الثلاثاء، 25 أغسطس، 2015

كلير كافاناج: الخروج من شمبورسكا

بعد عقود من الترجمة، كلير كافاناج:
الخروج من شمبورسكا

أليكس دوبين



نشأت "كلير كافاناج" في منطقة خليج سان فرانسيسكو، فلم يكن لها احتكاك باللغة البولندية. تقول إنها قررت وهي في كلية الدراسات العليا أن تنضم لفصل اللغة البولندية "فقد كان ذلك من متطلبات القسم". وهنالك بدأت مسيرتها المهنية التي انتهت بها من رواد الترجمة من البولندية إلى الإنجليزية. في وقت سابق من العام الحالي، نشرت دار هاوتن ميفلين هاركورت "المختارات الشاملة والقصائد الأخيرة" لحاملة نوبل في الأدب فسوافا شمبورسكا التي رحلت عن عالمنا سنة 2012. كافاناج التي تترجم شعر شمبورسكا منذ أكثر من ثلاثين عاما هي التي حرّرت الكتاب الأخير. تحدثت كافاناج أخيرا مع "مؤسسة الشعر" [الأمريكية] عن فوائد التعاون طويل المدى مع مترجمين آخرين وعن مركزية الأخلاق في شعر شمبورسكا.
***
ـ كيف بدأت الترجمة؟ أفترض أنك لم تستيقظي من النوم يوما فقررت أنك تريدين أن تترجمي الشعر البولندي والروسي.
[تضحك] ـ كانت الروسية لغتي السلافية الأولى، وبدأت أنشغل بالترجمة انشغالا خفيفا في سنوات الدراسة الجامعية. بدأت دراسة البولندية وأنا في كلية الدراسات العليا لمجرد أن الدراسة في القسم اشترطت ذلك، وتصادف أن كان أستاذي هو الشخص الذي أصبح شريكي في الترجمة وصديقي العزيز بحق، ستانيسلاف بارانزاك. كنت قد درست البولندية لسنة واحدة فقط في ذلك الوقت، واكتشفنا بسرعة أننا نحب أن نترجم معا. ولو لم يكن ستانيسلاف أخذ بيدي وقال لي "تقدمي"، لا أعتقد أنني كنت لأبدأ.
ـ ما الذي أثار اهتمامك بالضبط؟
ـ التحقت بكلية الدراسات العليا وأنا أعرف أنني أريد أن أعمل على الشعر. كنت أعرف أن الشعر سيكون طريقي، وكنت أريد أن أعمل على [أوسيب] ماندلشتام. كان الأستاذ في ذلك الوقت، الأستاذ الذي يدرِّس الشعر الروسي والذي سيبقى مجهَّل الاسم، قد أوشك أن يقنعني أن أغيّر مساري إلى الروايات، كان شخصا مريعا. كان علينا أن نعض بعضنا البعض حتى نبقى منتبهين في محاضراته. [تضحك] ستانيسلاف كان النقيض بالضبط. كان رائعا، وفرح فرحا شديدا حينما علم أنني أريد أن أعمل على الشعر. كنت أول طالبة أمريكية له منذ وصوله إلى الولايات المتحدة. كان يقضى وقتا إضافيا يكلمني عن الشعر البولندي في مكتبه بعد المحاضرات. هو نفسه كان شاعرا ويعيش العالم الشعري ويعرف أهله. غيّر إدراكي كلية للأدب. وبغتة صرت أرى الأشياء من الداخل. وأصابتني العدوى.
ـ ضروري لا أن نفهم اللغة وحدها بل والفترة وما يجري من أحداث حول العمل من أجل إحسان ترجمته؟
ـ معرفة اللغة تساعد ولا شك، برغم أن كثيرا من المترجمين يعملون من ترجمات أولية أو يتعاونون مع شخص آخر. في حالة ستانيسلاف وإياي، كلانا يعرف الإنجليزية، و كلانا يعرف البولندية، بدرجات متفاوتة طبعا. أعتقد أن السبيل الوحيد التي يتأهب من خلالها المترجم للترجمة هي بأن يمارس الترجمة ثم يعود فيمارس الترجمة ثم يعود فيمارس الترجمة. ويتلقى في ثنايا ذلك الآراء، وهو ما حدث معي لأنني كنت أعمل بالاشتراك مع مترجم شديد التمرس في البولندية. الترجمة شيء لا تتعلمه إلا بعمله. إذا أردت فعلا أن تعرف كل شيء عن السياق، فكيف لك أن تتجاسر أصلا على هذه الرغبة؟ وما الذي تفعله حينما تترجم ناسا ماتوا قبل ألفي سنة؟
لقد تبيّن أنني أحب العمل على التراث الحي، ومشاهدة الأشياء وهي تتكشف أمام عيني. ومن مشاهدة الناس في نضالهم، والاستماع إليهم، أعرف الفترة على نحو ليس لي أن أعرفه بطريقة أخرى. من يكره من، ومن يحب من، ومن تأثّر بمن، ومن يتظاهر أنه لم يتأثر بمن. ماندلشتام كان له أستاذ في المدرسة الثانوية من الشعراء الرمزيين، وقال إنه من تردده على منزل ذلك المدرس تعلم أن التراث [تراث الشعر الرمزي] عبارة عن شقاق عائلي ممتد وطويل. وأنت لا تكاد تنغمس في ذلك، حتى تبدأ في رؤيته حيثما نظرت. وترى التراث الأدبي في ضوء جديد. كل ذلك كان مثيرا للغاية. والآن شمبورسكا رحلت، وستانيسلاف رحل، وميلوش رحل، فالعالم ليس العالم نفسه، ولكنني على الأقل عشت فيه لفترة.
ـ متى عرفت شمبورسكا للمرة الأولى؟
كان ذلك في محاضرة لستانيسلاف. قرأتها للمرة الأولى في طبعة مزدوجة اللغة سنة 1981 أو 1982، ثم ظللت أقرؤها. بدأت أنا وستانيسلاف نعمل على الشاعر ريزارد كراينيكي وكان صديقا عزيزا لبرنازاكس الذي كنت قد تعرفت عليه. هو شاعر من نفس الجيل. طلب أحدهم من ستانيسلاف أن يترجم قصائد ريزارد، فطلب مني ستنانيسلاف المساعدة. كنت الباحثة المساعدة له في ذلك الوقت. ثم قمنا بإعداد أنطولوجيا. كان ذلك في عام 1985 أو 1986، وكانت لشمبورسكا مجموعة عنوانها "الناس على الجسر" وبدأنا نترجم ولم نستطع أن نتوقف.
ـ ما الذي أثار اهتمامك في شعرها على وجه التحديد؟
أعتقد أنها ربما تكون أكثر الشعراء طرافة بين من قرأت لهم. [تضحك] وهذا ليس تصنيفا نقديا، ولكن لها سحرا هائلا كشاعرة. سهل جدا أن تنجذب إليها. يحبطني كثيرا أن يقول الناس إنها واضحة ومباشرة. فهي ليست كذلك. هناك الكثير للغاية تحت السطح، أو أنها موجودة أمام الأعين على السطح. تبدو يسيرة للغاية، واصلة بسهولة، لكنك كلما تتعمق، تبصر المزيد.
ـ هل حدث أن قابلتها وقضيت وقتا معها على مدار السنين؟
ـ قابلتها للمرة الأولى في حفل جوائز نوبل في استوكهولم، وتلك في واقع الأمر طريقة بشعة لمقابلة شخص للمرة الأولى وهو لا يتكلم الإنجليزية. ظللت أقول لنفسي، يا إلهي، ذلك كأن تقابل إيميلي ديكنسن وهي لا تتكلم غير البولندية. كنت مرعوبة من أن أخطئ في البولندية. ولكن، من رقة قلبها، هي التي بدت محرجة لأنها لا تعرف الإنجليزية. وحدث أن صرنا صديقتين. كانت شخصا شديد الطيبة، ولكنها أحبتني أيضا. نجحت في الاختبار. ومن أسباب ذلك أنني كنت صديقة لأسرة برنزاك، وجزء آخر منه أننا تآلفنا بلا جهد. كان عليها أن تكون حريصة أشد ما يكون الحرص على وقتها. كانت لديها مجموعة من الأصدقاء، شديدة التماسك. أعرف أصدقاء ذهبوا لحضور فعاليات بعد وفاتها، فهالهم النطاق العريض من أصدقائها المنتمين إلى شتى المجالات والذين ما كانت لهم علاقة بالأدب ولو من بعيد. لم تكن شمبورسكا تحمي وقتها وحسب، بل ونفسها كذلك. كنت أذهب إلى بولندا مرة أو اثنتين في العام، فكانت كل مرة تخصص لي وقتا، إلا في مرة واحدة. قالت لي مساعدتها "إنها تحب أن تراك، ولكنها في الريف تكتب قصائد، ولا تستطيع أن تتوقف في الوقت الراهن". ولما كانت لم تكتب عبر حياتها الطويلة إلا قليلا من القصائد، فكرت أن أفضل ما أفعله هو أن أتركها وشأنها. وكان لقائي الأخير معها في مايو السابق على وفاتها.
ـ عندي فضول تجاه بعض اختياراتك عند إعداد الكتاب. فأنت على سبيل المثال، اخترت ألا تترجمي أعمال شمبورسكا الأولى. وفي الخاتمة بدا أنك حريصة للغاية على حمايتها.
ـ هذا ما يحدث عندما تعمل على شخص تعرفه. في حالتي مع شمبورسكا، كنت أعرف ما قد يكون عليه رأيها. أغلب الشعراء وهم يصدرون أعمالهم الكاملة يعمدون إلى كثير من الغربلة. دبليو إتش أودن مثال شهير على ذلك. قد يحذف الشعراء أشياء يتمنون لو أنهم لم يكتبوها أصلا. شمبورسكا لم تسنح لها تلك الفرصة. مارينا تسفاتييفا قالت إن هناك شعراء لهم تاريخ وشعراء بلا تاريخ. كانت تقصد أن هناك شعراء يكونون أنفسهم منذ القصيدة الأولى في مقابل شعراء يكون عليهم أن يتطوروا إلى أن يعثروا على أنفسهم. شمبورسكا كانت الشخص الذي ترى أنه عثر على نفسه. وهي انتقت جميع علامات الطريق عبر العديد من كتب المختارات التي أعدَّتها بمنتهى العناية مقررة ما الذي لا يجب نشره. وأردت أن أحترم ذلك، محاولة أن أتخيّل ما الذي كانت لتودّ إدراجه. وذلك ما يحدث حينما تعمل على شخص تعرفه.
لقد أعادت شمبورسكا نشر اثنتين أو ثلاثة من قصائدها الواقعية الاشتراكية لاحقا، والحق أن أغلب هذه القصائد ليست لها إلا قيمة تاريخية. يمكن من خلالها أن يجد الناس أمثلة على شكل الشعر الواقعي الاشتراكي، ولكنني ما كنت لأدرج أربعين أو خمسين من هذه القصائد في الكتاب. كما أن شمبورسكا كتبت الكثير من الشعر الكوميدي، ولكنها لم تضع أيا من ذلك على الإطلاق في الكثير من كتب مختاراتها. وأنا متأكدة أن شعراء آخرين يكتبون على الهامش الكثير من مثل هذا الشعر الفكاهي.
ـ شمبورسكا كتبت قصائد قليلة للغاية، نسبيا يعني. فهل كانت تكتب طول الوقت لكنها لم تكن ترضي إلا عن قليل من هذه القصائد؟
ـ لي صديق مقرب كان أيضا صديقا مقربا لها وعرفها لفترة طويلة للغاية، قال لي هذا الصديق إنها تخلصت من تسعين في المائة مما كتبته. أعتقد أن بعض أسباب هذا يرجع إلى الخصوصية. لم تكن تريد لقصيدة أن تظهر ما لم تكن جيدة تماما، على أفضل ما تستطيعه. وإلا فالأمر أشبه بالخروج على الملأ بأزرار غير مربوطة على النحو الصحيح. وهذا ليس من حسن الأخلاق. وشمبورسكا كانت تحب قصيدة "الأخلاق" لإليزابث بيشب التي قرأتها مترجمة إلى البولندية. الأمر له علاقة بحرصك على المظهر اللائق، بأن لا تفرض على الناس فوضاك. لم ترد ببساطة نشر ما لم تنشره. كان هناك بعض القصائد التي أعتقد أنها في مسوداتها كانت شديدة القرب من الاكتمال، ولا يزال عقلي غير مستقر بشأنها، ولكنني لا أقدر أن أفعل فيها أي شيء الآن.
ـ قلت في خاتمة الكتاب إن إحدى قصائدها كانت غير قابلة للترجمة. ما الذي يعنيه ذلك بالضبط؟
ـ إنه الشكل، اللغة، والألاعيب اللغوية في هذه الحالة بالذات. أتذكر عملي على تلك القصيدة لأنها كانت موزونة مقفاة، علاوة على التلاعبات اللفظية غير القابلة للترجمة عن المشي في الغابة. كانت جميعها تلاعبات لفظية متعلقة بمعجم الغابات، وليس بوسعك أن تخلق تلاعبات موازية غير متصلة بالغابات. كانت لديها قواف ساحرة، في كلمتي جوتايك ونايبوتايك أي القوطي وناطحة السحاب. وكانت تصف بهما شجرة سنديان. تبدو رائعة، وظللت أعمل وأعمل، فتبدو أسوأ وأسوأ، وقلت لها ذلك. فقالت "أوه انسيها، ليس بوسعك أن تترجمي هذه"، ثم قالت إن المترجم الهولندي ضيّع ستة شهور قبل أن ييأس ويتخلى عن الفكرة.
لقد تعلمت من ستانيسلاف أنك لا بد أن تحافظ على الشكل. والتصرف كما لو أن الشكل هو أول ما يمكن الاستغناء عنه يعني أنك لا تتعامل مع القصيدة كقصيدة. كان ذا موهبة استثنائية في ذلك، وكان يكره فكرة أن القصيدة هي معناها الحرفي وأن الشكل مجرد شيء زخرفي هدفه الزينة. فكانت إذا قفّت، قفّينا مثلها. وكنا بذلك الشكل نتوقف كثيرا. أعرف أن هناك أشكالا أخرى من الترجمة ولكني لا أقدر عليها. عليّ أن أبذل أقصى جهدي حفاظا على الشكل. وهناك أيضا التفكير بما كان ليسمح به ستانيسلاف. فقد أدخلت صوته في روحي منذ أن كنت أعمل معه لوقت طويل.
ـ بعد عملك لوقت طويل مع شمبورسكا، أتصور أن التفكير في التالي صعب بعض الشيء.
ـ فكرت بعد موتها ـ الذي ظللت لا أصدقه لوقت طويل ـ أنني قضيت نحو نصف عمري أعمل على شمبورسكا. [تضحك] شعرت بذلك شيئا شديد الغرابة. الكتاب صدر، وهذا يسعدني، لكن الغريب أن تنشأ لديك مهارة تجعلك تقول، يمكنني أن أرى ما تفعله هنا، أو أنا أعرف ما تفكر فيه، هذا التشبيه من نوعية تشبيهاتها. الآن لم يبق لي مكان أعمل فيه هذه المهارة. لقد كنت أعمل على سيرة لتشيسلاف ميلوش منذ وقت طويل. ولا زلت أترجم آدم زجاجيفسكي. رجعت إلى ريزارد كراينيكي، الشاعر الذي بدأت معه أنا وستانيسلاف. أعمل عل كتاب من شعره لدار نيو دايركشنز. إذن سأترجم لآخرين. كما أنني أعمل على زجاجيفسكي منذ وقت طويل للغاية هو الآخر. وأنا سعيدة للغاية أنه لا يزال يبعث لي بأعماله. عندي نفس الإحساس بأني أعمل على شخص منذ عقود وأقول "واو، انظري ماذا فعل هذه المرة". أحب أن أعمل على شعراء تعيش معهم، وتصبح صديقا لهم بمرور السنوات بعد السنوات.
ـ من قراءاتي التي أعترف أنها محدودة، يبدو لي أن هناك كثيرا من أفكار الشعر واللغة والسياسة الغربية والأمريكية التي لا تتماشى والنماذج البولندية والروسية.
صحيح. هناك كثير من الأشياء المتبادلة، التي تذهب وتجيء، وهذا أيضا ظريف ومدهش، وهو أيضا شيء ألاحظه حينما أكون في مزاجي البحثي. صدمت البولنديين حينما أوضحت شيئا كانوا يتصورون أن ميلوش أخذه عن مفكر بولندي فقلت أنا إنه في حقيقة الأمر أخذه من قراءته لفوكنر. هناك كل هذه الأشياء الغريبة التي تتحرك جيئة وذهابا، وتعقّبها مثير بالفعل، ولكن فكرة ماهية الشاعر وماهية القصيدة التاريخية مختلفة تماما. وبرغم أن التطبيع في بولندا غيّر بالتأكيد بعض الأشياء، ولا أستطيع أن أتكلم كثيرا عما يجري في روسيا الآن مع الشعر. من المؤكد أنه لا يوجد ـ ليس فقط في الثقافة الأدبية الأمريكية بل في الثقافة عموما ـ متن من الشعراء الذين إذا لم تعرفهم فأنت لست أمريكيا صالحا. سيكون مخجلا ألا تكون قرأت شيئا لبوشكين أو أخماتوفا أو ماندلشتام. فهم تراثك. هم جزء مما تتكون منه هويتك. وفي ذلك أيضا جوانبه السلبية، ولكن ذلك ليس لديك أيضا ولو من بعيد.
الشيء الذي منح الشعر البولندي والروسي والأوربي الشرقي رونقه الكبير على مدار العقود القليلة الماضية يتمثل في فكرة أنك يمكن أن تتعرض للاضطهاد من أجل ما تكتبه من شعر. ماندلشتام نموذج سافر على هذا، ففي روسيا فقط يكترثون بالشعراء إلى درجة القتل. هي نعمة ممزوجة بنقمة، هذا أقل ما يمكن قوله.


نشر الحوار أصلا في موقع مؤسسة الشعر الأمريكية ونشرت الترجمة اليوم في شرفات