الثلاثاء، 1 ديسمبر، 2015

أورهان باموق ... تدفعنا الشياطين

تدفعنا الشياطين*
أورهان باموق


عندما قرأت فوكنر في مجلة باريس ريفيو للمرة الأولى في اسطنبول عام 1977، انتابني التيه، كما لو كنت عثرت على نص مقدس. كنت في الخامسة والعشرين من عمري، أعيش مع أمي في شقة مطلة على البوسفور، جالسا في غرفة خلفية، محاطا بالكتب، أدخن بلا انقطاع، فيما أجاهد كي أنتهي من روايتي الأولى. فكتابة المرء لروايته الأولى لا تقتضي فقط أن يتعلم المرء كيف يحكي حكايته وكأنها حكاية شخص آخر. إنها أمر يتعلق في الوقت نفسه بأن يصبح المرء شخصا يستطيع أن يتخيل رواية من بدايتها إلى منتهاها بطريقة متزنة، وأن يكون شخصا يستطيع أن يعبر عن حلمه بكلمات وجمل. ولكي أصبح روائيا، تركت كلية العمارة وأغلقت على نفسي في البيت. أي نوع من البشر ينبغي عليَّ الآن أن أكون؟
 المحاور: كيف يصبح المرء روائيا جادا؟
فوكنر: تسعة وتسعون بالمائة من الموهبة ... تسعة وتسعون بالمائة من النظام ... تسعة وتسعون بالمائة من العمل. عليه ألا يشعر أبدا بالرضا عما يفعل. فالعمل لا يصل أبدا إلى الجودة التي يمكن أن يكون عليها. لا تكف عن الحلم، واطمح إلى أعلى مما تحسب أنك قادر على تحقيقه. لا تقصر اهتمامك على أن تبز معاصريك أو أسلافك. حاول أن تتفوق على نفسك. الفنان خالق، لكنه خالق تدفعه الشياطين. وهو لا يعرف لماذا اختارته الشياطين هو بالذات، وهو دائم الانشغال عن التساؤل عن سر ذلك. هو لاأخلاقي مطلقا، بمعنى أنه يسطو أو يستعير أو يتسول أو يسرق من أي شخص لكي يكتمل العمل... وليس من مسئولية للكاتب إلا التي تجاه فنه.
كان في قراءة هذه الكلمات عزاء حقيقي في بلد تعلو فيه مطالب المجتمع على ما سواها. وعملت على أن تجيئني في اسطنبول حوارات ذي باريس ريفيو التي صدرت عن دار بنجوين في أجزاء مستقلة، وأخذت أقرأ بتركيز واستمتاع. ويوما بعد يوم، صرت أفرض على نفسي نظام عمل يجلسني إلى الطاولة طوال النهار، ناعما بعبق الورق والقلم في غرفة ليس فيها سواي، وتلك عادات لن أتخلص منها بعد ذلك أبدا. كنت أكتب روايتي الأولى "جودت بيك وأبناؤه" ـ رواية من ستمائة صفحة سوف تستغرق مني أربع سنوات لإكمالها ـ ومع كل وقفة كنت أنهض من أمام الطاولة وألقي نفسي بيأس على الديوان في الغرفة المعبأة بالدخان، وأعود من جديد إلى قراءة تلك الحوارات مع فوكنر ونابوكوف ودوس باسوس وهمنجواي وآبدايك محاولا أن أسترد إيماني بالكتابة وأن أعثر مجددا على دربي. في البداية قرأت تلك الكتب حبا في كتب أولئك الكتاب، ورغبة في أن أعرف أسرارهم، وأفهم كيف يبدعون عوالمهم الخيالية. ولكنني كنت أستمتع أيضا بقراءة حوارات مع روائيين وشعراء لم أكن أعرف أسماءهم، ولا قرأت كتبهم.
لم تكن حوارات ذي باريس ريفيو مرتبطة بكتاب معين أو عمل محدد يحرص الكتاب على الترويج له. بل لقد كان أولئك الكتاب متحققين بالفعل ولهم شهرة عالمية، وكانوا في تلك الحوارات يتكلمون عن عاداتهم الكتابية، وأسرار صنعتهم، وأساليبهم في الكتابة، ولحظات ضعفهم، ووسائلهم في التغلب على المصاعب التي يواجهونها. وكنت بحاجة إلى التعلم من خبراتهم بأسرع طريقة ممكنة.
ومثلما اتخذت من كتبهم نماذج تحتذى، اعتمدت على عاداتهم المختلفة، ومخاوفهم، وغرائبهم، بل وأفعالهم البسيطة (من قبيل الإصرار على ألا تخلو المائدة من القهوة). وعلى مدى ثلاثة وثلاثين عاما حتى الآن، ظللت أكتب على ورق الرسم البياني. في بعض الأحيان أتصور أن السبب في ذلك هو أن ورق الرسم البياني يناسب طريقتي في الكتابة ... في أحايين أخرى أتصور أن السبب هو أنني عرفت في تلك الأيام أن اثنين من كتابي المفضلين ـ هما توماس مان وجان بول سارتر ـ يستعملان هذا النوع من الورق.
لم أكن صديقا لأي من الكتاب الأتراك في جيلي، وزادتني العزلة قلقا على مستقبلي. وكلما كنت أجلس لقراءة تلك الحوارات، تتبدد الوحدة. كنت اكتشفت أن ثمة آخرين يشعرون بمثل ما أشعر به، وأن المسافة بين ما كنت أشتهيه وما حققته مسافة طبيعية، وأن نفوري من الحياة اليومية المعتادة ليس علامة على علة تعتريني، بل دليل ذكاء، وأنني ينبغي أن أحافظ على العادات البسيطة الغريبة التي تؤجج جذوة خيالي وتعينني على الكتابة.
أشعر أنني عرفت الكثير عن حرفة كتابة الروايات: كيف تتكون البذرة الأولى في عقل الكاتب، وكيف يتم إنماؤها بحب، وكيف يتم تحويلها ـ أو عدم تحويلها مطلقا ـ إلى حبكة. وفي بعض الأحيان، كان رد فعلي الغاضب على فكرة عن الرواية ترد في هذه الحوارات سببا في تطويري لأفكاري عن الرواية.
بعد أن قرأت في شبابي رسائل فلوبير وقصص حياة أكثر من أحببت من الكتاب، اعتنقت أخلاقيات الحداثة الأدبية التي لا يمكن لكاتب أن يتملص منها: أن أكرس للفن نفسي دون أن أنتظر شيئا في المقابل، أن أجتنب الشهرة، والنجاح، والانتشار الرخيص، أن أحب الأدب لما ينطوي عليه من جمال. ولكنني عندما قرأت فوكنر وغيره من الكتاب وعرفت كم يلتزمون بهذه المثل، وكيف يعبرون عن ذلك بلا مواربة، وجدت في ذلك دفعة معنوية كبيرة إلى أعلى.
لقد كنت في أوائل عهدي بالكتابة أعود إلى تلك الحوارات لأشد من عزمي. وبعد كل هذه السنين، تذكرني إعادة قراءتها بآمال تلك الأيام البعيدة ومخاوفها. فثمة ثلاثون عاما من هذه الحوارات تجسد لي ـ أكثر من أي شيء آخر ـ مباهج الأدب وإحباطاته.


* هذه مقدمة كتاب صدر في عام 2007 بعنوان  "حوارات ذي باريس رفيو2"، وقد نشرت هذه المقدمة أيضا في صحيفة الجارديان البريطانية في 27 أكتوبر 2007. والمقدمة مترجمة من التركية إلى الإنجليزية بقلم مورين فريلي


صدر "بيت حافل بالمجانين"  حديثا عن الهيئة العامة للكتاب