "الخرافة".
4: هي كتابة مخاطرة. وجهة نظر "اللاواقع الأقصى" وجهة نظر معقدة، نمط إدراكي معقد، لذلك حينما تصبح أساسا للأدب فإنها تغير الشكل الذي يتخذه الأدب. وكل تغيير ينطوي على مخاطرة. هناك مخاطرة فنية للكاتب، وحتى حينما تنجح المخاطرة وتأتي النتائج طيبة، يظل على القارئ أن يقبل بمخاطرة كبيرة.
كتابتي نفسها شهدت تغيرا كبيرا بفهمي لـ "اللاواقع الأقصى" واحتياجي إلى مواجهته. فلطالما كنت كاتبا يتعاطف مع التعبير عن مشاعره، وحتى وقت قريب كان أغلب أعمالي يجري في التبت. والتبت كما تعلمون جميعا رمز الطبيعة التي لم يشبها فساد، وله معنى روحاني ميتافيزيقي في نفوس الناس من كل مكان في العالم. ولقد عشت في التبت سنوات عديدة، وفيما كنت هناك مررت بتجربة تخصني تماما. ولكن لاواقع الصين الأقصى صدمني كأنه تسونامي، وأرغمني في نهاية المطاف أن أتوقف عن الكتابة عن ارتباطي العاطفي بالتبت. صرت مرغما على الاشتباك المباشر مع "اللاواقع". والرواية التي نشرتها السنة الماضية بعنوان "الثلاثيات الثلاث" هي نتيجة ذلك الاشتباك. تستعير الرواية في عنوانها وبنيتها "الرباعيات الأربع" لإليوت.
في روايتي ثلاث طبقات. الأولى قصة رجل مفتون بالمكتبات منذ طفولته. هو الراوي، ويحلم أن يعيش في مكتبة، وفي شقته الكثير من الكتب والكثير من المرايا. وبسبب تأثير الانعكاس اللانهائي للكتب في المرايا، يحقق حلم طفولته فيعيش في مكتبة. ليست لديه إعاقة، لكنه يحب أن يقرأ جالسا في مقعد متحرك. يحب أن يحرك المقعد بنفسه وسط كتبه ومراياه. يصبح رفيقا متطوعا لطابور من السجناء المحتضرين، ويدخل السجن لفترة. يكلم السجناء مثلما قد يكلمهم الكاهن. يعتبر السجن مكتبة من نوع آخر. في الطبقتين الثانية والثالثة من الكتاب، يحكي الرواي قصص نزيلين حكم عليهما بالإعدام وأصبحا صديقين له. الأول رئيس تنفيذي لشركة ضخمة مملوكة للدولة، والثاني سكرتير شخصي لحاكم مقاطعة. يكتشف الرئيس التنفيذي أنه على وشك المساءلة في اتهامات متعلقة بالفساد، فيصطحب كمية هائلة من النقود ويهرب إلى بلدة صغيرة بجانب المحيط، فيستأجر بهوية مزيفة غرفة في شقة امرأة تعمل معلمة في مدرسة ابتدائية. تحكي القصة كيف يعود شخص بعد فقده السلطة إلى الحياة العادية ويعيد اكتشاف إحساس أن يكون المرء إنسانا. ولكن عادات السلطة لا تفارق الرئيس التنفيذي. يبدأ هو والمعلمة علاقة حب جسدي وعاطفي. ولكن سلطته الكبيرة السابقة جعلت منه نصف إنسان ونصف وحش. فتسلمه حبيبته في نهاية المطاف إلى السلطات.
السكرتير الشخصي لحاكم المقاطعة أقل حظا. إذ يتعرض لما يعرف في الصين بالـ شوانح جوي أي "الاختيار المزدوج" وهو لون من الاعتقال والتحقيق تنفرد به الصين. لا شفافية فيه، ولا علاقة له بالقضاء. ويعني أنه عند الارتياب في اقتراف أحد أعضاء الحزب خطأ ما، يتم إخطاره بمكان معين وموعد معين للمساءلة. وعادة يجري الأمر على النحو التالي: يعتقل المحققون فجأة عضو الحزب المشكوك في أمره ويصطحبونه بعيدا، إلى غرفة فندقية في الغالب، ويجرون التحقيقات معه سرا. وتحوي أدبيات الموظفين الصينيين أوصافا تفصيلية لـ "الاختيار المزدوج". في روايتي يحدث "الاختيار المزدوج" لكن على غير المعتاد، وفي مكان غير الأماكن المعتادة. في روايتي يجري التحقيق في مصنع مهجور تحول إلى ساحة للفنانين. في عصر اللاواقع الأقصى هناك تشابه بين السياسة والفن، وبين الشعراء والموظفين مشتركات كثيرة. المصنع في روايتي أقيم بمعاونة من ألمانيا الشرقية، ومبانيه مقامة على طراز الباوهاوس Bauhaus. بعد إغلاق المصنع، تحولت مبانيه إلى ستديوهات للفنانين وجاليريات، وحانات، ومساحات للأداء ومسرح تجريبي. يأتي محققو الحزب، بأثر من روح المكان، مصطحبين معهم فنانا مجهولا يعرف بـ "الفنان الأبيض" ومحققا مريضا بالسرطان في مراحله النهائي. يخضعون سكرتير المحافظ الشخصي لـ "استجواب البياض" و"استجواب الفناء"، فيكون هذا التحقيق هو الأداء الفني الأكثر راديكالية بين كل ما شهدته ساحة الفنانين من أداءات على الإطلاق.
الشخص المريض بالسرطان أستاذ جامعي متخصص في الاستجواب. أوقف جميع علاجات السرطان وانتقل إلى معبد بوذي في التلال يخطط أن يمر فيه بـ "التحول الجالس" وصولا إلى "إدراك الكمال". وهذه مصطلحات بوذية يصفون بها الراهب المحتضر الجالس في وضعية التأمل داخل حوض ضخم من السيراميك توقد فيه نار تحرق الراهب. يراهن الأستاذ كاهن المعبد على أنه بعد أن يحترق احتراق الرهبان، سيجد الكاهن وسط رماده آثارا من بوذا. والأستاذ يعتزم في الحقيقة قبل دخول الحوض أن يتناول جرعة زائدة من الأقراص المنومة، ويبتلع حفنة من الحصى مختلف الألوان (ويبقى الحصى بعد الحرق ليكون آثار بوذا التي وعد بها الأستاذ). وبينما يتهيأ الأستاذ للموت، يأتيه من المدينة من يصطحبه إلى ساحة الفن. يلزم سكرتير المحافظ الشخصي الصمت، ولكن الشخص المريض بالسرطان المتدهور يحمله على الكلام. وحينئذ يرجع الأستاذ إلى المعبد ويبلغ "الكمال" عبر "التحول الجالس". ويعثر وسط رفاته على آثار من بوذا. ويفي الكاهن بالوعد فيقيم هيكلا تكريما للميت.
المخاطرة التي قبلت بها في هذه الرواية على مستوى الشكل هي أنني غيرت وظيفة الحواشي في استعمالها التقليدي. ففي الحواشي ـ التي توضع أسفل الصفحات شأن الهوامش ـ أدرج مقاطع مطولة من الحكاية، تستمر في بعض الأحيان لعشر صفحات. وفيما نتقدم ونتأخر مع الحواشي المطبوعة بحجم أصغر أسفل نص الرواية في مكانه العلوي المعتاد، نتقدم ونتأخر أيضا بين زمنين سرديين مختلفين. وهذا يشكل نص الرواية الثاني، بمعنى ما. وظيفة الحواشي ليست سردية وحسب، بل بنيوية أيضا، إذ أن لها وظيفة خطابية. فبها لا تظل بنية الرواية محددة بخط الزمن الكرونولوجي، بل بالفضاء المكاني. الزمن في الرواية لا يعود نهرا، بل بحيرة. أو ربما يمكننا القول إن الرواية لا تعود بناء منفردا بل مجموعة مبان. هذه المباني متفرقة ومترابطة أيضا، تشكّل كلا واحدا. قضى كثير من القراء وقتا صعبا مع روايتي. بل إنها أغضبت البعض منهم. لكنهم لحسن الحظ واصلوا القراءة بعد التنفيس عن غضبهم. وهكذا برغم أنها كانت مخاطرة، فحقيقة استمرارهم في قراءة الرواية تقول لي إنه لم يكن بأس في القبول بتلك المخاطرة. ولست بالكاتب الذي يشطح في التجريب في الشكل. لست الشخص الذي يفعل ما حلو له بغض النظر عن رأي أي شخص غيره، فلست أحب أن أدير ظهري لقرائي، ولكنني اتخذت قرارا بأن لا أتحاشى المخاطرة.
ختاما، اسمحوا لي أن أقول في هذه اللحظة، إن الأدب وحده هو الذي يمكن أن يساعدنا على فهم الصين. ما من وسيلة غيره يمكن أن تنجح. والسؤال الأكبر في كوكبنا في الوقت الراهن هو "إلى أين تذهب الصين؟". وقد تكون الوسيلة الوحيدة لإجابة هذا السؤال هي الأدب.

كاتب المقال روائي وكاتب مقال ومحرر ومدوِّن يعيش في بكين بالصين. له خمس روايات آخرها "الثلاثيات الثلاث" الصادرة سنة 2015
نشر المقال بترجمة توماس موران إلى الإنجليزية في يناير 2016 ونشرت الترجمة العربية قبل ايام في جريدة عمان