الثلاثاء، 20 يناير، 2015

لماذا لم أزل أحب كيركيجارد؟

لماذا لم أزل أحب كيركيجارد؟
جوليان باجيني


وقعت في غرام سورين كيركيجارد وأنا مراهق، فصاحبني منذ ذلك الحين في أسفاري الفكرية، لكنه لم يكن يحاذيني طول الوقت، بل يتقدمني بخطوات أو يتخلف ورائي بعيدا عن نطاق البصر. ولعل سبب ذلك أنه لا يتناغم جيدا مع رفاق آخرين آثرت صحبتهم مثلما آثرت صحبته. لقد درست في سياق تراث الفلسفة التحليلية الأنجلو أمريكي، حيث لا يُنظر إلى الازدهارات الأدبية ومفارقات الوجوديين الأوربيين العمدية إلا بارتياب ما لم يكن بازدراء سافر. ففي باريس، قد يكون رولان بارت زعم موت المؤلف، أما في لندن فكان الفيلسوف معدوم الحياة منذ سنين، مجهولا أشد ما يكون الجهل، فكانت الحجج تبقى وحدها، متحدثة باسم أنفسها.
أمر مزعج أن يكتشف المرء أن معبودي طفولته قد باتوا الآن مغرقين في القدم، بل هو أمر يذكّر بالموت. أما أنا فما كانت الذكرى المئتان لميلاد كيركيجارد ـ في الخامس من مايو 2013 ـ إلا تذكرة لي بخلوده. ويا لها من كلمة غريبة في وصف مفكر عاش عمره في انتظار موته ولم يبلغ أصلا عيد ميلاده الثالث والأربعين. لقد كان كيركيجارد أستاذ السخرية والمفارقة قبل ابتذال كلتيهما بسبب الاستخدام المفرط الطائش. كان وجوديا قبل قرن من جان بول سارتر، وأشد من ما بعد الحداثة في ما بعد حداثيته، وملحدا لا يزال هجومه على الدين أشرس من هجوم الملاحدة الجدد في يومنا هذا. وليس كيركيجارد مفكرا صالحا لزماننا بقدر ما هو مفكر خارج على الزمان، أعماله صالحة لكل العصور، لكن قدرها ألا تكون متناغمة مع أي عصر من العصور.
وسهل أن ترى لماذا وقعت في غرام كيركيجارد. فقبل سنوات من قيام الدراسة الأكاديمية بواجبها المتمثل في تجفيف العقول، ينجذب الشباب والشابات إلى الفلسفة والعلوم الإنسانية لما يجدونه في أنفسهم من ميل إلى الأفكار الجديدة وآفاق الفهم المختلفة. غير أن اندفاع الشباب ذلك غالبا ما يذوي أمام اتزان النضج. وإني لأتذكر انغماسي في قسم الفلسفة بمكتبتي المدرسية وعثوري فيها مثلا على مقدمة ستيفن كورنر الصادرة سنة 1955 لفلسفة كانط. فلم أفهم لها أولا من آخر، والغريب أن ذلك لم يبعدني عن الفلسفة، بل أبقاها أشد غواية لي من نتفة الواقع التي كنت عرفتها حتى ذلك الحين.
لم يكن كيركيجارد واحة في تلك الصحراء بقدر ما كان عاصفة رعدية جارفة دراماتيكية في قلبها. واكتشافه في سن السابعة عشرة أحال الفلسفة والدين فجأة إلى شيء إنساني مثير، لا جفاف فيه ولا تجريد. ومن أسباب ذلك أنه كان شخصية مركبة ذات سيرة ذاتية صاخبة. بل إن اسمه نفسه يبعث عتمة رومنتيكية. فـ "سورين" هو النسخة الدنماركية من severus اللاتينية وتعني بالإنجليزية "الصارم والجاد والحاد"، أما "كيركيجارد" فتعني "فناء الكنيسة" المرتبط تاريخيا بالمقابر.
عرف الحب الجارف، وخطب ريجين أولسن التي يصفها في يومياتها بـ"ملكة القلب المتوجة"، وبعد أربع سنوات من الهوى، أي في عام 1841، فسخ الخطبة، إذ تبيّن له في ما يبدو أنه غير قادر أن يمنح الزواج ما هو أهل له من التزام. تعامل مع الحب والرب والفلسفة بجدية شديدة، فلم يجد سبيلا ليمنح نفسه لثلاثتهم.
كان محطِّما لتماثيل الرومنتيكية، عاش حياة ممتلئة، ومات صغيرا، مؤثرا لعبة الكلمات والأفكار على لعبة الجنس والشراب. وفي عقد الخمسينيات من القرن التاسع عشر انهمرت الكتب من قلمه انهمارا. ففي عام 1843 وحده أصدر ثلاثة كتب، هي "إما أو"، و"خوف ورعدة" و"تكرار".
غير أن ذلك كله كان يختفي وراء ظل من الحزن العميق. فلقد مات خمسة من إخوته السبعة، وكان موت ثلاثة منهم في ظرف سنتين مما أتى على أمه وكانت تلك المآسي وقودا لتدين أبيه الموحش، وكان أبوه هذا يعتقد أن كل تلك المآسي عقاب له على إساءته إلى الرب بسبب لامبالاته بالحياة القاسية البائسة التي ابتلى كتبها على راعي الغنم الشاب ذلك. ولما قال الأب لابنه سورين ذلك، بدا أن الولد تبنى إساءة أبيه إلى الرب، مثلما تبنى بقية خطايا شبابه.
غير أنه كان ثمة بجوار ذلك الحزن حس طرافة حاد وسخرية لاذعة. فقد كان كيركيجارد ناقدا حادا للدنمارك في زمانه، وقد دفع ثمن ذلك حينما شنت عليه صحيفة القرصان الساخرة سنة 1846 سلسلة هجمات شخصية، فسخرت من مشيته (وكان بظهره انحناء سخيف) وخشونة صوته. فتهيأ لكيركيجارد الظرف اللازم لكل مفكر رومنتيكي عظيم، وهو أن يرفضه زمنه ومجتمعه. ويمضي كاتب سيرته الذاتية وولتر لاوري إلى حد افتراض أنه كان السبب الأساسي في تراجع تسمية الناس أبناءهم باسم سورين. إلى هذا الحد بلغت السخرية منه، فكان الأب الدنماركي ينهر ابنه بقوله "إياك أن تكون سورين". وإلى يومنا هذا يمثل اسم سورينسن ـ أي ابن سورين ـ ثامن أسماء العائلات شيوعا، في حين أن اسم سورين نفسه ليس بين الخمسين اسما الأكثر شيوعا كأسماء للمواليد الجدد. ومثل ذلك في بريطانيا أن يشيع اسم العائلة جونسن أكثر من شيوع اسم جون!
كل ذلك كان جديرا بأن يجذب عقل السابعة عشرة المنفتح، والخاوي كذلك، فأتوجه إلى كيركيجارد. وفي معركة الاستمالة الفكرية كيف لأمثال "اللغة والحقيقة والمنطق" لـ آيه جيه آير (1936) أو "العالم والشيء" لـ ويلارد فان أورمان كوين (1960) أن تباري أعمالا لكيركيجارد من قبيل "مرض الموت" (1849) أو "مراحل في سبيل الحياة" (1845). ولكن الأكثر إثارة للاهتمام هو سبب استمرار هذه العلاقة مع تحولي (في ما أرجو) إلى ملحد أكبر سنا، وأعصى على الغواية.
***
لو أن كيركيجارد هو نموذجك، فأنت لا تقيم أي فلسفة على أساس مدى إقناع حججها وحسب، بل وبحسب مدى معالجتها للاحتياجات الأساسية لدى البشر في محاولتهم فهم العالم. إن الفلسفة تتباهى بنهوضها لجميع الافتراضات، لكن الغريب أنها نسيت في القرن العشرين أن تتساءل عن سبب طرحها لأسئلتها في المقام الأول. لقد وُرثت المشكلات ببساطة من أجيال سابقة وعوملت معاملة الألغاز التي يجب التفكير في حلول لها. وكيركيجارد بمثابة لقاح ضد هذه المدرسة الفارغة. وإنه يقولها في يومياته سنة 1835:
"أي نفع لاكتشاف الحقيقة التي يصفونها بالموضوعية، والعمل من خلال جميع أنظمة الفلسفة، والقدرة ـ عند اللزوم ـ على مراجعتها جميعا تبيانا لما في كل نظام منها من تضارب ... ما نفع ذلك كله والحقيقة ماثلة أمامي، باردة وعارية، لا تبالي أدركتها أم لم أدركها، مثيرة بي رعشة الخوف لا سكينة الطمأنينة؟".
حينما أصبحت على سبيل المثال مفتونا بمشكلة فلسفية هي مشكلة الهوية الشخصية، صرت بالمثل فزعا من عزوف كثير ممن كتبوا في هذا الموضوع أو عجزهم عن معالجة السؤال عما يحدو بنا جميعا للاهتمام بهذه المسألة من الأساس. فبدلا من أن تكون مشكلة وجودية، غالبا ما كانت تتحول ببساطة إلى مشكلة منطقية أو ميتافيزيقية، بل إلى تمرين تقني على تحديد الظروف الكافية واللازمة لتحديد هوية شخص أو شيء ـ سيان ـ في نقطتين من الزمن.
وهكذا حتى حينما كنت أعمل على أطروحتي للدكتوراه في هذا الموضوع، وذلك في سياق التراث التحليلي الأنجلو أمريكي، كنت أتلصص خفية على كيركيجارد من الباب الخلفي. فقد بدا لي أن كيركيجارد يعرِّف المشكلة تعريفا يفوق في وضوحه تعريفات غيره. فلقد قال إن البشر واقعون بين مزاجين أو "نطاقين" من الوجود. "الجمالي" وهو العالم الماثل، في الهنا والآن. و"الأخلاقي" وهو العالم المجاوز، الأبدي. وليس بوسعنا أن نعيش في الاثنين، ولكن أيا منهما وحده لا يشبع احتياجاتنا إذ "الذات مؤلفة من اللامتناهي والمتناهي"، وتلك ربما طريقة معقدة للقول باننا موجودون في الزمن، في الماضي وفي المستقبل، ولكننا كذلك واقعون في شرك اللحظة الراهنة لا مهرب لنا منها.
لعل حدود "الأخلاقي" أوضح للعقل الحديث. فحياة الأبدية محض وهم، لأننا جميعا فانون تماما، محض كائنات من لحم ودم. والإيمان بأننا ننتمي إلى هناك [أي إلى العالم الأخلاقي] ما هو إلا إنكار لحيوانيتنا. وإذن، فقد ازداد اعتناق العالم لـ "الجمالي". ولكن ذلك يعجز عن إرضائنا أيضا. فلو أن اللحظة هي كل ما لدينا، فكل ما نملكه هو طلب لحظات المتعة، تلك التي لا تظهر إلا لتنسرب، تاركةً إيانا خواة الأيدي، متعلقين في تجارب مجبولة على العبور والانسراب. والعالم المادي يضع بين أيدينا فرصا لا حصر لها للسرور الآني دونما رضا مستمر، فتصبح الحياة بذلك سلسالا من التحولات. فلا عجب أن يكون في الغرب كل هذا القدر الهائل من التوق الروحاني: فالناس يشتهون الأخلاقي دون أن يملكوا رؤية ما وراء الجمالي.
ولقد اقتنص كيركيجارد في مقولات آسرة هذا المعنى، معنى الحيرة في أي العالمين نختار: يأس اللامتناهي منشؤه العوز إلى المتناهي، ويأس المتناهي منشؤه العوز إلى اللامتناهي. وبذلك عَرَّف كيركيجارد ما أعتبره اللغز المركزي في الوجود البشري: كيف تتيسر لنا حياة تنصف كلا من طبيعتينا الجمالية والأخلاقية.
كان حله لتلك المفارقة يتمثل في القبول بها، بل اعتناقها بمحبة في تصوري. لقد رأى في شخص يسوع ـ وهو البشري الإله، المتناهي تماما، واللامتناهي تماما، في الآن نفسه ـ السبيل الوحيد لفهم الظرف الإنساني، وليس ذلك لأنه تفسير للمفارقة المركزية يلغيها من أساسها، بل لأنه تجسيد لها. فكون المرء يسوعيا يستوجب "وثبة إيمانية" بلا شبكة أمان من العقل أو البرهان.
أعظم إيضاحات كيركيجارد لهذه المسألة يتمثل في إعادته حكي قصة إبراهيم وإسحاق في "خوف ورعدة" (1843). غالبا ما يعد إبراهيم مثالا للإيمان لثقته في الرب ثقة جعلته مستعدا للتضحية بابنه الوحيد امتثالا لأمره. لكن كيركيجارد يجعلنا ندرك أن ابراهيم تصرف بدافع من الإيمان لا لأنه أطاع أمرا عسيرا، بل لأن رفعه السكين على عنق ولده كان تحديا للأخلاق وللعقل. فما لرجل عاقل أن يفعل ما فعل إبراهيم. ولو كان ذلك اختبارا، فمن المؤكد أن اجتيازه يتمثل في أن تبيِّن للرب أنك لن تقتل بالأمر، ولو كان ثمن ذلك أن يحل عليك غضب السماء. ولو أنك سمعت الرب يأمرك بالقتل، فالأقرب للمنطق ولا شك أن تفترض في نفسك الجنون أو التعرض لوساوس الشيطان من أن تمتثل للأمر. وهكذا فإن إبراهيم إذ وثب تلك الوثبة الإيمانية، كان يترك من ورائه الأخلاق والعقل.
كم تبدو نسخة الإيمان الحديثة سقيمة بالمقارنة. وأنصار الدين اليوم قد يهرفون بقوة الإيمان ومحدودية العقل، ثم إنهم يكونون أول المعترضين على من يقول بالتوتر بين الدين والعقل. بل إنهم يكونون أبعد ما يكونون عن الظن بخصوصية الإيمان الديني وكونه ثقة جامحة، إذ يقولون إن الإلحاد يتطلب من الإيمان ما يتطلبه الدين. أما كيركيجارد فرأى بوضوح أن ذلك الإيمان ليس نوعا من الحشو الإبستمولوجي يملأ ما يتركه العقل من صدوع صغيرة بل وثبة مجنونة فوق هاوية عديمة العقل.
ولم يكن ذلك لكون كيركيجارد مدانا بلاعقلانية أناركية أو ذاتية نسبية. بل لأنه كان فقط بالغ الصرامة في تحكيم عقله فاستطاع أن يصل به إلى أقصى حدوده. بل لقد كان يتجاوز العقل كلما عجز العقل عن التقدم إلى ما وراء حدوده، وكان يهمل المنطق وراءه كلما رفض المنطق المضي إلى الأمام.
تلك كانت بضاعة ثقيلة على مراهق مثلي كان يفقد إيمانه الديني. فلقد بيَّن لي كيركيجارد أن البديل الجاد للإلحاد أو اللأدرية لم يكن يتمثل في ما يمثل الدين بصفة عامة، بل التزام أعمق يتخلى كلَّ التخلي عن المعايير المعهودة، أي معايير البرهان والدليل. ولعل ذلك هو السبب في أن أكثر المعجبين بكيركيجارد اليوم ملاحدة. فلقد كان مسيحيا لا غضاضة لديه في أن يحتقر المسيحية. لأن الانتماء إلى المسيحية يعني تعليق المرء حياته على عبثية قيام المسيح، والالتزام بمعيار أخلاقي ما لبشري أن يبلغه. وهذا جهد دائم، ومستحيل، غايته أن تحاول طول الوقت أن تكون ما لا يمكن أن تكونه بتمامه. ولا يمكن أن يكون ثمة ما هو أكثر اختلافا من ذلك عن الرؤية التقليدية للانتماء إلى المسيحية: أن تولد في دين وتعمَّد فيه، وتلتزم بالذهاب إلى الكنيسة وتشارك في الأسرار المقدسة. إن المسيحية الممأسسة تنطوي على تناقض صارخ، فمسيح الأناجيل أنفق وقتا كثيرا من زمنه في انتقاد كهنة عهده ولم يؤسس بديلا لهم قط. ولقد بيَّن كيركيجارد أن التعامل الجاد مع الدين يتسق مع معارضة المرء للدين من جميع النواحي، وذلك ما يجدر بملاحدة اليوم ومؤمنيه أن يلاحظوه.
ولا أحسب إلا أن كيركيجارد كان ليجد تسلية أكيدة في ما نشهده اليوم من جدل حول الدين. كان ليرى بعينيه كيف أن الطرفين قطيعان، كل قطيع ملتزم برأي تكوَّن جماعيا، ولا أحد يرغب في الخروج على التوافق المحلي. يدافع كثير جدا من المسيحيين عما يتصادف أنه يمثل المسيحية في ثقافة هذا العصر، في حين يجدر بهم أن يكونوا أكثر تشككا في تمثيل كنائسهم لتعاليم مؤسسها. وكثير للغاية من الملاحدة مدانون، بالمثل، بالطواف حول طواطم من أمثال تشارلز دارون والمنهج العلمي وكأن هذين هما العمادان اللذان تقوم عليهما النظرة العلمانية لا مجرد أمرين ينصب عليها اهتمامها في الوقت الراهن.
***
وليست رؤى كيركيجارد في الدين هي السبيل الوحيد الذي يجعل نقده لـ "عصرنا الراهن" ضرورة آنية، وربما ضرورة أيضا للقراء في المستقبل. فلقد كتب في عام 1846 يقول "إن عصرنا في جوهره عصر فهم وتأمل، بلا انفعال، ولا انجراف فوري إلى الحماس، ثم الركون إلى الخمول". والانفعال في هذا المقام يعني أن يدخل المرء ذاته في ما يفعله، ومن ذلك التفكير العقلاني. وليس أكثر شيوعا اليوم من إحدى اثنتين: إما الذاتية السنتمنتالية التي يصبح بها كل شيء متعلقا بمشاعرك أو قصتك الشخصية، أو الموضوعية المنفصلة التي تجعل من دوافع الباحثين واهتماماتهم أشياء منبتة الصلة بالموضوع. وكان كيركيجارد يصر على تجاوز هذ ا الاختيار بين الموضوعي والذاتي، إدراكا منه لأن العمل الفكري الأمين يستوجب سعيا مخلصا إلى رؤية الأشياء على ما هي عليه وإدراكا أصيلا لكيفية صياغة طبيعة المرء ومعتقداته وانحيازاته صياغة حتمية لكل مدرَكَاته.
هذه الفكرة المركزية لا تتضح في موضع مثلما تتضح في أعماله المنشورة بأسماء مستعارة. ذلك أن كثيرا من أهم كتب كيركيجارد لا تحمل اسمه. فـ "في مفهوم السخرية" (1841) من تأليف جوهانز كليماكوس، و"خوف ورعدة" (1843) لجوهانز دي سيلنتيو، و"التكرار" (1843) لقنسطنطين قنسطنطيوس، أما كتابه "إما أو" (1843) فقام بتحريره فكتور إيريمتا. ولم تكن تلك مجرد مزحة ما بعد حداثية. فما فهمه كيركيجارد بوضوح هو أنه لا بد من وجهة نظر "موضوعية" محايدة يمكن منها الحكم على الأساليب البديلة للحياة وفهم العالم. بل إنك بحاجة إلى الدخول في فلسفة ما لتعرف حدودها ومواطن جذبها. ولذلك فإننا لكي نرى ـ على سبيل المثال ـ سبب عدم كفاية الحياة اليومية "الجمالية" لإشباعنا، لا بد أن نرى كيفية عدم إشباعها لأولئك الذين يعيشونها. لذلك يكتب كيركيجارد من وجهة نظر من يعيشون اللحظة ليبين ما تتسبب لهم فيه هذه الحياة من خواء. وبالمثل، لو أنك تريد أن تفهم استحالة عيش الحياة مستقلا طائرة أبدية في حياة متناهية، فعليك أن ترى العالم من وجهة نظر شخص يعيش الحياة الأخلاقية.
ذلك ما يجعل قراءة كثير من كتب كيركيجارد متعة أصيلة، من الناحية الأدبية والفلسفية بالقدر نفسه. والأهم من ذلك أن منهج الاسم المستعار يمكِّن كيركيجارد من تحقيق مركَّب لافت من الموضوعية والذاتية. فنحن نرى الأمور من وجهة نظر ذاتية، ولكن كونها ذاتية في هذه الحالة يحقق لها نوعا من الموضوعية. وذلك درس على عصرنا الراهن أن يتعلمه من جديد. فوجهة النظر الموضوعية الأكمل ليست المجردة من الذاتية: بل التي يجتمع لها أكبر قدر ممكن من وجهات النظر الذاتية اللازمة والمهمة.
وهذا أيضا يمنح رابطا بين الخيال والعقلانية. فالعقل المنفصل لا يستطيع الدخول إلى وجهات نظر الآخرين ولا يستطيع بلوغ الموضوعية لأنه لا يستطيع الدخول إلى مناطق من عالم التجارب البشرية الواقعي. لقد علَّمني كيركيجارد أهمية رؤية المنطق من داخله، دون الاكتفاء بفحصه من الخارج.
وقد يقال إن هذا أدعى في يومنا هذا مما كان في زمن كيركيجارد. ففي عالم عديد الأقطاب، ما من أمل في فهم الناس ممن يعيشون وفق قيم مختلفة لو أننا نحكم عليهم من الخارج فقط، منطلقين مما نتخيل أنه وجهة النظر الموضوعية في حين أنها لا تعدو كونها وجهة نظر مشبعة بذاتيتنا. فالملاحدة بحاجة إلى أن يعرفوا فعلا ما معنى أن يكون المرء متدينا، لا أن يكتفوا بمجرد استعراض الحجج على وجود الرب التي لا يقام عليها الإيمان أصلا. وما لأحد أن يفهم الدول الناشئة كالصين أو الهند أو البرازيل، ما لم يحاول أن يرى كيف هو العالم داخل هذه البلاد.
لكن لعل أهم رسائل كيركيجارد هي أن العمل على الذات وعلى فهم العالم يقتضي وجودك كله، وليس مجرد نصيب منه، أو مسعى أكاديمي. فلقد اتسمت حياته وعمله بجدية أخلاقية عميقة، وبالكثير من العناصر الهازلة الساخرة أيضا. وهذا ما نفتقده اليوم، حيث نبدو خائفين من التعامل مع أنفسنا بجدية. ولقد كانت السخرية، بالنسبة لكيركيجارد، وسيلة يمكننا بها الاشتباك في دراسة جادة للذات دونما غرور أو غطرسة: "فالسخرية للحياة الشخصية، كالشك للعلم". والسخرية اليوم وسيلة لاجتناب الدراسة الجادة للذات ظنا من المرء بأنه أعلى من هذه السفاسف، أو هو لون من الغرور المتنكر في صورة التواضع. قد يكون المراهقون الصغار الغاضبون هم الأكثر انجذابا إلى كيركيجارد الشاب، لكننا معشر الكبار، الراشدين افتراضا، أحوج إلى هذه النسخة البالغة من العمر مائتي عام، مما كنا في أي وقت.


عن مجلة أيون .. نشرت الترجمة اليوم في شرفات