الخميس، 27 أغسطس، 2015

دنيازاد ... سلمان رشدي

دنيازاد

سلمان رشدي

في عام 1195، تعرض ابن رشد، الفيلسوف العظيم والقاضي والطبيب الخاص للخليفة أبي يوسف يعقوب في قرطبة، للتشويه والتنكيل بسبب أفكاره اللبرالية التي لم تلق قبولا لدى المتعصبين البربر الذين كان نفوذهم يتزايد ويستشري في أسبانيا العربية انتشار الطاعون، بل ونفي داخليا إلى قرية أليسانة الصغيرة المليئة بيهود ما عاد بوسعهم الجهر بيهوديتهم إثر إرغامهم على الدخول في الإسلام. وسرعان ما شعر ابن رشد بالطمأنينة إلى منفاه وسط يهود ما عاد بوسعهم الجهر بيهوديتهم، وقد أصبح هو الآخر فيلسوفا حرقت كتبه وما عاد بوسعه عرض فلسفته. صحيح أنه كان من قبل أثيرا لدى الخليفة، ولدى أسرة الموحدين الحاكمة كلها، ولكن الأهواء تتغير، وأبو يوسف يعقوب سمح للمتعصبين أن يخرجوا من المدينة شارح أرسطو العظيم.
عاش الفيلسوف الذي ما عاد بوسعه الجهر بفلسفته في شارع ضيق غير ممهد، في بيت متواضع صغير النوافذ، مقهورا بغياب النور. أقام في أليسانة عيادة، ولما كان معروفا عنه أنه طبيب الخليفة السابق، فقد توافد عليه المرضى، وشرع بما توفر لديه من مدخرات قليلة في ممارسة تجارة الخيول على استحياء، كما قام بتمويل صناعة الجرار، أي الأواني الكبيرة التي كان يستعملها اليهود الذين ما عادوا يهودا في تخزين زيت الزيتون والنبيذ وبيعهما. وذات يوم بُعيد وصول ابن رشد إلى منفاه، ظهرت على بابه فتاة لعل لها من العمر ستة عشر صيفا، رقيقة الابتسامة، فلم تطرق الباب أو تقاطع أفكاره على أي نحو، بل بقيت واقفة تنتظر لدى الباب في صبر إلى أن شعر بوجودها ودعاها إلى الدخول. قالت له إنها حديثة عهد باليتم، بلا مورد رزق، وتعاف نفسها العمل في الماخور، وإن اسمها دنيا، ولم يكن الاسم يبدو يهوديا؛ فلم يكن مسموحا لها أن تجهر باسمها اليهودي، ولأنها أمية فلم يكن بوسعها حتى أن تكتب له اسمها الحقيقي. حكت له أن مسافرا اقترح عليها الاسم قائلا إنه إغريقي، معناه "العالم"، فراقت لها الفكرة. لم يعارضها ابن رشد، مترجم أرسطو، وقد علم أن للاسم هذا المعنى في ألسن عديدة، فلا داعي للحذلقة. لكنه سألها "ولماذا تتسمين باسم العالم؟" فقالت وهي تنظر في عينيه لا تجفل "لأن العالم سوف يتدفق مني، ومن يتدفقون مني سوف ينتشرون في طول العالم وعرضه".
كان ابن رشد رجلَ عقلٍ، فلم يقع في نفسه أن الفتاة جنية، من قبيلة نساء الجن، وأنها فيهن أميرة مهيبة، تقوم بمغامرة في الأرض، طالبةً إشباع افتتانها برجال الإنس عامة، والعباقرة منهم خاصة. فاتخذها في بيته خادما وعشيقة، فكانت في جنح الليل الساكن تهمس في أذنه باسمها اليهودي "الحقيقي" ـ أي الزائف ـ فكان سرا بينهما. وكانت الجنية دنيا على قدر مذهل من الخصوبة مصداقا لنبوءتها. ففي غضون السنتين والشهور الثمانية والأيام والليالي الثمانية والعشرين التالية، حبلت ثلاث مرات أنجبت فيها العديد من الأطفال، ففي كل مرة كانت تلد سبعة على الأقل، وفي إحدى المرات كما سوف يتبين أنجبت أحد عشر، أو ربما تسعة عشر، فالسجلات مبهمة.  وورث عنها بنوها جميعا قسمتها المميزة: فلم يكن لأي منهم في أذنه حلمة.
ولو كان ابن رشد عارفا بالسحر لأدرك أن بنيه نسل أم غير بشرية، لكنه كان منكفئا في ذاته فلم يدرك الأمر. خشي الفيلسوف ـ الذي ما عاد بوسعه أن يتفلسف ـ أن يرث أبناؤه عنه مواهبه المؤسفة التي كانت له كنزا وعليه لعنه. قال "من أوتي رقة الجلد، وبعد النظر، وطلاقة اللسان، فقد أوتي الإحساس المرهف، والبصر الحاد، والكلام المنساب. وهو هيّن على العالم إن لم ير العالم في نفسه الهوان، وهو يفهم تقلب أطواره وإن أيقن العالم في نفسه دوام الحال، وهو يستشعر الآتي قبل أن يشعر به الآخرون، ويعرف أن المستقبل البربري واقف على بوابات الحاضر يمزقها بينما غيره مستمسكون بالماضي الأجوف المهترئ. ولو أسعد الحظ بنينا، فما هم وارثون منا غير أذنيك، ولكن الوارد، وهم للأسف بنو صلبي، أنهم سيفكرون فيكثرون في التفكير، ويسمعون فيبكِّرون إلى الاستماع، ويبلغون في ذلك كله ما ليس مسموحا بالتكفير فيه أو الإنصات إليه".
وكثيرا ما كانت دنيا تقول له في أولى أيام معاشرتهما "احك لي حدوتة". وسرعان ما أدرك ابن رشد أنها على حداثتها البادية رفيعة الذوق، ناصعة الرأي، بعيدة الرضا، في السرير وفي سواه. ومع أنه كان ضخم الجثمان، وأنها كانت أشبه بالطائر الصغير أو اليرقة الرهيفة، فقد كان كثيرا ما يشعر أنها الأقوى. كانت بهجة شيخوخته، لكنها كانت تريد منه مستوى من الطاقة يصعب عليه بلوغه. فكان في بعض الأحيان لا يريد وهو في السرير إلا أن ينام، لكن دنيا كانت ترى في سعيه إلى الغفو عدوانا وتقول له "إنك إن سهرت الليل تمارس الحب لنلت من الراحة ما لا تناله إن قضيت الساعات في شخير الثيران، وهذا معروف". وفي مثل سنه، لم تكن تهيئة نفسه للجنس بالأمر اليسير، لا سيما في الليلة عقب الليلة، ولم تكن ترى في مشقة الاستثارة عليه في شيخوخته إلا دليلا على فتور حبه، فكانت تقول له "إذا حضر الجمال، فلا عائق إذن على الإطلاق، مهما تتابعت الليالي. عن نفسي، أنا متقدة طول الوقت. بوسعي أن أستمر إلى الأبد ـ وأن لا أقف عند حد".
كان اكتشافه أن في الحكايات تهدئة لحميتها البدنية عزاء له. تقول له "احك لي حدوتة" وتنزوي تحت ذراعه حتى يكون رأسها لمرفقه متكأ، فيحدث نفسه قائلا، يا رب إنني الليلة بمنأى عن الكتاب، ويؤتيها، رويدا رويدا، القصة التي تخطر له. وكان يجري على لسانه من الكلمات ما يذهل له أهل زمانه كـ "العقل" و"المنطق" و"العلم"، والثلاثة عمدان فكره وما انتهى بكتبه إلى الحرق. وكانت دنيا تخاف تلك الكلمات، لكنه الخوف الذي يذكي فيها اللهفة، فتنضوي فيه وتسأله أن "أمسك رأسي وأنت تملؤها بأكاذيبك".
كان في نفسه جرح حزين غائر، فقد كان رجلا مهزوما، خسر معركة حياته الكبرى أمام الفارسي الميت، الغزالي ابن طوس، خصمه الذي قضى نحبه قبل خمسة وثمانين عاما. وكان الغزالي قد ألّف قبل مائة سنة كتابه "تهافت الفلاسفة" مهاجما فيه الإغريق من أمثال أرسطو، والأفلاطونيين الجدد ومن لفّ لفهم، وأسلاف ابن رشد العظام كابن سينا والفارابي. وكان الغزالي في لحظة من حياته قد عانى مشكلة إيمانية، ثم برأ منها وقد قرّ في نفسه أنه صار أمضى سيوف زمانه والزمان كله على الفلسفة. قدح في الفلسفة يقول إنها عاجزة عن إثبات وجود الله، بل وعن إثبات استحالة وجود إلهين. كانت الفلسفة تؤمن بحتمية العلة والمعلول، وكانت تلك إهانة لله القادر على التدخل لإبطال العلة وتبديل آثارها إن شاء جل شأنه.
سأل ابن رشد دنيا لما لفهما الليل بصمته فتهيأ لهما الجهر بالمحظور "ما الذي يحصل حينما يمس ثقاب موقد كرة من القطن؟"
أجابته "تضطرم النار في القطن ولا شك".
قال "فلم تضطرم فيه النار؟"
قالت "لأن ذلك شأنه. يلعق لسان النار القطن فيصير القطن بعضا من النار. وهذا شأن كل شيء".
قال "هو ناموس الطبيعة، أن تكون للعلل آثارها". وأطرقت رأسها تحت لمس يده.
قال ابن رشد "ثم جاء ذلك وخالف" فعرفت أنه يعني العدو، الغزالي. "قال إن النار تضطرم في القطن لأن الله جعله على هذا، وإنه ما من قانون في كون الله إلا ما يشاء الله".
"فلو شاء الله أن يخمد القطن النار، ولو شاء للنار أن تكون هي جزءا من القطن، لأمكنه ذلك؟"
قال ابن رشد "نعم، يرى الغزالي في كتابه أن الله على ذلك قدير".
فكّرت لوهلة ثم قالت أخيرا إن "هذا غباء"، وأمكنها برغم العتمة أن تستشعر بسمته التي فيها من الاستهزاء مثل ما فيها من الألم، ترتسم ملتوية على وجهه الملتحي.
أجابها قائلا "كان يقول إن هذا هو الإيمان الحق، وإن من يخالفه ... متهافت".
قالت "فأي شيء يمكن أن يحدث إن رأى الله أن لا بأس في حدوثه. فقد لا يمس الإنسان الأرض بقدميه على سبيل المثال، ويخطو في الهواء".
قال ابن رشد "المعجزة هي أن يغير الله القواعد التي يختار أن يجريها، وإذا نحن لم نفهمها، فذلك لأن الله في نهاية المطاف لا تبلغه الأفهام، أي أن فهمنا يعجز عن إدراكه".
عادت مرة أخرى إلى الصمت ثم قالت "فافرض، افرض" مباعدة بين كلماتها "افرض أن الله غير موجود. وافرض أنك تجعلني أفترض أن لـ ’العقل" و’المنطق’ و’العلم’ سحرا يبطل الحاجة إلى الله. فهل لأحد أن يفترض أنه من المستحيل افتراض شيء كهذا؟"
شعرت بجسده يتوتر. خطر لها أنه الآن، وإن يكن ابن رشد، خائف من كلماتها هي، فانتشت من الفكرة نشوة غريبة. قال "لا" بحدة "هذا بالذات فرض شديد الغباء".
ألَّف ابن رشد كتابه "تهافت التهافت" ردا على الغزالي الذي يفصله عنه مائة عام وآلاف الأميال، ولكنه على عنوانه المدهش لم ينل من سلطان الفارسي، فكان العار في نهاية المطاف من نصيب ابن رشد الذي أضرمت في مؤلفاته النار، فالتهمت صفحاتها مصداقا لما أراده الله لحظة أن قرر أن يكون هذا شأن النار في كل شيء. وفي جميع ما كتبه، حاول ابن رشد أن يصالح بين مفردات "العقل" و"المنطق" و"العلم" ومفردات "الله" و"الإيمان" و"القرآن"، فلم يفلح، برغم أنه استخدم بغاية الرهافة حجة الرحمة مستشهدا بالقرآن إذ يقطع بوجود الله بناء على وجود الجنات التي وهبها للبشر في الأرض: "وَأَنزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاء ثَجَّاجًا، لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا، وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا". كان ابن رشد يهوى البستنة، فبدت له حجة الرحمة دليلا على وجود الله، وعلى طبيعته الجوهرية الرحيمة السمحة، ولكن أنصار الإله في صورته الأقسى غلبوه. وها هو الآن مستلق بجوار ـ من يحسبها ـ يهودية اعتنقت الإسلام، أنقذها من الماخور، وبدت له قادرة على النفاذ إلى أحلامه التي يحاجج فيها الغزالي بلغة الأضداد، والحماس المتقد، والمضي في الطريق حتى نهايته، أي باللغة التي كانت لتسوقه إلى السياف إن هو استعان بها في صحوه.
وفي حين كانت دنيا تمتلئ بالأطفال ثم تفرغهم في البيت الصغير، مضى يتضاءل الحيز المتاح لـ"أكاذيب" ابن رشد المهرطقة، وتضاءلت لحظات الحميمية بين الاثنين، وباتت النقود مشكلة. قالت له "إن الرجل الحق هو الذي يواجه تبعات أفعاله، لا سيما الرجل الذي يؤمن بالعلة والمعلول. ولكن جني المال لم يكن يوما ملكة الرجل. كانت تجارة الخيول غدارة ومليئة بالآثام، فكانت أرابحه منها بسيطة. وكان له في سوق صناعة الجرار منافسون كثر فتدنّت الأسعار. ونصحته دنيا في شيء من التبرم أن "زِد الأجر قليلا على مرضاك. عليك أن تنال من المال ما يليق بوضعك الغابر، مهما يكن قد تدهور. وماذا بيدك سوى هذا؟ ليس يكفي أن تكون وحشا صانعا للأطفال، تصنعهم، فيولدون، بل لا بد من إطعامهم. هذا هو ’المنطق’. هذا هو ’العقل’". كانت تعرف أيَّ الكلمات تسدِّد إليه. فصاحت فيه بنبرة المنتصرة "وإن لم تفعل هذا يكن عين ’التهافت’".
والجن مغرمون بكل ذي بريق، من ذهب وجواهر وما إلى ذلك، وهم يخفون كنوزهم من كل ذلك في كهوف تحت الأرض. فلماذا لم تصح جنيتنا "افتح" لينفتح باب كهف من كهوف تلك الكنوز تنفرج على إثره همومهما المالية في طرفة عين؟ لأنها اختارت حياة البشر، وأن تكون زوجة "بشرية" لرجل من بني الإنس، وكانت ملتزمة باختيارها. وكان كشفها لحبيبها عن نفسها في هذه المرحلة بمثابة الاعتراف بإقامة العلاقة منذ بدايتها بينهما على نوع من الخيانة، والكذب، فلزمت الصمت، خشية أن يهجرها.
كان هناك كتاب فارسي عنوانه "هازار أفسانه"، أو "ألف حكاية" وكان مترجما إلى العربية. كانت الحكايات في النسخة العربية أقل من الألف، لكن أحداث الحواديت نفسها كانت تجري على مدار ألف ليلة، أو لأن الأرقام المنتهية الصفرية كانت تعد قبيحة، فليكن العنوان ألف ليلة وليلة إضافية. لم يكن ابن رشد قد رأى الكتاب وإن حكي له كثير من حكاياته في البلاط. فراقت له من بينها حكاية الصياد والجنية، لا بسبب عناصرها الفنتازية (جني القنديل، والسمك الناطق، والأمير المسحور الذي نصفه بشري ونصفه من رخام) بقدر ما راقه ما فيها من جمال تقني، بسبب الطريقة التي تحكى بها الحكاية منضوية في حكايات أخرى ومنطوية على حكايات أخرى، حتى صارت الحكاية مرآة صادقة للحياة، ففي الحياة ـ حسبما كان ابن رشد يرى ـ تنطوي قصصنا جميعا على قصص غيرنا، وتنضوي قصصنا جميعا في قصص أكبر وأعظم، هي تواريخ عوائلنا، وأوطاننا، ومعتقداتنا. وأجمل حتى من القصص داخل القصص كانت قصة الحكاءة، الملكة المدعوة شهرزاد التي تحكي حواديتها لزوج قاتل منعا له من إعدامها. قصص تحكى للانتصار على الموت، لتهذيب بربرية الملك البربري. وعند أقدام سرير الزوجية كانت تجلس أخت شهرزاد، وجمهورها المثالي، ومن ثم حكاية أخرى، وأخرى. ومن هذه الأخت، أخذ ابن رشد الاسم الذي خلعه على أسراب الصغار المنبجسة من بين ساقي حبيبته دنيا، إذ اتفق أن كان اسم هذه الأخت هو دنيا زاد، "ومن ثم فإن ما يملأ علينا هذا البيت المعتم ويرغمني أن أفرض أجورا إضافية على المرضى من أشقياء أليسانة وعجزتها، هو مجيء دنيا زياد، أي قبيلة دنيا، أي السلالة الدنيوية، أي أهل الدنيا، أي، ببساطة، أهل العالم".
استاءت دنيا بشدة وقالت "أتعني أنه بما أننا لسنا زوجين فليس بوسع أبنائنا أن يحملوا اسم أبيهم؟"
فارتسمت على وجهه بسمته الحزينة الملتوية وقال "خيرٌ لهم أن يكونوا أبناء دنيا زاد، فهو اسم فيه العالم ولم يدنه العالم، أما إن صاروا الرشديين، فقد سيقوا إلى العالم موسومين على جباههم".
بدأت دنيا ترى نفسها أختا لشهرزاد، فتطلب القصص طول الوقت، لولا أن شهرزادها رجل، وحبيب من غير دمها، ومن قصصه ما كان يمكن أن يفضي إلى مقتلهما لو انسربت كلماته عرضا من ظلمة مخدعهما. قالت دنيا لابن رشد إنه أقرب إلى اللاشهرزاد، هو النقيض التام للحكّاءة في "ألف ليلة وليلة": فحكاياتها هي أنقذت حياتها، أما حكايته هو فتضع حياته في خطر. ولكن حدث أن انتصر الخليفة أبو يوسف يعقوب في الحرب، وحقَّق أكبر انتصاراته العسكرية على ملك قشتالة المسيحي ألفونسو الثامن في ألاركوس على نهر جواديانا. وبعد معركة ألاركوس التي قتل فيها جنود الخليفة مائة وخمسين ألفا من جنود قشتالة، أي قرابة نصف الجيش المسيحي، خلع أبو يوسف يعقوب على نفسه لقب المنصور، وبثقة البطل المظفر أنهى صعود البربر المتعصبين واستدعى ابن رشد من جديد إلى البلاط.
أميط العار عن جبين الشيخ الفيلسوف، وأعيد من منفاه. كرَّمه الخليفة وشرَّفه وأعاده إلى منصبه السابق طبيبا للقصر بعد سنتين وثمانية شهور وثمانية وعشرين بوما من نفيه، أي بعد ألف يوم وليلة، ويوم وليلة إضافيين، وبالطبع كانت دنيا حبلى من جديد ولم يكن قد تزوجها، ولم يمنح أبناءها اسمه بالطبع، ولم يصطحبها معه إلى بلاط الموحدين، فلم يبق لها ذكر في التاريخ الذي اصطحبه معه ابن رشد لدى رجوعه مثلما اصطحب عباءاته، وردوده السريعة، ومخطوطاته، ما كان منها مجلدات، وما كان منها لفائف، وجميعها مخطوطات غيره، فمخطوطاته هو كانت قد حرِّقت، وإن بقيت منها نسخ عديدة ـ حسبما حكى لها ـ في مدن أخرى، وفي مكتبات أصدقاء، وفي مخابئ كان قد أعدها ليوم تنقلب فيه الدنيا عليه، فالحكيم من يحذر النوائب، ويتواضع منتظرا من الحظ الحسن مفاجأته. رحل دون أن يكمل إفطاره، ودون أن يودّعها، ولم تهدِّده، ولم تكشف له عن طبيعتها أو عن القوة الكامنة فيها، لم تقل له إنني أعلم ما تجهر به في أحلامك، حينما تفترض ما من الغباء افتراضه، حينما تكف عن محاولتك المصالحة بين ما لا يمكن المصالحة بينه وتنطق بالحقيقة الرهيبة القاتلة. جعلت التاريخ يتركها لم تحاول استمهاله، مثلما يترك الصغار موكبا جليلا يمر، محتفظين به في ذاكرتهم، متخذينه لأنفسهم، ومضت على حبها له، برغم هجرانه لها. ودّت لو تقول له لقد كنت لي كل شيء. كنت لي الابن والقمر، ومنذا الذي يمسك الآن رأسي، ويقبل شفتي، ويكون أبا لأبنائي؟ ولكنه كان رجلا عظيما منذورا لأروقة الخالدين، أما أولئك الصغار المزعجون فما كانوا له إلا أثقالا يتخفف منها في صحوه.
يقال إن دنيا بقيت بين البشر لفترة، آملةً، ربما، في رجوع ابن رشد، وبقي ابن رشد يرسل إليها المال، ولعله كان يزورها بين الحين والآخر، وإنها توقفت عن تجارة الخيل لكنها بقيت على صناعة الجرار. لكن الآن وقد أشرقت شمس التاريخ وقمره إلى الأبد فوق بيتها، فقد أصبحت قصتها ذات ظلال وألغاز، فقد يكون صحيحا ما قاله الناس عن روح ابن رشد التي رجعت إليها بعد وفاته فأولدتها مزيدا من الأطفال. وقد يكون صحيحا أيضا ما قاله الناس عن ابن رشد وأنه أتاها بقنديل فيه جني، فكان هذا الجني أبا لأبنائها بعد رحيله عنها، وهكذا نرى كيف تقلب الشائعات الأمور رأسا على عقب! وقالوا أيضا، فجاوزوا الرحمة، إن المرأة المهجورة صارت تقبل أي رجل يدفع لها الإيجار، فكان كل رجل تفتح له يترك لها نسلا جديدا، فلم يبق نسل دنيا زاد، أبناءُ الدنيا، أبناء زنا رشديين وحسب، أو أن بعضهم لم يكن كذلك على الأقل، أو أن كثيرا منهم لم يكن كذلك، ففي نظر أكثر الناس أصبحت قصة حياتها كلاما منثورا تتفكك حروفه حتى لا يصير لها معنى، فلا يعرف منها كم طال بها العمر، أو كيف مضى، أو أين، أو مع من، أو متى ماتت، أو كيف، أو هل ماتت أصلا.
لم يبال أحد بأن يلحظ أنها ذات يوم تنحت جانبا وانسلت عبر فتحة في العالم راجعة إلى واقعها الآخر في بيرستان، في عالم الأحلام الذي يأتي منه الجن بين الحين والآخر ليناكفوا البشر أو ينعموا عليهم. بدا لأهل قرية أليسانة وكأنها ذابت ربما في دخان من غير نار.
بعدما رحلت دنيا عن العالم، قلَّ عدد زائري عالمنا من الجان، حتى توقفوا عن المجيء تماما، واختفت شقوق العالم وسط أعشاب العرف وأشواك المادة المضجرة، حتى انسدت تماما، ولم يبق لأسلافنا إلا أن يعتمدوا على قواهم وطاقاتهم دونما عون من بركات السحر ولعناته.
لكن أبناء دنيا بقوا. ذلك أقصى ما يمكن قوله. وبعد قرابة ثلاثمائة سنة، حينما طرد اليهود من أسبانيا، حتى اليهود الذين ما كان بوسعهم أن يقولوا إنهم يهود، ركب أحفاد أحفاد دنيا، وأحفاد أحفاد أحفادهم سفن قادش وبالوس دي موجير، أو ساروا عبر جبال البيرانس، أو طاروا على البسط السحرية أو في الجرار العملاقة شأن أهلهم الغابرين من الجن. اجتازوا القارات والبحور السبعة وتسلقوا الجبال الشاهقة وخاضوا الأنهار الدافقة وانداحوا في الوديان الغوائر نشدانا للملاذ الآمن أينما صادفوه، وسرعان ما نسوا بعضهم البعض، أو هم تذكروا ما أسعفتهم الذاكرة ثم رضوا بالنسيان، أو لعلهم لم ينسوا قط، فصاروا عائلة غير العوائل، وقبيلة غير القبائل، واعتنقوا كل دين ولا دين، وبعد انصرام القرون على الاعتناق، وفيما هم جاهلون بأصولهم الروحانية وقصة إرغامهم على تبديل دينهم، صار منهم الأتقياء إلى حد الهوس، والكافرون المستخفون بكل شيء. كانوا عائلة بلا مكان وكان لهم في كل مكان عائلة، قرية بلا موقع تعصف بها الريح فهي في كل موقع من الكوكب داخلة خارجة، كالنباتات عديمة الجذور، كالطحالب كالأوركيد المتسلق يتكئ على غيره، عاجزا عن الوقوف بمفرده.
والتاريخ لا يرحم من يهجرهم، وبوسعه أن لا يرحم بالمثل من يصنعونه. مات ابن رشد (هرما، أو هذا ما نعتقده) وهو على سفر له في مراكش بعد عام تقريبا من رجوعه إلى البلاط، فلم ير قط شهرته تجتاز الآفاق، فتمتد إلى ما وراء حدود عالمه موغلة في عالم الكفرة حيث صارت شروحه لأرسطو أساسا لشهرته الهائلة، وحجر الزاوية في فلسفة الكفرة اللادينية، العلمانية، القائمة على ما لم يكن يجهر به من أفكار في غير أحلامه. ولعل ابن رشد، وهو الرجل المتدين، ما كان ليرضى بالموضع الذي منحه له التاريخ، فما أغربه من مصير لمؤمن أن يكون مصدر إلهام لأفكار لا حاجة بها إلى الإيمان، وما أغربه من مصير لرجل من أهل الفلسفة أن ينتصر في ما وراء حدود عالمه وينهزم فيه، ففي العالم الذي عرفه كان أبناء خصمه الميت، الغزالي، هم الذين تكاثروا وورثوا المملكة، أما أبناؤه من الزنا فانتشروا، وقد تخففوا من الاسم الممنوع عليهم، وملأوا أربعة أركان الأرض.
انتهى المطاف بكثير ممن نجوا منهم في قارة أمريكا الشمالية العظمى، وكثير غيرهم في شبه القارة الآسيوية الجنوبية العظمى، بفضل ظاهرة التوزيع المتكتل، أو الانتقال الجماعي، وهي جزء من اللامنطق الغامض في التوزيع العشوائي، انتشر كثير منهم بعد ذلك من الأمريكتين إلى الغرب وإلى الجنوب، أو من الماسة العظمى في جنوب آسيا إلى الشمال والغرب، في كل قارات العالم، ومن الإنصاف القول إنهم لم يأخذوا من دنيازاد آذانهم وحسب، بل وأقدامهم التي لا تقر ولا تكل. مات ابن رشد، وعاش برغم ما بينه وبين خصمه من جدل، ذلك أن حجج المفكرين العظام ليست لها نهاية، فالحجة في ذاتها أداة لتطوير العقل، بل هي من بين جميع الآلات أحدُّها، وكيف لا؟ وهي ابنة حب المعرفة، أعني الفلسفة.

نشرت في مجلة ذي نيويوركر الأمريكية بتاريخ الأول من يونيو 2015 ونشرت هذه الترجمة في مجلة إبداع ـ 2015