الأربعاء، 15 أكتوبر 2014

مفتاح اللغز في يد الجميع

مفتاح اللغز في يد الجميع

أفلام ديفيد لينش تبعث على الحيرة والتأمل. ولكن الخبر الجيد أنها كذلك بالنسبة له أيضا. في حواره هذا يتكلم عن رحلات الصيد العقلية، وتعذيب الجمهور، وعن هوسنا بالألغاز.





حوار: ماكس ثول

ـ مستر لينش، لو وصفت أفلامك بالشاذة، هل توافقني على ذلك؟
لينش: ولكنني حتى لا أعرف معنى الكلمة (صمت)
ـ معناها...
ـ أعرف معنى الكلمة، لكن لا أعرف مغزاها. السينما مثل الحياة، لا يمكنك أن تضعها تحت كلمة واحدة، الأمر أكثر تعقيدا من هذا بكثير. إنها تعني أشياء مختلفة لمختلف الأشخاص.
ـ أعتقد أن "الشاذة" لافتة مناسبة تلخص أعمالك، لأنها تركز على الغريب والمألوف في الوقت نفسه. كأنها الحياة العادية وقد اختلت.
ـ هذا رأيك، وهو رأي جيد.
ـ ولكن؟
ـ أعتقد أنك لو سألت عشرة أشخاص مختلفين لحصلت على عشرة أجوبة مختلفة على هذا السؤال. أعرف أن أعمالي غالبا ما توصف بالشذوذ بسبب لعبها على مفهومي الألفة والغرابة، لكن مثلما قلت، هذا مجرد تفسير واحد، وهو تفسير صالح لكنه ليس بالضرورة التفسير الوحيد الصحيح. أعمالي موضوعها الأفكار. وهذا قصارى ما يمكنني قوله في هذا الموضوع.
ـ ماذا تعني بهذا؟
ـ أفلامي استمرار للأفكار التي وقعت في غرامها. يكون يوما جميلا ذلك الذي أقع فيه في غرام فكرة، مذهل. ثم إنني أعرف ماذا أفعل، أستطيع أن أراه أمام عيني، أستطيع أن أتصور الأشياء. بوسع فكرة أن تقول لنا كل ما نريد أن نعرفه.
ـ أعمالك في الأغلب مقبضة، ولكنك لا تبدو لي شخصا سودوايا للغاية. من أين يأتي افتتانك هذا بالأجواء المقبضة؟
ـ العالم الذي نعيش فيه مقبض كثيرا، وفي الوقت نفسه، هو مصدر رائع للأفكار. فلا مفر، بطريقة ما، من وجود بعض العناصر المقبضة في الأعمال. أعتقد أن الأفلام لا يمكن أن تقتصر على الخط السعيد وحسب. القصص تنطوي على الصراع وفي هذا سر جودتها. وفكرة أن الفنان لا بد أن يكون شقيا لينتج فيلما مقبضا أو دراماتيكيا هي محض كلام فارغ. كل ما على الفنان أن يفعله هو أن يفهم ويترجم ما فهمه في عمله. يمكنه أن يكون سعيدا، شديد السعادة، ومع ذلك يصور مشهدا ينضح بالشقاء.
 ـ هذه المزاوجة بين الشقاء والمرح شيء ظاهر بوضوح في أفلامك.
ـ أنا بصدق لا أفكر في هذا، ولكنه يطفو من داخل الفكرة. هذه المزاوجة ليست شيئا أحاول اصطناعه، هي موجودة لأنها شيء طبيعي. انظر إلى الحياة: يمكن أن تكون مبتسما في الصباح وباكيا في المساء. وليست السينما إلا لغة جميلة تعيننا على تبيان هذه المشاعر.
ـ كيف تخطر لك هذه الأفكار؟
ـ لا يعرف المرء متى تضربه فكرة. الأمر أشبه بتليفزيون يعمل داخل مخك وأنت تتفرج على ما فيه، ترى الشخصيات، وترى كيف تلبس، وكيف تتصرف. تسمعها وهي تتكلم، ويمكنك أن تلتقط إحساس الكلام والمزاج فيما بينها، كل شيء هناك، واضح وضوح الكريستال. ثم إن التليفزيون ينطفئ فتأخذ تفكر في ما رأيت، وتكتبه. وحينما تقرأ ملاحظاتك هذه في وقت لاحق، ترجع إليك القصة ومن هنا تبدأ. وهكذا أصنع الأفلام.
ـ هل هناك أي شيء يثير هذه الأفكار؟
ـ كل شيء! كل شيء يمكن أن يثيرها: الموسيقى، المشي، الكلام مع الناس، الأكل، ... كل شيء ببساطة. الأمر أشبه بصيد السمك.
ـ صيد السمك؟
ـ لا بد لصيادي السمك من الصبر، ووضع الطعم في الشص. الرغبة في الفكرة أشبه بالطعم في الشص الذي ترميه في الماء. ثم تنتظر السمك أن تأكله. قد تبدأ بحلم اليقظة أو تناول سندوتش، ولكن تركيزك يبقى منصبا على صيد سمكة كبيرة. وحينما تقضم الطعم في النهاية، تستلها من الماء، ولعلك تقع في غرام هذه السمكة. ربما هي السمكة التي كنت في انتظارها لزمن طويل. أو ربما ليس هناك إلا شذرة من السمكة التي تحبها، فهذه الشذرة قد تكون طعما لسمكة أكبر.

ـ في ذلك عنصر معين من العشوائية والكفاح، لأنك لا تدري متى ستأكل السمكة الطعم، إن أكلته.
ـ بلا أدنى شك. فليس بوسعك أن ترغم سمكة على الأكل. يمكنك أن تشتهي فكرة لكنك لا يمكن أن تولجها في رأسك. عليها هي أن تجد طريقها بنفسها.
ـ تمارس التأمل الترانسندنتالي Transcendental Meditation وتروج له. هل يساعدك هذا على صيد السمك الكبير؟
ـ  نعم. لأنه يتيح لي الصيد في المياه العميقة. هو تكنيك ذهني قديم يتيح لك أن تغوص إلى أعمق مستويات الحياة وتتسامى عليه ـ أعني ذلك الموضع الذي يمثل قاعدة المادة والعقل كلهما. والعلم الحديث اكتشف المجال الموحد Unified Field  عند قاعدة المادة كلها ـ هو اتحاد جميع الجزيئات والقوى. ذلك المجال هو ما تمر به حينما تتسامى: وإذا بمحيط من الوعي تحت قدميك.
ـ هل بوسعك أن تصف هذا الموضع؟
ـ إنه أبعد من الكلام. تبدأ في توسيع وعيك ولذلك الوعي منزلة، صدقني. هو ذكاء لا محدود، إبداع، سعادة، حب، طاقة، وسلام. وهو موجود في كل إنسان. موجود، ويجعلك تصنع من اللاوعي وعيا وتطوِّر قدراتك كإنسان. فليس هناك ما يسمَّى اللاوعي، بل الوعي المحض. كل شيء يغمره النور. إنه النور الأتم. إنه محيط مليء بحلول المشكلات.
ـ هل التهكم والسخرية اللذان لا يزالان يسيطران على بعض الناس في مواجهة التأمل يصيبانك بالدهشة؟ لو أن التأمل يوفر لنا حياة أفضل، فلماذا نحتقره؟
ـ التهكم والسخرية يبعدان الناس عن السعادة. التشكك عموما فضيلة، ما لم يحرمك من شيء جيد. ولقد تعرَّض التأمل للتحليل والاختبار على مدار عقود، ومن كل زاوية ممكنة، بحثا عن أي جوانب سلبية فيه. لكن لا يوجد مثل هذا، لا يوجد فيه أي شيء سلبي.
ـ أفلامك بطريقة ما تدريب عقلي أيضا. فهي ممتلئة بالألغاز، وأنت تريد الناس أن يدققوا ويتشككوا فيما يرون. هل تعتقد أن اللغز غريزي في الطبيعة البشرية، أنه احتياج إنساني أساسي؟
ـ بالقطع. كلنا مفتشون سريون نسير بكشافاتنا ودفاترنا. كلنا نشعر أن ما يجري أكبر مما تراه أعيننا. وليس بوسعنا أن نزعزع هذا الشعور لأنه جزء من طبيعتنا، وهناك نقطة لا يستطيع الناس بعدها أن يحيدوا بأبصارهم، بل يتحتم عليهم الاكتشاف. ويصبح حل اللغز هاجسا.
ـ تتمنع كثيرا ـ وأنت محق في هذا ـ عن الحديث عن مواضيع أفلامك لأنك تريد أن يكوِّن الناس أفكارهم الخاصة في ما يرون. وقلت مرارا إن الناس تعرف إلى حد بعيد عن أي شيء تدور أفلامك. فما الذي يجعلهم راغبين في تأكيد خارجي لما يعرفونه؟
ـ لا أعرف
ـ لعلهم لا يثقون في عقولهم، ويبدو أن الشيء الوحيد الذي لا يمكن احتماله أكثر من الغموض هو اللايقين والجهل.
ـ ذلك فعلا لا يحتمل، هو عمليا عذاب. حينما ينكشف شيء، يصبح حقيقة لا يعتورها الشك. ولا أريد أن يحدث هذا لأفلامي. كل منا لديه مفتاح اللغز، فلماذا ينبغي عليَّ أنا بالذات أن أستعمل مفتاحي؟
ـ لأنك تعرف الإجابة أصلا ويمكنك أن تمنحها للمشاهدين وتعفيهم من العذاب.
ـ أعرف بعض الأشياء عن أفلامي. فهي تمثل لي شيئا معينا، ولكن هذا الشيء في حالة سيلان دائمة. قد أقدِّر شيئا ما هذا التقدير أو ذاك، وبعد سنتين، يتغير معناه لديّ تغيرا تاما. لقد تسامى عن معناه الأصلي وأصبح شيئا أكبر. ومن ثم لست أفضل من يجيب هذه الأسئلة. (يضحك)
ـ غالبا ما تثير أفلامك نوستالجيا قوية إلى الماضي الأمريكي، لا سيما براءة الخمسينيات. هل تصف نفسك بالنوستالجي؟
ـ كل الناس هكذا. هناك مشاعر جليلة إلى درجة أن تستولي على العقل. هذه المشاعر تثيرها أماكن معينة، أو أصوات. الذكريات التي تخطر لك تخلق فيك ابتهاجا. ابتهاجا لا شائبة فيه.


عن مجلة ذي يوربيان ونشرت الترجمة في موقع 24