الأربعاء، 4 مارس، 2015

ذكرى روجر مورتيمر ... أليس مونرو

ظهرت هذه المقالة للمرة الأولى في مجلة "مونترياليه" سنة 1962، قبل سنوات عديدة من نشر أليس مونرو كتابها الأول. ولم تنشر مرة أخرى قط منذ ذلك الحين. تصف مونرو فيها "أول كتاب حقيقي" قرأته في حياتها، وهو "تاريخ إنجلترا للأطفال" A Child’s History of England لتشارلز ديكنز والذي كانت حكاياته بما فيها من ميلودراما هي أول لمحة نلتها للتاريخ، قبل أن أعرف حتى ماذا يكون التاريخ".

ذكرى روجر مورتيمر
أليس مونرو


حينما كنت في البيت في الصيف الماضي، عثرت على كتاب قديم، هو أول كتاب قرأته، ورأيت أنه قد يثير اهتمام أبنائي يوما ما، فوضعته في حقيبتي وجلبته معي إلى فانكوفر. عنوانه "تاريخ إنجلترا للأطفال"، ومؤلفه تشارلز ديكنز، ولا أعرف تاريخ نشره [1852 ـ ويكيبديا] لأن الصفحات الأولى من نسختي مفقودة، ولكنني أرجح أن يكون صدر نحو عام 1850. كتاب لم يسمع به من أهل زماننا غير القليلين، بل ولا يؤتى على ذكره في كثير من قوائم أعمال ديكنز.
ولا أود، إذ أقول إن هذا أول كتاب قرأته، أن أترك الانطباع بأنني كنت منغمسة وأنا في الرابعة والنصف من عمري في تاريخ إنجلترا، أو أي شيء من هذا القبيل. بل أعني أنه كان أول كتاب حقيقي، وكذلك أول كتاب قرأته، بمعنى أنه كانت لدي رؤية شخصية لما كنت أقرأ عنه، وكان مفاجئا، صعبا، مثيرا بصورة مؤلمة. ولا بد أنني قبل ذلك كنت قد عبرت على كثير من الكتب المدرسية البسيطة، ومن بينها كتاب حفظته حفظا، أعني أني حفظت صوره جميعا، قبل أن ألتحق بالمدرسة، وفعلت هذا كنوع من اللقاح ضد الاضطرار إلى تعلم القراءة التي كنت متأكدة إلى حد كبير أن تعلمها سيكون أمرا عسيرا. غير أن اللقاح خانني، وتعلمت، وصرت أقرأ القصص المصورة في "جلوب آند ميل" ودروس الفرنسية البسيطة في "كتب المعرفة". طبعا لم أكن أقرأ فرنسية "الدروس البسيطة" ولا حتى الترجمة الإنجليزية، لأن ما كان يجري بين أبناء الطبقة الراقية أولئك ومُرَبِّيتهم في تلك الكتب بدا غامضا ومملا، ولكن ما كنت أحبه في تلك الكتب هو السطر الذي كان يرد في أواسط الصفحات، مكتوبا بالخط المائل، محتويا الترجمة الحرفية الإنجليزية للنص الفرنسي، وإن كنت وقتها لا أعرفه، وأرى أن بلاهته الرائعة وتهتهته العبثية (أنا له أعطي برتقالة ماما I to him give the orange of Mama) غير واردة في الكتاب إلا على سبيل التفكه.
وبعيدا عن تلك التسلية لم أكن أعرف للقراءة غرضا. وكنت حينما أرغب في قصة، لا يكون عليّ إلا أن أجعل جدتي تقرؤها لي. ثم كان الإنصات لصوتها، صوتها القرائي، يبدو دائما وفيه لمسة من الشك والسحر، ويبقى مع ذلك عامرا بالإيمان، والعزم الشجاع، وكنت أطالع وجهها، بتعبيراته الدالة، والمألوفة أشد ما تكون الألفة، إذ ترفع حاجبيها، أو تحني ذقنها منذرة بشر، أو تهز رأسها مؤمِّنةً على ما تقوله الشخصية إن هي قالت شيئا معقولا، فكنت أشعر وقتها أن القصة تنتقل إلى الحياة، وتكتسب وجودا خاصا بها، فكان يبدو لي وكأنها لا تقرأ من كتاب أصلا، بل إن ما يجري على لسانها هو شيء يمكنها أن تخترعه اختراعا، وتأتي به من العدم. قرأت لي جميع قصص بورجس Burgess، ويا لها من خيبة تلك التي شعرت بها حينما حاولت أن أقرأها بنفسي.
ثم حدث ذات صيف أن أصابني السعال  الديكي، فلم أعد أقدر بعدها على الذهاب للسباحة أو القفز في الجرن أو لعب دور الرئيسة على أخي الصغير لأنه في ذلك الوقت كان مصابا بالسعال هو الآخر. ولم تكن جدتي في البيت، لعلها كانت تزور أقارب لها. فكنت أتأرجح على أرجوحتي إلى أن يصيبني الدوار، ثم بلا سبب معين أتناول كتاب "تاريخ إنجلترا للأطفال" من مكتبة غرفة المعيشة، وأجلس على الأرض لأشرع في قراءته. ولم أعرف إلا لما كبرت أن سبب وجود هذا الكتاب في مكتبتنا هو أنه كان في الماضي لأبي، وأنه كان أول كتاب قرأه في حياته هو الآخر. ولم أعرف ذلك في حينه لأن أحدا لم يسألني فيم أقرأ، وأنا من ناحيتي لم أقل لأحد، فقد كانت القراءة في بيتنا شأنا شخصيا ليس فيه ما هو جدير في ذاته بالثناء. كانت القراءة أشبه بحمى القش التي كان الجميع عرضة لها، ومن يتصادف أن ينجو منها يكن الجدير بالتهنئة. وما كان الإدمان يتمكن من أحد، إلا ويكف الجميع عن التفكير في التدخل في الأمر. وبعد سنتين من ذلك تحولت إلى الطفلة التي تقرأ وهي تصعد الدرج وتثبت كتابا أمامها وهي تغسل الأطباق، فكانت أمي تشير إليَّ إشارة قدرية في حضرة خالاتي إذ يأتين لزيارتها قائلة "إيما مكلور أخرى"، وكانت إيما مكلور قريبة لنا تعيش في مكان من أعماق الريف وتقرأ ليل نهار منذ خمسة وثلاثين عاما، فلم يتوفر لها وقت للزواج، أو لمعرفة أسماء بني إخوتها وبناتهم، أو تصفيف شعرها قبل أن تأتي إلى المدينة. كان الجميع ينظرون إليَّ في تشاؤم، ولكن أحدا لم يبعدني عن الكتاب.
ما كدت أفتح "تاريخ إنجلترا للأطفال" حتى تذكرت الرائحة، وما هي إلا رائحة كتاب قديم، ذي ورق مصفرٍّ رخيم جيد، كالغبار، لولا أنه أثرى، بلمسة بعيدة من الفانليا، أو من تلك الرائحة التي تكاد تستشعرها على لسانك إذا تفتح علبة شوكولاتة خاوية. تبدو الرائحة لي بالطبع كرائحة عتمة الصيف في غرفة معيشة خاوية في بيتنا، والستائر كلها مسدلة، وكل شيء وادع كأننا في كنيسة، لولا سعالي الهادئ الحزين، وبرج لندن، وصحوة هيروارد، ونيران سميثفيلد، والوردة الحمراء، والوردة البيضاء، وكريكي وآجنكورت، وميدان ثياب الرب. والآن إذ أقرؤه من جديد أرى أنه بسبب هذا الكتاب أصبحت معلومات التاريخ، أو حتى اللوافت التي تطرح هذه المعلومات من تحتها، تعطيني الإحساس بتلك الإثارة الفريدة، فلا يكاد يقال "مؤامرة البارود" أو "إنتينتي كورديالي" أو أي من هذا الهراء حتى يسري بظاهر رقبتي إحساس بالقشعريرة بسبب أمور لا أحسب أن مؤرخا مسؤولا يمكن أن يعنى بها. ولأن هذه اللمحة الأولى التي نلتها للتاريخ، قبل حتى أن أعرف ماذا يكون التاريخ، أرتني ذلك التتابع المتوهج للملوك الجيدين والملوك السيئين (أو هم بالأحرى الملوك السيئن والملوك الأقل سوءا، فديكنز لم يكن مناصرا للملكية، ومن ألفريد العظيم إلى وليم البرتقالي لم يكن ثمة إلا موكب من اللصوص والمهرجين تتخللهم ماري الدموية وإليزابث الضجرة). التاريخ كله بما فيه من مكائد وإعدامات، وجميلات تافهات الأثر وملكات قاتلات بالسم، وقصص غرام ودناءات، كان يتخلل الميلودراما الديكنزية مزركشا بالآثار المسرحية من "البيت الموحش" و"أوليفر تويست". لا بد أن يكون ذلك أجرأ كتب التاريخ على الإطلاق في اعتماده على الحواديت، إذا لا يخطر على بالي تاريخ آخر يمكن أن يبدأ أحد فصوله على النحو التالي:
روجر مورتيمر، عشيق الملكة (الذي هرب إلى فرنسا في الفصل الأخير) كان ...
والملكة المعنية هي الملكة إيزابيلا، زوجة إدوارد الثاني، التي كان يقال إنها أجمل نساء الدنيا. أما عن مورتيمر، فلم يكن له من العقل ما يبقيه في فرنسا، وفي الصفحة التالية نجد ابن الملكة وزمرة من المتآمرين ماضون في طريق سري إلى غرفة مورتيمر في قلعة نونتهم "عند منتصف الليل ... مثيرين الروع في قلوب البوم والوطاويط ... صاعدين درجا حالك العتمة في صمت بالغ العمق" وتصيح الملكة من مخدعها "آه يا ولدى الحبيب، يا ولدي العزيز، دع لي مورتيمر الحبيب". فلا يلتفت إلى توسلاتها، وذلك عادة شأن التوسلات، ويزج به إلى حيث يشنق في تايبيرن.
وكان الأعلى مقاما من مورتيمر لا يعدمون بالشنق بل بالبلطة، فتنتشر مشاهد إعدامهم متألقة في ثنايا الكتاب، بلغة هي الأشد نصاعة بثيابها اللفظية القشيبة، لو أمكن القول، مقبضة، باعثة للرعدة، يتقاطر منها ما يشبه العصارة الفكتورية.
وبينما كان يتلى حكم الإعدام، كانت جالسة، فلما انتهى ذلك، أنكرت جرمها، مثلما سبق وأنكرته، وألقى عليها دوق كينت وكاهن بيتربورو، بحماسة بروتستنتية، خطابين لا داعي لهما، فما كان جوابها عليهما إلا قولها إنها تموت على الكاثوليكية، وما كان لهما أن يباليا بتلك المسألة. ولما رفع الجلاد الغطاء عن رأسها ورقبتها قالت إنها لم تعتد أن تعريها من ثيابها مثل هذه الأيدي الخشنة، أو أن تتخفف من ثيابها أمام مثل هذه الصحبة الغفيرة. وأخيرا، وضعت إحدى خادماتها ثوبا على وجهها ووضع عنقها على الخشبة، وكرر أكثر من صوت باللاتينية "إلى يديك، يا سيدنا، نضع أرواحنا". يقول البعض إن رأسها انفصل بعد ضربتين، والبعض ثلاثة، لكنه لما رفع عاليا على أية حال، وقد أخذ الدم ينسال منه، ظهر شعرها الحقيقي أسفل شعرها المستعار الذي طالما ارتدته، وبدا شعرها رماديا كأنه لامرأة في السبعين وهي التي كانت في ذلك الوقت في السادسة والأربعين. وزال جمالها.
ولكنها كانت لا تزال على قدر من الجمال يكفي كلبها الذي انكمش أسفل فستانها، فزعا، وهي ماضية إلى المقصلة، والذي جثم بجوار جسمها الذي انفصل عنه رأسه مثلما انفصلت عنها كل أوجاعها الأرضية.
تلك كانت ماري، ملكة الاسكتلنديين، ولو أن هذا يعنيكم في شيء، فإن حكايتها لم تزل إلى الآن تجري الدمع من عيني. واقعية ديكنز في نظره إلى ماري في شؤونها السياسية والغرامية تتبدد تماما قبل واقعة موتها المقبضة. فترى هنا يد الروائي، غير خفيفة، بل شديدة الثقة، مشغولة بالشعر الرمادي، والكلب الصغير، وعدد ضربات البلطة على الرقبة. والحق أن إحصاء عدد ضربات البلطة يكاد يبلغ حد الهوس لدى ديكنز. لقد كانت آن بولاين محظوظة، بما اشتهر عنها من عنق دقيق، وكذلك تشارلز الأول الذي وضع شعره في قبعة حريرية بيضاء، وانشغل بكأس نبيذ أحمر بينما يجهزون المقصلة، في حين كان لا بد من خمس ضربات من البلطة لدق عنق دوق مونماوث، الابن غير الشرعي لتشارلز الثاني وحبيب الشعب، الذي أثار جلاده حينما رفع إليه عينيه بعد الضربة الثالثة بنظرة لوم.
غير أنه ما لمشهد إعدام أن يكتمل إلا بالكلمات الأخيرة، فتقول الليدي جين جراي، معصوبة العينين، غير قادرة على العثور على الخشبة، غير معنية وهي ابنة الستة عشر عاما أن تقول خطبة قصيرة تناسب النهاية والوداع "أوه، ماذا عليّ أن أفعل؟ أين هي؟"، أو السِير وولتر رالي إذ يستشعر نصل البلطة فيقول إنها الدواء الحاد يأتي أخيرا ليداوي بلا شك أسوأ العلل، ورايدلي البروتستنتي إذ يحترق في خندق على مقربة من كلية باليول متضرعا إلى النار أن تعالي، عسى أن ينهي البارود المربوط إلى إبطيه أمد كربه. (وكم كانوا يعانون في حرق المهرطقين في إنجلترا بسبب رطوبة الخشب والجو).
ولم تكن أحكام الإعدام تنفذ جميعا على مرأى ومسمع من الناس. فهناك آرثر الصغير، يوقظه السجان ذات ليلة حالكة العتمة (وأغلب ليالي إنجلترا في القرون الوسطى حالكة السواد) ويأمره أن ينزل معه إلى أسفل البرج الذي كان مسجونا فيه، و:
"لما بلغا أدنى الدرج، وهب على وجهيهما الهواء المندفع من النهر، تعثر السجان في قنديله فانطفأ. ثم اقتيد آرثر في العتمة إلى مركب وحيد، وفي ذلك المركب وجد عمه وبصحبته رجل آخر.
انحنى لهما. وتوسل ألا يقتلاه، فلم تصادف توسلاته لديهما أذنا مصغية، ومضى الرجلان ينهالان عليه بالطعنات ثم أغرقاه في النهر بعدما ربطا إليه أحجارا ثقالا، ولما أشرق الفجر، كان باب البرج مغلقا، والمركب مختفيا، والنهر يأتلق في طريقه، ولم تقع على الصبي المسكين عينا فانٍ".
كان عم الصبي في القارب هو الملك جون، ولسوف تسعدون حينما تصادفونه بعد صفحات قليلة، لا وهو يتقلب على الأرض عاضا العشب من فرط حزنه بعدما وقَّع الماجنا كارتا وحسب، بل وهو يحتضر حزينا على نصف جيشه وكل كنوزه، بعدما ابتلعها المد أثناء عبور خليج الووش.
شاتما، لاعنا، عاضا على أصابعه، مضى إلى كنيسة سواينستد، حيث وضع الرهبان أمامه كميات هائلة من الكمثرى والخوخ والنبيذ ـ ويقال السم أيض، غير أنه ما من سبب لافتراض ذلك ـ فانطلق يلتهم من كل ذلك بكميات هائلة. ثم بات ليلته تلك تحرقه الحمى، وتستولي عليه المخاوف، وفي الصباح التالي وضعوه على محفة يجرها حصان، ونقلوه إلى قلعة سليفورد، فقضى ثمة ليلة أخرى من الألم والفزع. وفي اليوم التالي نقلوه، بمشقة فاقت مشقة اليوم السابق، إلى قلعة نيوارك على نهر ترينت، وهنالك، في الثامن عشر من أكتوبر، وفي العام التاسع والأربعين من عمره، والسابع عشر من عهده الوضيع، كانت نهاية وحشيته الكريهة.
ميتات الملوك مؤرخة بعناية لا تقل عن الاعتناء بمشاهد الإعدام، ولكنها بصفة عامة تحظى بقدر أقل من التعاطف. فهنري الثامن في احتضاره "منظر مزرٍ، متورم، في ساقه جرح عميق، وكريه الرائحة فاستبشع الجميع الاقتراب منه". والملكة إليزابث كدأبها صعبة المراس، ترفض أن تأوي إلى سرير تعرف أنها لن تقوم منه، فتحتم وضعها على عشر وسائد مُدَّت على الأرض. وجسد وليم الغازي يعرَّى ويجرَّد من عليه كل شيء فور موته، ثم يلقى عن السرير ليبقى طريح الأرض لساعات طوال. وإدوارد الثاني، الملك الذي استغفله مورتيمر، يموت ميتة مرعبة غامضة في قلعة بيركلي، حيث يعثرون هناك على جسده بلا أثر لضربة أو طعنة، بل ودونما أثر مهما يكن، غير أن وجهه مشوه، شديد التشوه، فيفترض أنه تعرض "للحرق ... من الداخل بسيخ من حديد محمي".
من المثير أن نرى العديد من القصص، كتلك القصة الشهيرة عن الأمير هال إذ جرب ارتداء تاج أبيه وهو نائم، وتلك القصة عن فير روزاموند، عشيقة هنري الثاني التي اغتيلت في متاهة الملكة إليانور الشجرية، ولا بد أن تلك الملكة كانت أقل تسامحا من معظم الملكات، أقول إنه من المثير أن نرى العديد من هذه القصص وأمثالها وقد رفضها ديكنز متشككا في صحتها، في حين أنه يعرض لقصص أخرى تبدو لي أقرب إلى الفنتازيا التامة وكأنها حقائق تاريخية لا يرقى إليها الشك. ومن ذلك حكاية توماس بيكيت التي تبدأ بقصة لطيفة عن أبويه وكيف كان زواجهما. إذ يبدو أن جيلبرت بيكيت، وهو التاجر اللندني، "رحل حاجا إلى الأرض المقدسة، وتعرض ثمة للأسر على يد حاكم مسلم".
غير أن الحاكم المسلم الذي أسره أحسن معاملته، فلم يعامله معاملة العبد، وكانت لديه ابنة جميلة وقعت في غرام التاجر، وأفضت إليه برغبتها في التنصر، وقالت إنها مستعدة للزواج منه لو أن بوسعهما أن يطيرا إلى بلد مسيحي، وبادلها التاجر حبا بحب، إلى أن سنحت له فرصة للهرب، فلم يبال حينها بحبيبته المسلمة، بل هرب بصحبة خادمه رتشارد الذي كان قد وقع معه في الأسر، ولما وصل إلى انجلترا نسي أمرها تماما. أما الحبيبة التي كان غرامها أشد من غرامه، فقد خرجت من بيت أبيها متنكرة، فتبعت حبيبها، وسط مصاعب جمة، إلى ساحل البحر. وكان التاجر قد علمها من الإنجليزية كلها كلمتين (وأفترض أنه لا بد قد تعلم لسان المسلمين فكان لغة تطارحهما الغرام): لندن إحدى الكلمتين وجلبرت الثانية. مضت الفتاة وسط السفن تصيح ’لندن، لندن’ مرارا وتكرارا إلى أن فهم البحارة أنها تبحث عن سفينة إنجليزية تقلها إلى لندن، فأخذوها إلى السفينة، ودفعت الأجر بعضا من مجوهراتها ... وذات يوم، كان التاجر جالسا في غرفة الإدارة في وكالته  في لندن، حينما سمع في الشارع جلبة كبيرة، وهرع إليه ريتشارد قادما من المتجر، وعيناه مشدوهتان، ونفسه لاهث يقول ’سيدي، سيدي، السيدة المسلمة هنا’. ظن التاجر في خادمه الجنون فقال رتشارد ’لا يا سيدي. السيدة المسلمة تجوب المدينة من أقصاها إلى أقصاها وهي تصيح ’جلبرت، جلبرت’، ثم أخذ التاجر من ذراعه، مشيرا إلى الشباك، وهنالك رأياها وسط القواس والنوافير في الظلام، في الشارع القذر، في ثوبها الأجنبي، وحيدة مستوحشة، يحيط بها جمع من السائرين، تسير ببطء وهي تصيح ’جلبرت، جلبرت’. فلما رآها التاجر، تذكر رحمتها به في أسره، فرقَّ لها قلبه، وأسرع يجري إلى الشارع، فلما رأته آتيا، صرخت باسمه صرخة هائلة وغابت عن الوعي بين ذراعيه.
والقصة التي أحبها أكثر حتى من قصة توماس بيكيت هي القصة التي تجري في الأيام الأخيرة قبل تحوله الى قديس وأرشيدوق، حينما كان مجرد كاردينال أميري، حيث يمتطي هو والملك فرسيهما عبر لندن في الشتاء، فيريان شيخا يرتعش في ثيابه المهترئة. يقول الملك "ألا يكون من عمل الخير أن يعطى هذا الرجل عباءة دافئة مريحة" ليقول له الأرشيدوق القادم "لا شك في ذلك، وإنك لتحسن صنعا يا سيدي إذ تفكر في هذه الواجبات المسيحية" يقول الملك "حسن، أعطه إذن عباءتك". والعباءة مصنوعة من نسيج قرمزي مبطنة بالفراء، ويحدث شجار ملكي في الشارع قبل أن يحصل الملك على العباءة ليرمي بها إلى الشحاذ "وسط مرح من بقية الحاشية الحاضرة". ولا أعرف من أين أتت تلك القصة ولا السبب الذي يمنحها مصداقية تفوق مصداقية قصة الأمير هال والتاج.
وشيء آخر: حينما يقول ديكنز إنه يكتب تاريخ إنجلترا، فهو يعني فعلا تاريخ إنجلترا، وما حدث فعلا في إنجلترا، وليس في أي مكان آخر، إلا المشاهد التي تحتم وقوعها في فرنسا نظرا لأن ملك إنجلترا ونصف سكانها كانوا يبدون دائما مضطرين إلى التواجد في فرنسا على مدار سنوات الحرب المائة. ففي نهاية الفصل الذي يحتوي صفحة كاملة عن لامبرت سيمنل ابن الخباز الذي زعم أنه إيرل وورويك وخمس صفحات عن بيركن ووربيك الذي زعم أنه دوق يورك أصغر أمراء البرج، تظهر هذه الفقرة:
وكان في تلك الحقبة أن اكتشف كرستوفر كولمبوس، باسم أسبانيا، ما عرف آنذاك بالعالم الجديد. فثارت دهشة عظيمة، واهتمام، وتجدَّد في إنجلترا آنذاك حلم الثروة، فأعد الملك والتجار في لندن وبرستول حملة إنجليزية للاكتشافات الجديدة في العالم الجديد، وعهد بها إلى سيباستيان كابوت من برستول، وهو ابن ملاح بندقي، فنجح في رحلته نجاحا شديدا، وحقق شهرة رفيعة، لنفسه ولإنجلترا.
تلك تقريبا الإشارة الوحيدة إلى العالم الجديد، إلى أن نكتشف بعد فصول كثيرة أنه "في عهد الملك جورج الثالث ... خسرت إنجلترا أمريكا الشمالية، من جراء الإصرار على تكبيدها من الضرائب ما لم ترض عنه" فهي جملة واحدة، في منتصفها قرابة صفحة كاملة مخصصة لمغامرات أوليفر كورمول البائسة في حفل عشاء.
ويوجَز بطبيعة الحال كل ما يلي تنصيب وليم وماري. ويقول ديكنز إن سبب هذا يرجع إلى أن ما أعقب ثورة 1688 لا يسهل سرده أو فهمه في تاريخ صغير كتاريخه، وقد يكون هذا صحيحا، ولكن هذا الإيجاز يعفيه أيضا من عنت التعامل مع أسلاف الملكة فكتوريا المباشرين، وهو أمر كان ليشق عله، إن تعامل معهم بمثل القوة التي تعامل بها مع غيرهم من الملوك السابقين.
لكنني أعتقد أن السبب الحقيقي هو أنه فقد اهتمامه. فانجلترا التي كان يتعامل معها، انجلترا الأسطورية ذات القلاع النائية، والمستنقعات والأحراش والمقاصل، والعصبة السوداء الرهيبة ذات الصعاليك الثلاثماءة، وسنديانة الإصلاح الخضراء التي شنق على غصونها التسعة المناهضون للإصلاح، انجلترا هذه اختفت، وذلك ما يظل يذكرنا به بشير من الأسى: فحيثما عبر إدوار الأول مضيق ميناي في طريقه لإخضاع الولزيين "ثمة في أيامنا هذه جسر حديدي جميل" فيه سكة حديدية، والطريق الذي سلكه يوليوس قيصر حينما جاء أول ما جاء إلى بلاد الغال تمرح الآن فيه السفن البخارية كل يوم. لن يكون بالإمكان كتابة نفس هذا اللون من التاريخ لانجلترا الجديدة بسككها الحديدية ومصانعها وتجارتها وملكتها الطبقوسطىة، مهما تكن كل هذه التغييرات جديرة بالثناء. مضى رجال البلاط والقتلة، ما عاد الكاثوليك يتآمرون ولا البروتستنت يحرقون ولا الإعدام العلني قائما. وبدلا من ذلك لديكم قوانين الذرة وأعضاء البرلمان، في برلمان لا يقتصر أمره على أنه آمن من خطر الحل، بل هو موقن من أنه سوف تمضي مكللا بالنصر حتى آخر العالم.
ما من شك يخالج عقل الفكتوري الصالح في أن عصور الظلام باتت في ذمة الماضي. وثمة عصر آخر وواقع من نوع آخر، ولا شك. وهذا هو السبب في  ما للقصة كلها من فتنة وسحر وطيش ومغالاة تجنح بها إلى الحدوتة. كل الأهوال الغيلانية، منظور إليها عبر شبابيك روضة الأطفال، أو هي مروية بجوار مدفأة انجليزية من القرن التاسع عشر، فإذا بك ترتعش وأنت تقرأ، من فرط الإثارة، ممتنا من جديد لما تشعر به من أمانك الراهن. فالملوك السيئون مضوا جميعا، والملوك الأقل سوءا لا يملكون الآن أن يقترفوا الآثام العظمى، لم يبق من نفوذ لفرنسا أو البابوية على البلاط (وطالما كانا يسيران يدا بيد) فلا مجال للخوف منهما، ولم يعد الناس يحرقون الساحرات، أو يحتاطون فيحملونهم في مقدمات الجيوش في برج خشبي، غارسين الإبر في الدمى، لم يعد هناك صراع الديكة أو صراع الدببة، كل ذلك قضى نحبه. وليست الأوضاع مثالية، ولعلها لن تكون كذلك يوما، ولكن من المستحيل على أحد ألا يؤمن بواقع التقدم الزاهي، أو يعمى عن البشر وهم، ببطء، يزدادون تحضرا، وعقلانية، وإنسانية، فتبقى أشنع أخطائهم، وجنونهم، ووحشيتهم، في ذمة الماضي.
أتذكر الصيف الذي قرأت فيه هذا، في عزلة بيتنا القديم، سنة 1939.

أعيد نشر المقال في نيويوركر في 25 فبراير 2015.