الثلاثاء، 14 أكتوبر، 2014

عبد الفتاح كيليطو: بعد طه حسين لم يعد ثمة أبطال

عبد الفتاح كيليطو: بعد طه حسين لم يعد ثمة أبطال
حوار: روبن كريسوِل
ولد عبد الفتاح كيليطو في الرباط بالمغرب سنة 1945. درس الأدب العربي الكلاسيكي، وتضم مؤلفاته اليوم العديد من مجاميع القصص القصيرة الآسرة، وكتب النقد أيضا. كتاباته البحثية والقصصية على السواء هي نتاج رجل ذي أسلوب بالمعنى الفرنسي الكلاسيكي للكلمة، ما لم يكن بالمعنى العربي الكلاسيكي لها أيضا، فهذه الأعمال بليغة، رائقة. هو واحد من أولئك الكتّاب الذين تأخذك القراءة لهم سواء كتب عن نظريات الاستعارة القديمة أم عن أفلام آبل جانس أم عن قصص دونا ليون البوليسية الشعبية. وكيليطو بحسب ما قالت مؤخرا مارينا وورنر في مقالة عن أعماله في لندن رفيو أوف بوكس "حكيم مغرم بكتب الكومكس".
أول كتب كيليطو المترجمة إلى الإنجليزية كان "الكاتب وبدلاؤه" (2001، وصدر بلغته الأصلية سنة 1985)، وكان عبارة عن دراسة في التزوير، والتقليد، واختراع الأدب العربي الكلاسيكي. أعقبه "لن تتكلم لغتي" (2008، وأصلا في 2002) وهو مجموعة مقالات عن الترجمة الخاطئة، و"تصادم الصور" (2010، وأصلا في 1995)، وسيرة بروستية عن نشأته في الرباط في خمسينيات القرن الماضي. وينتظر أن يصدر له في خريف هذا العام كتاب فيه مجموعة مقالات نقدية بعنوان "العرب وفن الحكي".
يعيش كيليطو ويدرِّس في الرباط. وقد أجري هذا الحوار عبر البريد الإلكتروني، وترجمه المحاور [إلى الإنجليزية].
***
ـ كان عمرك إحدى عشرة سنة عند استقلال المغرب عن فرنسا سنة 1956. ما الذي تتذكره عن ذلك الوقت؟
ـ قبل شهور قليلة من الاستقلال، وبعد أن تم الإعلان عن عودة السلطان محمد الخامس من المنفى، عمَّ الابتهاج شوارع الرباط. خرج الجميع، شباب وشيوخ، يغنون الأغنيات الوطنية. وفي أحد الأيام انضم إلى المجموعة التي كنت فيها رجل أعمى. لا بد أنه كان في العشرين من عمره، وكان أميل إلى النحافة. كنت أراه وهو يسير، وعصاه تسبقه، تدق خافتة على الأرض. كان كلَّ يوم يسلك الطريق نفسه في رجوعه إلى البيت. لم أره مرة بصحبة أحد، ولا في حوار مع أحد. ولكنه انضم إلينا في ذلك اليوم، وبصوت عذب، مضى يغني، وقد تأبط عصاه ليستطيع أن يصفق ويهلل.
كانت صور السلطان تباع في كل مكان. وفي المدرسة شاركنا بمصروفنا لنشتري صورة، ثم اشترينا لها إطارا. وذات صباح علقناها فوق السبورة، وانتظرنا رد فعل مسيو آنديت، فلما دخل الفصل، بهت للحظة، ثم ابتسم لنا ابتسامة عريضة.
في ذلك الوقت لم يكن أحد يفكر في نفسه. لم يكن للفرد وجود. كان الواحد ورفاقه جميعا جزءا من مجموعة كبيرة.

ـ أعتقد أنك التحقت بمدرسة فرنسية في ذلك الوقت، الليسيه؟ وهذه تجربة يكتب عنها كثير من الكتاب المغاربة وأنت من بينهم. ما الذي كان يعنيه لك الليسيه ولجيلك من المثقفين؟
ـ الحقيقة أنه كان ليسيه مغربي، حيث كل المواد تدرَّس بالفرنسية، ويدرِّسها معلمون فرنسيون، باستثناء العربية بالطبع. وجودك في الليسيه كان معناه أن تشعر بالتميز. اعتبارا من ذلك الوقت، كنت تصبح جزءا من النخبة الثقافية. كان قليل للغاية من الطلبة سنة 1963 هم الذين يتوِّجون دراستهم بالبكالوريا ـ مفتاح النجاح والمستقبل البراق. كانت الدرجة الجامعية تؤهلك أوتوماتيكيا لوظيفة مرموقة: مهندس، معلم، معماري. الأوضاع اليوم مختلفة.
كان آباؤنا يعبدوننا. كنا في أعينهم خبراء، بطريقة أو بأخرى. ألم نكن نجيد لغات أجنبية وهم لا يتكلمون إلا العربية؟ علاوة على الفرنسية كان على كل طالب أن يختار لغة أجنبية ثانية، هي في العادة الإنجليزية أو الإسبانية. أنا اخترت الألمانية. وكان أحد معلمينا قد زعم أنك ما لم تجد الألمانية فلا يمكن أن تكون شاعرا أو فيلسوفا. وكنت أحلم أن أكون كاتبا. وملأت دفاتر ودفاتر في انتظار أن يحين ميعادي. ولم أكن في عجلة من أمري.

ـ ما الذي كنت تدرسه في المدرسة؟ وما الذي كنت تقرؤه في البيت للمتعة؟
ـ لا أتذكر فعلا ما الذي كنا ندرسه في المدرسة. رسائل دوديه من "الطاحونة"، جارجانوتا Gargantua (في طبعة محدَّثة)، تارتيوف Tartuffe [المحتال لموليير]، البؤساء (طبعة مختصرة). وماذا أيضا؟ عقلي كان في مكان آخر، في البيت كنت أقرأ "رجل بلا خصال" لموسيل، و"الجبل السحري" لمان، ونرسيوس وجولدمند لهسه، وأوبرات فاجنر، وهاينرش هاينه، ومسرحيات بريخت، كافكا كله (ما عدا اليوميات). قرأت كذلك دوس باسوس لو أن الذاكرة تسعفني. وطبعا جان بول سارتر. كنت فخورا بنفسي لمعرفتي كل تلك الأعمال الأدبية. ولكن ذات يوم سألني صديق قرأ نكراسوف Nekrassov  إن كنت أعرف تلك المسرحية ولم أكن أعرفها. وحسبت له نقطة.

ـ في ذلك الوقت في الشرق الأوسط، كان الأدب الروسي والسوفييتي يجتاح المنطقة. يفتوشنكو كان يجوب العالم، وما من أحد إلا وكان يقرأ سولجنتسن. خلافا لك؟
ـ أتذكر أنني قرأت دكتور زيفاجو بالعربية، في وقت ما من الستينيات. وكنت أرى أعمال جوركي في المكتبات، لكنها لسبب ما لم تكن تثيرني. بسبب الصور على الأغلفة ولا شك.
ـ لم تذكر أي أعمال عربية، ولكني أفترض أنك قرأت بعضها؟
ـ قرأت تقريبا كل ما نشره الكتّاب المصريون واللبنانوين. ولست أغالي، فلم يكن هناك الكثير. وبي ضعف تجاه طه حسين، فبفضله اكتشفت أن كل شيء مطروح للنقاش، حتى كبار الكتاب الراحلين. طه حسين لم يكن يرحم، ولم يكن يقدس أحدا. حتى الأساطير لم تكن بمأمن منه. وللأسف لم يكن بعد حسين ما يثير الإعجاب، لم يعد ثمة المزيد من الأبطال. ولكن قراءته كانت تترك لدي انطباع بأنني أصبح أكثر ذكاء.
أحببت أيضا توفيق الحكيم، ولكن لسبب آخر. روايته "عصفور من الشرق" تركت أثرا عميقا في نفسي. أردت أن أسافر مثله إلى باريس، وأرتاد المسارح، وأتردد على المتاحف، وأقع في غرام امرأة فرنسية. فبتلك الطريقة فقط، مثلما تصورت، يمكنني أن أكون كاتبا.

ـ ما الذي كان يعنيه لك في ذلك الوقت أن "تكون كاتبا"؟
ـ كان الكاتب خالقا من نوع ما، بطبيعة الحال، ولكنني كنت أحب أن أنظر إليه بوصفه قارئا أيضا ـ قارئا عظيما. ومن كتابته، كنت أحاول أن أعرف، أو أخمِّن، ما الذي يقرؤه. نوع من التلصص الأدبي. وغالبا ما يكشف الكاتب ورقه، ولو بالمصادفة. كنت أشعر بإحساس رائع من التواطؤ حين يتسنى لي أن أكتشف عنوانا، أو بيت شعر، أو إشارة. ولو كانت الشخصية أيضا على علاقة بالأدب ـ كـ بيرجوت في البحث عن الزمن المفقود لبروست أو نوبيرت دو فيرن في بيل  آمي لموباسان ـ كنت أزداد انتباها. فقراءة الشخصية تكشف الكثير عنه. دون كيخوته، إيما بوفاري ... كنت أحلم بكتابة مقالة عن [رواية] "التعليم العاطفي" [لـ جوستاف فلوبير] التي تتخذ من قراءات فردريك مورو هاديا.

ـ درست في فرنسا؟
ـ لا، لم أكن طالبا إلا في المغرب. وحينما وضعت قدمي للمرة الأولى في فرنسا كان ذلك لمناقشة أطروحتي لنيل درجة الدكتوراة، وكان موضوعها المقامة ـ وهي جنس أدبي عربي من القرون الوسطى ـ في السوربون. في نهاية الستينيات من القرن العشرين، كنت بالفعل في كلية الآداب بجامعة الرباط أدرِّس بودلير وزولا. وكان من بين زملائي رولان بارت.

ـ ما الذي تتذكره عن بارت، إنسانا وزميلا وقارئا؟
ـ لم أكن أعرفه جيدا، وإن كان الوصول إليه وقتها في غاية السهولة. في المقابل، كان تفوقه الفكري يجعله مرهوبا. فلم يكن أمامي غير شيء واحد، هو أن أقرأه، أن أقرأ كل ما كتبه. ففعلت ذلك. كان يدرِّس منهجا عن بروست، ويدرِّس منهجا آخر عن "الجزيرة الغامضة" لفيرن. كان يلفت انتباه طلبته في العادة إلى عناوين الجرائد، فمثلا "نهاية الإضراب"، فيشير مُحقَّا إلى أن الجرائد لم تنشر كلمة عن بداية الإضراب. وكان الطلبة الذين يحبون استفزازه يسألونه "ما نفع البنيوية في دولة من دول العالم الثالث؟". ولا أعرف بم كان يجيب، وما إذا كانوا يتذكرون هم أنفسهم الآن.
في الفترة التي كنت طالبا فيها، قرأت قدرا غير قليل من النقد الأدبي وكنت أراه جيدا، وأرى أنني يمكن أن أفعل مثله. ومع بارت تغير كل شيء. اكتشفت طريقة جديدة للقراءة، وطريقة جديدة للكتابة. هناك في الأدب حقيقة مرحلتان: ما قبل بارت، وما بعد بارت.

ـ في أعمالك الأولى عن الأدب العربي أكثر من إشارة إلى البنيوية، في كتاباتك مثلا عن ألف ليلة وليلة وعن المقامات. ما الذي كانت تعنيه لك البنيوية في ذلك الوقت؟ ألم تسأل نفسك قط "ما نفع البنيوية في بلد من بلاد العالم الثالث"؟
ـ ينبغي أن أتكلم هنا قليلا عن المناخ الثقافي في ذلك الوقت، في الستينيات. كانت الجامعة في ذلك الوقت ساحة للصراع العنيف، الصراع السياسي طبعا، ولكن الصراع الثقافي والأدبي أيضا. وبدلا من اتباع المناهج الكلاسيكية كان الجميع يرغبون في اتباع الأحدث. وكان الكل يجمعون على أن من لا يعرف اللغويات لا رجاء منه. وكان ثمة اسمان قد أصبحا أسطورتين، فردينان دو سوسير ونعوم تشومسكي. ذلك كان زمان الأسماء. ومسكين الباحث الذي لا يردد الأسماء المناسبة! ولن أنسى حيرة أكاديمي فرنسي، ذي تعليم تقليدي، فوجئ في نهاية مؤتمر بسؤال عاصف من الطلبة المغاربة: "كيف لك أن تتكلم عن الأدب بدون ذكر لدريدا وألتوسير؟"
في ظل تلك الظروف، كان السؤال عما يمكن أن تقدمه البنيوية لبلد من العالم الثالث ينطوي ضمنيا على أسئلة أخرى: ألم نكن أكثر احتياجا إلى المنهج الماركسي في التعامل مع الأدب؟ ما الخيار الصحيح لنا، هنا والآن؟ بالنسبة لي لم أكن أعرف فعلا إلى أين أولِّي وجهي، ولكن شيئا واحدا فقط كان مؤكدا، وهو أنني كنت قد بدأت للتو تعلم مهنتي وأن لديّ الكثير الذي ينبغي أن أقرأه.

ـ كتبت أغلب قصصك بالفرنسية، في حين أن أغلب نقدك ـ وإن لم يكن كله ـ بالعربية. هل لذلك سبب؟ هل التمييز بين النقد والقص مفيد؟
ـ يلعب عامل الصدفة دورا في اختيار المرء الكتابة بلغة معينة دون أخرى. وبدون الدخول بعمق في التفاصيل، أقول إن قصصي نتاج لقاء عارض، أو نتاج ملاحظة. فعلى سبيل المثال، مجموعة "بحثا" En quête  نشأت من حوار مع محرر فرنسي في طنجة. مهما تكن اللغة التي أكتب بها، تكون المقالة هي أكثر الأجناس الأدبية تمثيلا لما أفعله، وبهذا المعني أنتقل إلى ناقد أدبي. لكن من الممكن قراءة بعض مقالاتي قراءة القصص، وغالبا ما يكون موضوع قصصي هو الكتابة أو الأدب. وأعترف أن الانتماء إلى المكان البيني لا يزعجني على الإطلاق.

ـ وهو ما يذكرني ببورخيس، الذي تمكن قراءة قصصه كمقالات ومقالاته كقصص. وأنت كتبت عن نيويورك عددا من المرات، عن قصة "بحث ابن رشد" القصيرة مثلا، وعن مقالاته عن ألف ليلة وليلة. إحساس بورخيس بهامشيته كأديب أرجنتيني له صدى يتردد في عملك. كيف تصف علاقتك به؟
ـ أدين له بالكثير، برغم أنني قرأته متأخرا نسبيا، في الوقت الذي كنت أكتب فيه "الكاتب وبدلاؤه" (1985). ويمكنك أن تضع يدك في أعمالي التي كتبتها منذ ذلك الحين على عدد من ثيماته المفضلة: المكتبة، والكتاب الذي لا ينتهي، والمرآة، والبديل. ساعدتني مقالاته على رؤية الأدب العربي رؤية جديدة. ودعني هنا أشر إلى كاتبين كلاسيكيين يشبههما بورخيس كثيرا: الأول هو الجاحظ ("جاحظ العينين") الناثر العظيم من القرن التاسع، وخبير التزوير والانتحال. بورخيس يكتب عنه في "بحث ابن رشد". والثاني هو المعري، الشاعر العظيم الأعمى من القرن الحادي عشر. وبورخيس يشترك في كثير مع المعري، في ارتباط كليهما بالأم، وكذلك في الفزع من الإنجاب أو التناسل.

ـ الأدب العربي الكلاسيكي شديد الثراء شأن مثيلة اليوناني أو الصيني، لكنه يكاد يكون مجهولا في هذا البلد (ولعل الوضع أفضل قليلا في فرنسا). بوصفك محبا لهذا الأدب، وخبيرا فيه، ما الذي يمكن أن يقدمه لمن لم يقرأوه؟ ما الذي تقوله لطلبتك (فلا بد أن بينهم بعض المتشككين)؟
ـ بالنسبة للمتشككين، أقاوم غواية أن أقول لهم إنهم لا يعرفون ما الذي يضيع عليهم. لو تعالي الناس على الأدب الكلاسيكي، فإنني أفترض أن تكون لديهم أسباب، لأن هذا الموقف غريب في المقام الأول. للأدب الكلاسيكي شفراته الخاصة، ومجموعة معينة من الأعراف. وعلى المرء أن يتعب لكي يقرأه.
ما الذي يمكن أن يقدمه لنا؟ بصفة شديدة العمومية، أقول إن المرء بقراءة كتاب مثل ابن المقفع والجاحظ والتوحيدي وابن طفيل يتشرَّب نوعا دقيقا من الحكمة. فمن خلال ذهنهم المتفتح، يعلمنا هؤلاء الكتاب درس التسامح، التسامح مع الأفكار الأخرى. ولكن هؤلاء الكتاب لسوء الحظ غير مدروسين جيدا، ولا مترجَمين جيدا. الأمر كله يرجع في نهاية المطاف إلى مسألة الترجمة. وهذه أيضا مشكلة الشعر العربي، الذي غالبا ما يقال إنه غير قابل للقراءة في غير لغته، وإن كان قليلون هم الذين يجهرون بذلك. وبعيدا عن المتخصصين، ليس من المحتمل لأحد في أمريكا أو أوربا أن يتمكن من ذكر اسم شاعر عربي واحد. هناك ترجمات، ولكنها نادرا ما تصادف نجاحا كبيرا. مؤكد أنه نجاح لا يضاهى بنجاح نسخة إدوارد فتزجيرالد من رباعيات عمر الخيام (المترجمة عن الفارسية). ولكنني أود أن أشير إلى ترجمات أندريه ميجيل الفرنسية، فقد قدم لنا نسخا من المجنون (مجنون ليلى) وأبي العتاهية، وأبي فراس، وابن زيدون. لا تزال مقامات الحمداني والحريري تنتظر فتزجيرالد(ها)، أو تنتظر أنطون جالاند(ها) الذيب ترجم ألف ليلة وليلة في مطلع القرن الثامن عشر. منذ ذلك الحين، لم يفقد ذلك الكتاب جدته، ولا يزال تأثيره محسوسا في كل مكان، حتى بين من لم يقرأوه. لقد كان معجزة.

روبن كريسول أستاذ مساعد الأدب المقارن بجامعة ييل، ومحرر الشعر في باريس رفيو. ترجم إلى الإنجليزية "صدام الصور" لعبد الفتاح كيليطو، وترجم "تلك الرائحة لصنع الله ابراهيم" وكذلك "يوميات الواحات".
نشر الحوار أصلا  في ايسوب ونشرت الترجمة في شرفات