الثلاثاء، 20 يناير، 2015

عن النفاق في خطاب حرية التعبير

عن النفاق في خطاب حرية التعبير
                                                   
مهدي حسن

عزيزي العلامة اللبرالي
أنا وأنت لم نحب جورج دبليو بوش. ألا تتذكر تصريحه الصبياني في أعقاب الحادي عشر من سبتمبر حينما قال "إنكم إما أن تكونوا معنا، أو مع الإرهابيين"؟ غير أنك الآن، في غداة الهجمة الإرهابية الرهيبة ـ حدَّثت في ما يبدو شعار جورج إلى: إما أن تكونوا مع حرية التعبير، أو ضده. إما أنكم شارلي إبدو، أو أنكم متعصبون كارهون للحرية.
وإنني أكتب إليك لأقدم طلبا بسيطا: كفى من فضلك. إنك تتصور أنك تواجه الإرهابيين في حين أنك في واقع الأمر تلعب لعبتهم الدموية، لعبة التفرقة والشيطنة. نحن وهم. الغرب اللبرالي المستنير في مقابل المسلمين الهمج المتخلفين. وتظل تذكِّرنا أن مذبحة السابع من يناير في باريس كانت هجمة على حرية التعبير، ويوافقك في هذا الرئيس الفرنسي السابق المحافظ نيكولا ساركوزي إذ اعتبر تلك الهجمة "إعلانا للحرب على الحضارة". كذلك يتفق معك اليساري اللبرالي الأنيق جون سنو إذ كتب على تويتر في غباء مطلق تغريدة عن "صدام الحضارات" مشيرا إلى "عقيدة حرية التعبير في أوربا".
وهكذا في غمار حزن ما بعد واقعة باريس يكثر النفاق والغلو. صحيح أن الهجمة كانت عملا من أعمال الشر غير المبرر، واغتيالا قاسيا لأبرياء لا يمكن الاعتذار عنه. لكن هل كانت بالفعل "اغتيالا" لحرية التعبير (كما قال مارك أوستن في ITV) و"انتهاكا" لـ "حرية الفكر" (كما قال ستيفن فراي)؟ لقد كانت جريمة ـ لا عملا حربيا ـ اقترفها شباب ساخط، لم يتحول إلى الراديكالية بعد مشاهدته رسومات النبي محمد في أوربا سنة 2006 أو 2011، بل بعد أن رأى صور ممارسة الولايات المتحدة للتعذيب في العراق في 2004.
أرجوك تمالك نفسك. ليس بيننا من يؤمن بالحق المطلق في حرية الكلام. كلنا نتفق على أنه سوف تكون هناك دائما خطوط لا يمكن تجاوزها ـ بقوة القانون والنظام، أو لا ينبغي تجاوزها بقوة الذوق واللياقة. وما نختلف فيه لا يعدو الموضع الذي ينبغي رسم هذه الخطوط فيه.
فهل تنشر إصدارتك مثلا رسوما كاريكاتورية تسخر من الهولوكوست؟ لا؟ فماذا عن الرسوم الكاريكاتورية لضحايا 11/9 الساقطين من البرجين؟ لا أعتقد أن هذا حدث (وأنا سعيد أنه لم يحدث). تأمل أيضا في "تجربة التفكير" التي اقترحها  بريان كلوغ أستاذ الفسلفة بأكسفورد. فتخيل لو أن رجلا انضم إلى "مسيرة الوحدة" التي أقيمت في باريس في الحادي عشر من يناير مرتديا "شارة تقول أنا شريف Je suis Chérif" وشريف هو اسم واحد من المسلحين في شارلي إبدو. ويمضي كلوغ فيفترض أن هذا الرجل كان يحمل رسمة كاريكاتورية تسخر من الصحفيين القتلى. "كيف كان ليأتي رد فعل المحتشدين في المسيرة؟ ... هل كانوا ليروا في هذا الفرد بطلا يدافع عن الحرية وحرية الكلام؟ أما كانوا ليستشعروا في تصرفه إساءة بالغة؟" هل تختلف مع ما خلص إليه كلوغ من أن الرجل "كان ليعد سعيد الحظ لو نجا بحياته؟"
فلنكن واضحين: أوافق على أنه ما من مبرر مهما يكن لقتل صحفيين أو رسامي كاريكاتير. وأختلف مع رؤيتك لأن الحق في الإساءة لا يستتبع مسؤلية، ولا أعتقد نهائيا بأن الحق في الإساءة معناه الالتزام بالإساءة.
وإنك تقول "أنا شارلي Je suis Charlie " فهل هذا إقرار بتصوير شارلي إبدو لوزيرة العدالة الفرنسية كرستين توبريا ـ وهي سوداء ـ في صورة قرد؟ وتصوير العرب بأنوف ضخمة بما يجعل إدوارد سعيد يتململ في قبره؟
إن العنصرية الساخرة المتمثلة في إعادة إنتاح الصور العنصرية البغيضة فعل ينطوي على إساءة مريبة. علاوة على أن "عصاب الإسلاموفوبيا" ـ كما قال أوليفييه سيران الصحفي السابق في شارلي إبدو سنة 2013 ـ "استولى تدريجيا" على المجلة بعد 11/9 فأباح الهجوم على "أفراد ينتمون إلى أقلية دينية ليس لهم تأثير في سراديب السلطة".
لهذه الأسباب لا أستطيع أن أكون، ولا أريد أن أكون "شارلي"، بل ينبغي أن نريد جميعا أن نكون أحمد، الشرطي المسلم الذي مات وهو يحمي حق المجلة في الوجود. "فمن المستحيل" ـ مثلما لاحظ الروائي تيجو كول ـ "أن ندافع عن الحق في البذاءة ... دونما ترقية أو مراقبة لمحتوى الكلام" الذي ندافع عن حريته.
وما سر صمتك على الازدواج الفاحش في المعايير؟ ألم تعلم أن شارلي إبدو طردت رسام الكاريكاتير الفرنسي المخضرم مورسي سينيه سنة 2008 لإبدائه ما وصف بالملاحظة المعادية للسامية؟ ألم تعلم أن صحيفة جايلاندس بوستن الدنماركية التي تشرت الرسوم المسيئة للنبي سنة 2005 رفضت نشر رسوم ساخرة من المسيح لأنها قد "تثير الغضب" وأعلنت في فخر أنها لا يمكن أن تنشر "مهما تكن الظروف رسوما كاريكاتورية تسخر من الهولوكوست"؟
 أعتقد أن المنتظر من المسلمين أن يكونوا أسمك جلودا من إخوانهم المسيحيين واليهود. والسياق أيضا مهم. إنك تطلب منا أن نضحك من الرسوم الكاريكاتورية للنبي وتتجاهل تشويه الإسلام في عموم القارة (ألم تزر ألمانيا في الفترة الأخيرة؟) والتمييز المنتشر ضد المسلمين في التعليم، والتوظيف والحياة العامة، لا سيما في فرنسا. وأنت تريد من المسلمين أن يدينوا حفنة من المتطرفين بوصفهم خطرا وجوديا على حرية الكلام بينما تتعامى أنت عن خطر أكبر يمثله قادتننا المنتخَبون.
ألم يسؤك أن ترى باراك أوباما ـ الذي طالب اليمن بمواصلة حبس الصحفي المعارض لعمليات الطيران الأمريكية باستخدام الطائرات الآلية عبد الإله حيدر شايع بعدما أدين في "اتهامات متعلقة بالإرهاب" في محاكمة هزلية تمثل عدوانا على حرية الكلام؟ ألم تشعر بالغثيان حينما رأيت بنيامين نتانياهو ـ رئيس وزراء البلد الذي قتل سبعة صحفيين في غزة سنة 2014 ـ حاضرا "مسيرة الوحدة" في باريس؟ لقد كان بيبي ثمة بصحبة أنيجلا ميركل مستشارة البلد الذي تصل فيه عقوبة إنكار الهولوكوست إلى السجن لخمس سنوات، وديفيد كاميرون الذي يريد منع الظهور التليفزيوني "للمتطرفين" السلميين الملتزمين بـ "الإطاحة بالديمقراطية".
وهناك من بعد ذلك كله قراؤك. من فضلك تكلم معهم؟ فقد كشف استطلاع للرأي أجرته يوجوف سنة 2011 أن 82% من الناخبين يؤيدون معاقبة المتظاهرين الذين يحرقون الدمى.
فالظاهر أن الإساءة لم تنل فقط من المسلمين.
المخلص دائما
مهدي


نقلا عن نيوستيتسمن ـ نشرت الترجمة في موقع 24