الأحد، 24 يوليو، 2016

العبودية بوصفها تجارة "حرة"

العبودية بوصفها تجارة "حرة"
بليك سميث
على مدار نحو أربعة قرون، وضعت تجارة العبيد العابرة للأطلنطي ملايين البشر في أغلال العبودية. إذ يقدِّر الباحثون عدد من قضوا نحبهم في ثنايا رحلة عبور الأطلنطي القاسية بنحو المليون ونصف المليون. كذلك ربطت تجارة العبيد بين أفريقيا وأوروبا والأمريكتين في مشروع رهيب قوامه الموت والعذاب والربح. غير أنه في منتصف القرن الثامن عشر، وفي ظل الازدهار غير المسبوق الذي شهدته تجارة العبيد، كان هناك مفكرون أوروبيون بارزون يرون هذه التجارة نموذجًا للمشاريع الحرة، بل نموذجًا في واقع الأمر لـ "الحرية". لم يكن أولئك تجارَ عبيدٍ أو قباطنةً سفنِ عبيد بل كانوا مفكرين اقتصاديين، ومن الطبقة الأعلى تأثيرًا أيضًا. كانوا جماعة من المفكرين الاقتصاديين الروَّاد الذين ألزموا أنفسهم بمبدأ دعه يعمل، وذلك هو المصطلح الذي سكّوه بأنفسهم. كانوا جماعة من أوائل المفكرين الأوروبيين الذين التفوا حول المسؤول الفرنسي فنسنت دي جورناي (1712ـ1759)، ونادوا بتقليل التدخل الحكومي في الاقتصاد. ونظَّموا حملات لإلغاء قواعد التجارة الداخلية والدولية، وجعلوا تجارة العبيد جزءًا محوريًا في حججهم.
انشغل المؤرخون على مدار جيل بالعلاقة بين العبودية والرأسمالية. فنُشِر العديد من البحوث في هذا الشأن وحظي باهتمام واسع من الإعلام. ويظهر الباحثون أن الثورة الصناعية ـ التي تمركزت حول الإنتاج الكثيف للمنسوجات القطنية في مصانع إنجلترا ونيوإنجلند ـ كانت تعتمد على القطن الجيد الذي يزرعه العبيد في مزارع الجنوب الأمريكي. والرأسماليون يكثرون من الترويج لسُموِّ الاقتصادات الصناعية و"عمالتها الحرة" أو المفترض فيها الحرية. و"العمالة الحرة" تعني ذلك النظام الذي لا يكون العمال بموجبه مستعبَدين بل أحرارٌ يتعاقدون مع أي مصنِّع يختارونه، وأحرار في بيع عملهم. ويعني أن هناك سوقًا للعمل، لا سوقًا للعبيد.
ولكن عمل "العمالة الحرة" بالخامات التي ينتجها العبيد، واعتمادها عليها، يهويان تمامًا بالتمييز البسيط بين الاقتصاد الصناعي القائم على العمالة الحرة من جانب، والنظام الزراعي القائم على عمالة العبيد. كما يهويان تمامًا بالحد الفاصل بين ولايات الجنوب العبودية وولايات الشمال "الحرة" في أمريكا. ففي حين أَثْرَتْ ولايات الجنوب بالزراعة المعتمدة على عمالة العبيد، أثرت ولاية نيوإنجلند أيضًا من تجارة العبيد، باستثمارها في التأمين على النقل البحري الذي جعل نقل العبيد من أفريقيا إلى الولايات المتحدة أمرا ممكنًا ومربحًا. لقد أدى استجلاب الأفارقة المستعبدين إلى زراعة وصناعة، في الجنوب وفي الشمال، مشكِّلا شبكة تجارية عالمية خرج منها العالم الحديث.
ولم يدرك الباحثون التضافر القائم بين العبودية والرأسمالية إلا في العقود القليلة المنصرمة، أما بالنسبة للمفكرين الفرنسيين في القرن الثامن عشر ممن أرسوا قواعد رأسمالية دعه يعمل، فقد كان الربط بين تجارة العبيد والمشاريع الحرة منطقيًا تمامًا. وكانت كتاباتهم ـ التي ألهمت الفيلسوف الاسكتلندي آدم سميث كتابه ثروة الأمم (1776) ـ ترمي إلى إقناع النظام الملكي الفرنسي بإلغاء القواعد المنظمة لعمل القطاعات الاقتصادية الأساسية كتجارة الحبوب والتبادل التجاري مع آسيا. وهؤلاء مفكرون لا يقرؤهم اليوم إلا قلة من المتخصصين. غير أن مناشيرهم ورسائلهم ومخطوطاتهم تعلن بصراحةٍ رسالةً قوية: وهي أن ميلاد الرأسمالية الحديثة لم يعتمد فقط على عمالة البشر المستعبدين وأرباح تجارة العبيد، بل وعلى مثال العبودية بوصفه مشروعًا عالميًا متحررًا من القواعد التنظيمية الدولتية.
***
على مدار قرون تالية للاستعمار الأوروبي للأمريكتين، كانت الحكومات الأوروبية تضع قواعد تجارة العبيد العابرة للأطلنطي. وكانت تنظمها بالتنسيق مع ما كان معروفًا بالمركنتلية. كذلك كان الفكر الاقتصادي المهيمن في القرنين السادس عشر والسابع عشر وفي كثير من القرن الثامن عشر. كان فكرًا يحابي التدخل الحكومي الكثيف، لا سيما في التجارة الدولية. وكانت التجارة ـ بالنسبة للمفكرين المركنتليين ـ ضربًا من الحرب قد تنهزم فيها أمم في مواجهة منافسيها بفعل تراكم العبيد والذهب، وتصدير السلع المصنّعة مع استيراد المنتجات الزراعية. وكان يجري تنظيم جميع جوانب التجارة تنظيمًا دقيقًا بما يخدم هذه الأهداف، بما لا يترك مجالًا يُذكر لمبادرات التجار الفردية. وبعد عقود قليلة من وصول كرستوفر كولمبوس إلى الكاريبي في 1492، بات واضحًا للنظام الملكي الأسباني أن استعباد سكان الأمريكتين الأصليين غير كاف لإشباع احتياج المستعمرات المتنامي إلى العمالة. فاتجه الأسبان إلى تجارة العبيد في غرب أفريقيا. وكان الأوروبيون والعرب منخرطين منذ أمد بعيد في تجارة العبيد الأفارقة. وأقر الأسبان المعترضون على إساءة معاملة السكان الأصليين [في الأمريكتين] هذا القرار، وكان من أولئك بارتلومي دي لاس كاساس Bartolomé de las Casas. وذهب أولئك المنتقدون إلى أن الأفارقة أكثر ملاءمة للعمل الشاق من الهنود الأمريكيين.
وفي ظل النظام المعروف بالـ أسينتو asiento (أي: التعاقد)، بدأت الحكومة الأسبانية في التعهد لبعض التجار الأوربيين بتعاقدات احتكارية خاصة. وكان هذا النظام يتيح للتجار الانفراد بتجارة العبيد في مناطق محددة. وكانت الحكومة الأسبانية تسيطر بحرص على مجمل الاقتصاد في مستعمراتها الأمريكية، غير متيحة إلا لقلة مختارة من الأجانب التجارة في ممتلكاتها القيّمة. وبما أن تجارة العبيد كانت من أعلى قطاعات التجارة الاستعمارية ربحًا، فقد كانت مقيّدة بصفة خاصة. في القرن السادس عشر، عهدت الحكومة الأسبانية باحتكارات الأسينتو في قطاع تجارة العبيد داخل مستعمراتها إلى المستثمرين الطليان والألمان والبرتغاليين الذين كانوا ينتمون إلى بلاد تدور في فلك إمبراطورية أسبانيا العالمية. غير أن أسبانيا بحلول نهاية القرن السابع عشر كانت تنحدر كقوة عسكرية. وباتت قدرتها تقل على اختيار التجار الذين تمنحهم تعاقدات الأسينتو. وطمعت إمبراطوريات أوروبية أخرى لأنفسها في هذه التعاقدات فحاولت الاستيلاء عليها. وفي عام 1701 توفي ملك أسباني لا وريث له. فغزا الملك الفرنسي لويس الرابع عشر أسبانيا ووضع حفيده على عرشها. فكان من أوائل أعمال الحاكم حديث التتويج أن جعل لجدّه الهيمنة على الأسينتو. فصارت فرنسا صاحبة الحق الوحيد في إمداد مستعمرات أسبانيا بالأفارقة المستعبدين، ضامنة من وراء ذلك أرباحًا ضخمة لتجار العبيد الفرنسيين.
كانت تعاقدات الأسينتو جائزة ثمينة، ولم تكن فرنسا الدولة الوحيدة الطامعة فيها. فسرعان ما اختطفها أعداء لويس الرابع عشر من بين يديه لتبدأ بذلك حرب الخلافة الأسبانية (1701ـ1714) التي انتهت بهزيمة الفرنسيين. وكان من بين غنائم بريطانيا في تلك الحرب، أن صارت لها الهيمنة على الأسينتو. ومن أجل إدارة هذه التجارة الجديدة القيمة، أسَّست بريطانيا شركة مبتكرة باسم "شركة بحر الجنوب"، فكانت من أولى شركات المساهمة واجتذبت آلاف المستثمرين الذين تخيلوا أن أرباح تجارة العبيد في مستعمرات أسبانيا تجعل رهانهم مضمونًا تمامًا. وظل سعر الأسهم يرتفع عاليًا حتى أدت المضاربات المستعرة إلى أزمة مالية بحجم الدولة كلها. وفي ظل صدمتهم من الصعود المفاجئ لأسهمهم والسقوط الكارثي، اكتشف المستثمرون الحائرون "فقاعة" سوق الأوراق المالية، الأولى من نوعها.
في حين كان الشعب البريطاني يتداول الأسهم في تجارة العبيد، بات تجار العبيد الفرنسيون يواجهون مستقبلًا مضطربًا. إذ انتهت حرب الخلافة الأسبانية إلى حرمانهم من الوصول إلى أفضل الأسواق التي كانت لديهم. فطالبوا حكومتهم بالتصرف. ولكن الحكومة الفرنسية كانت تعاني مشاكلها المالية الخاصة. إذ ألقت الحرب على كاهلها أعباء ديون هائلة تتحرَّق إلى التخلص منها. وتبيّن أن المقامر المحترف الذي تحول إلى مرشد اقتصادي "جون لو" John Law (1671ـ1729) ـ والذي وعد بانعطافة جديدة في السياسات المركنتلية هو من سيحل كلًا من مشكلتي الدولة وتجارة العبيد. فبنصيحة منه، أنشأت الحكومة الفرنسية شركة جديدة تابعة للدولة هي الشركة الفرنسية للهند الشرقية. وكانت لذلك الوحش الاقتصادي طموحات عالمية. احتكرت الشركة ـ برئاسة لُو نفسه ـ التجارة كلها بين فرنسا وآسيا، وكان لها الحق الحصري في إمداد مستعمرات إنتاج السكر الفرنسية في الكاريبي بالعبيد الأفارقة. وأدّت الإثارة التي صاحبت نظام لو في بدايته ـ شأن إثارة شركة بحر الجنوب الأولى في بريطانيا ـ إلى مضاربات جامحة من الشعب على أسهم الشركة الجديدة. فلما ارتفعت أسعار تلك الأسهم بالقدر الذي تجاوز قيمتها الحقيقية، انهارت في نهاية المطاف، فأودى ذلك بـ لُو وشركته الفرنسية إلى الخراب.
وفي مواجهة أزمة اقتصادية جديدة، اتخذت الحكومة الفرنسية خطوة يائسة غير متوقعة. ففي تحدٍّ للأفكار المركنتلية، قامت بتحرير تجارة العبيد من القواعد الدولتية المنظمة. وللمرة الأولى، أتاح النظام الملكي للشركات الخاصة إرسال سفن العبيد إلى أفريقيا وإلى الأمريكتين. فلم يكن ذلك احتكارًا جديدًا لشركة تابعة للدولة في قطاع تجارة العبيد الفرنسية. ومن وجهة النظر الاقتصادية البحتة، كانت النتيجة نجاحًا ساحقًا. إذ بعث تجار العبيد المستقلون أعدادًا متزايدة من سفن العبيد إلى مستعمرات فرنسا في مارتينيك، وجواديلوب، وسان دومينيك (هاييتي حاليًا). وكانت آلاف قليلة من العبيد تساق إلى الكاريبي الفرنسي كل عام في مطلع القرن الثامن عشر، ولم يحل نهاية القرن إلا وما يربو على مائة ألف منهم يساقون سنويًا إلى هناك. ولقد أدت هذه الزيادة الهائلة في حجم العبيد الوافدين على مستعمرات فرنسا إلى تحويل الجزر إلى مراكز تجارة عالمية. وكلما كانت أعداد العبيد التي يرسلها التجار إلى المستعمرات تزداد، كان يزداد ما يستطيع ملاك المزارع الاستعمارية إنفاقه ويزدادون توسعًا في إنتاج السكر. وكلما كان سعر السكر ينخفض، كان عدد الأوروبيين القادرين على استهلاكه يزداد، مع زيادة مصاحبة غالبًا في استهلاك مواد مستعمراتية أخرى كالقهوة والشوكولاتة التي كانت تنتجها المستعمرات الاستوائية أيضًا على أيدي الأفارقة المستعبدين. فكان ازدياد أعداد العبيد في المستعمرات يعني المزيد من استهلاك السكر والقهوة والشوكولاتة في أوروبا، فكان معنى ذلك بدوره زيادة في الطلب على العبيد. وهكذا بدا أن تجارة العبيد تتغذى على نفسها، فتتوسَّع بلا حدود.
تلك الطفرة الاقتصادية كانت مأساة إنسانية. فلو أن العبودية كانت قاسية في شتى أرجاء الأمريكتين، فقد كانت على الأرجح في مزارع السكر الفرنسية أقسى منها في أي مكان آخر. كان كثير من الأفارقة المستعبدين يموتون قبل الوصول إلى مستعمرات الكاريبي، أو بمجرد وصولهم، وكان متوسط عمرهم المتوقع أقل من خمس سنين [اعتباًرا من تاريخ الاستعباد]. كانوا حرفيًا يموتون من العمل. فلم يكن غريبًا أن تشهد سان دومينيك ـ وهي أضخم مستعمرة فرنسية ـ أهم وأعنف ثورة عبيد في تاريخ الأمريكتين. وكان اندلاع تلك الثورة في خضم الثورة الفرنسية هو ما أرغم الحكومة الفرنسية على إلغاء تجارة العبيد تمامًا سنة 1793. وحينما بدأت فرنسا السعي إلى استرداد تجارة العبيد بعد عشر سنين اندلعت ثورة أخرى. وفي هذه المرة فاز العبيد بالاستقلال عن فرنسا، مؤسسين جمهورية هاييتي سنة 1804.
***
في حين كانت التوترات تختمر في سان دومينيك، بدأت شناعة تجارة العبيد العابرة للأطلنطي تترسخ في الوعي الفرنسي. في ثمانينيات القرن الثامن عشر، أي في عشية الثورة الفرنسية، تجمع الناشطون المناهضون للعبودية في باريس للضغط من أجل إلغاء تجارة العبيد. ولكن قبل جيل، كانت جماعة أخرى من الناشطين عرفت بـ "دائرة جورناي" أكثر انشغالًا بالدروس التي ينبغي أن يتعلمها الاقتصاد الفرنسي من تجارة العبيد المتنامية. كانوا يستلهمون أفكار جورناي، المفكر الذي سكّ مصطلح دعه يعمل دعه يمر laissez-faire, laissez-passer موجزًا فيه كل رؤاه المبتكرة.
أحدث جورناي ورهطه ثورة في الفكر الاقتصادي بالدعوة إلى التقليل الممنهج للحواجز التجارية الدولية والمحلية من قبيل احتكارات الدولة والجمعيات [النقابية] وحظر الاستيراد الأجنبي. ولم يكن قد حدث من قبل أن تحدَّت جماعة من المفكرين الأفكار المركنتلية. فلما أزال النظام الملكي الفرنسي قيود الدولة المنظمة لتجارة العبيد في عشرينيات القرن الثامن عشر، كان قد فعل ذلك اضطرارًا وبقوة من أزمة معينة، لا عن اقتناع بفشل المركنتلية ذاتها. ولم يحدث إلا بعد ثلاثة عقود أن لاحظ مفكرو دائرة جوراني النمو الدراماتيكي في تجارة العبيد والاقتصاديات المستعمراتية القائمة على استعمال العبيد، فتوصّلوا إلى نتيجة أكثر عمومية. حيث ذهبوا إلى أن نجاح تجارة العبيد أثبت أن إزالة قواعد الدولة التنظيمية أمر واجب الاتباع لا بوصفه تكتيك الملاذ الأخير، بل بوصفه استراتيجية شاملة عمدية. إذ أظهرت تجارة العبيد أن قواعد المركنتلية المفروضة من أعلى إلى أسفل أمرٌ عفا عليه الزمن.
ضغطت دائرة جورناي على الملكية الفرنسية من أجل إجراء تغييرات كاسحة. وكان من أهم أهداف الدائرة على الإطلاق شركة الهند الشرقية، التي خلفت شركة لُو ذات الطموح الجامح. فبعد حرمانها من تجارة العبيد الفرنسية سنة 1720، باتت تلك الشركة الاحتكارية التابعة للدولة مسؤولة عن جميع أوجه النشاط التجاري الفرنسي مع منطقة المحيط الهندي. فلم يعد مسموحًا للتجار المستقلين اﻹبحار بسفنهم شرقًا إلى ما يتجاوز رأس الرجاء الصالح. استطاعت الشركة تحقيق ربح معقول في أغلب السنوات. غير أنها لم تشبع الطلب الفرنسي على سلع جنوب آسيا ولا صدَّرت إلا حفنة من السلع الفرنسية إلى جنوب آسيا. وكان لديها عجز تجاري هائل، فلم يحل منتصف القرن الثامن عشر إلا وهي تغرق في الديون.
ولما استشعرت دائرة جوراني أن المجال سانح للتقدم بأفكار دعه يعمل شنَّ أعضاؤها هجومًا على الشركة. فقارنوا بين حالة عدم التشبع التي تعانيها التجارة الفرنسية في المحيط الهندي مع الازدهار والتوسع المطردين اللذين تشهدهما تجارة العبيد العابرة للأطلنطي. كانت الأولى [أي التجارة الفرنسية مع منطقة المحيط الهندي] تبيِّن ضعف المركنتلية، بينما تبيِّن الثانية [أي تجارة العبيد] ما ينطوي عليه دعه يعمل من قدرات. وكان جورناي قد طوّر تلك الحجة في سلسلة ملاحظات غير منشورة دوَّنها في منتصف خمسينيات القرن الثامن عشر. فكتب أن أضخم فروع التجارة التي تكوَّنت لدى الدولة [أي فرنسا] منذ 1720 ... لم تتيسَّر إلا بالانفصال عن المزايا الممنوحة للشركة". وفي السوق الأطلنطي، الذي فقدت فيه شركة لُو حق التجارة الاحتكارية، ازدهر العمل. وفي السوق الآسيوي، حيث بقيت للشركة الخليفة حقوقها الاحتكارية، ضعف التبادل التجاري. أشار جورناي إلى نمو مستعمرات فرنسا الكاريبية بعد إزالة القواعد المفروضة على تجارة العبيد. ولاحظ أن "جزيرتي سان دومينيك ومارتينيك كانتا لتبقيان بلا زنوج بالمطلق ومن ثم بلا زراعة" لو لم يكن النظام الملكي حرَّر تجارة العبيد من القواعد المنظِّمة.
مات جورناي بعد زمن غير بعيد من قوله تلك الآراء، فتناول تابعه أندريه موريليه Morellet (1727ـ1819) ما بقي منه. أصبح موريليه الناطق باسم الحركة المناهضة للشركة الفرنسية للهند الشرقية. فنشر في 1769 كراسة تحريضية بعنوان "عن وضع شركة الهند الحالي" أدرج فيها ملاحظات جورناي وأسهب في مواضيعها. أصرَّ موريليه على ضرورة إلغاء مشاريع الدولة بصفة عامة، واتخذ من نجاح تجارة العبيد بعد 1720 دليلًا على تفوق [مبدأ] دعه يعملعلى المركنتلية. وكاد ردُّه على من رأوا تحرير فرنسا للتجارة من قواعدها مخاطرة فائقة هو قوله "إن هذه هي الذريعة التي دائمًا ما يعتمد عليها لإنشاء الشركات الاحتكارية، وبخاصة في حالة الاتجار بالزنوج في الساحل الأفريقي ... غير أن الملاحظ هو أن هذه المنافسة لم تقوّض التجارة بل أدامتها. لقد كانت المستعمرات الفرنسية في أمريكا حتى ذلك الحين (أي 1720) في حالة ضعف، إلى أن أحيتها الحرية". ولا تعني الحرية بطبيعة الحال في هذا المقام إلا التوسع في تجارة العبيد. فكان عبيد المستعمرات قوة للحرية الاقتصادية.
مفارقة مرعبة أن يُقدِم داعية التجارة الحرة الرائد ذلك على المساواة بين الحرية وتجارة العبيد، وليت موريليه توقف عند ذلك الحد. لقد ذهب المدافعون عن الشركة إلى أن جنوب آسيا منطقة تختلف عن أوروبا تمام الاختلاف بما يُعْجِز التجار المستقلين عن العمل هناك. وزعموا أنه ليس بوسع جهة ـ ما لم تكن شركة احتكارية ـ أن تستعمل خبراء يعرفون لغات المنطقة، وثقافاتها، وجغرافيتها. وحذَّروا من أن التجار المستقلين سيعجزون عن استعمال مثل أولئك الخبراء، وأنهم لن يصلوا إلى المنطقة إلا عاجزين حتى عن التواصل مع نظرائهم المحليين. فعارضهم موريليه قائلًا إن تجارة العبيد أظهرت أن هذه الحجج زائفة. فبعد 1720، بدأ التجار المستقلون ينطلقون من الموانئ الفرنسية إلى غرب أفريقيا. ولم تكن لهم دراية بالثقافات المحلية، غير أن التجار والزعماء السياسيين الأفارقة سارعوا بالوساطة في إبرام العقود.
برغم الاختلافات اللغوية والثقافية، أمكن التجار الفرنسيين أن يشتروا العبيد في مقابل المنسوجات والبنادق والأدوات وغيرها من السلع. واستطاع العمل أن يجد سبيله للتغلب على الاختلافات بين الشعوب المتنوعة. والحق أن تجارة العبيد أثبتت أن الأفارقة والأوروبيين كانوا ـ من الناحية الاقتصادية على الأقل ـ متماثلين تمامًا، لا يكادون في نهاية المطاف يختلفون في أي شيء: "الحقيقة أن الناس، في موضوع التجارة ... يتصرفون بطريقة واحدة، إذ يسوقهم جميعًا مبدأ واحد، هو المصلحة". هكذا فطن موريليه إلى أن تجارة العبيد هي التي أثبتت أن الأفارقة والأوربيون متساوون. إذ أن المصلحة الذاتية هي دافع كلتا الجماعتين إلى بيع البشر المستعبدين وشرائهم. وتكلَّلت بالنصر حملة موريليه وزملائه القائلين بالتجارة الحرة، والتي اعتمدوا فيها على مثال التحرير الناجح لتجارة العبيد من تدخل الدولة. فاحتفلوا بتحرير تجارة فرنسا مع آسيا في عام 1769. وألهم ذلك الانتصار بدوره المفكرين الاقتصاديين في أرجاء أوربا لتأمل إمكانية تطبيق مبادئ دعه يعمل على الأسواق الأخرى. وكان أكثر من صدمته دعوة موريليه إلى تحرير التجارة هو آدم سميث فأشار بإسهاب إلى موريليه في "ثروة الأمم" (1776)، ذلك النص العلامة الذي لا يزال مصدر إيمان الكثيرين بـ "السوق الحرة".
الحق أن سميث صار أكثر تأثيًرا من أستاذه. وفي حين باتت تبدو نسخته من أفكار دعه يعمل أشبه بالمنطق البديهي خلال القرن التالي، طوى النسيان دائرة جورناي إلى حد كبير. اختفت حجتهم بأن تجارة العبيد مثال أساسي على نجاح التجارة الحرة. غير أن كتابات جورناي ومورليه تكشف أن الرأسمالية الحديثة تتضافر مع العبودية من نواح عديدة وعميقة. فعمالة العبيد هي ما وفَّرت القطن والسكر وغيرهما من السلع الحيوية. وأرباح بيع العبيد كوَّنت ثروات على كلا جانبي الأطلنطي. والمفارقة المزعجة هي أن الآباء المؤسسين لـ دعه يعمل رأوا تجارة العبيد مثالًا للتحرر.

عن مجلة أيون

نشرت الترجمة في مدى مصر