الثلاثاء، 27 مايو، 2014

ماذا رأى أسلافنا حين نظروا إلى الكون؟

ماذا رأى أسلافنا حين نظروا إلى الكون؟
حوار:ماثيو سبيلبرج

روبرت بيرنجرست شاعر وعالم لغة ومترجم وكاتب مقال، وقف عبر سلسلة من الكتب والمحاضرات اللافتة مناصرا تراث الأمريكيين الأصليين [الهنود الحمر] الثقافي والأدبي. جعل غايته ودافعه أن يسجل الأساطير الشفاهية في متن الأدب العالمي، ذاهبا إلى أن قصص الأمريكيين الأصليين ليست مجرد أعمال أنثروبولوجية، بل هي أعمال فنية.
ولد بيرنجرست في الولايات المتحدة لكنه يعيش منذ وقت طويل في كندا. فوطنه، فنيا وفعليا، هو الشمال الغربي من ذلك البلد على مقربة من المحيط الهادي، لكنه من الناحية الفكري مَشَّاء حقيقي [فلا وطن له]. ترجم لبارمنيدس، ودرس الشعر الصيني، وقارن بين سوفوكليس وحكَّاء من كراو يدعى "أصفر الجبين" كتب قصائد ومقالات عن العنف الحديث والرسم في عصر النهضة، وكتب رسالة كلاسيكية في الطبوغرافيا عنوانها "عناصر الأسلوب الطبوغرافي".
ولكن القلب النابض في جسد هذا العمل هو ولع العمر بأدب الـ هايدا Haida وثقافتها، والهايدا إحدى حضارات أبناء أمريكا الأصليين من سكان هايدا جواي،  وهي سلسلة جزر قبالة ساحل كولمبيا البريطانية، عرفها الناس ممن عاشوا فيها باسم "التخوم ما بين العوالم"، حيث تلتقي الأرواح الخالدة والبشر الفانون.
يضرب تراث الهايدا الشعري التقليدي، الذي ازدهر لقرون وسط الحكائين الشفاهيين، بجذوره في الأسطورة، وهي الجنس الذي يعرِّفه بيرنجرست بأنه "نظرية عن طبيعة الواقع، لا يتم التعبير عنها عبر رموز جبرية أو تجريدات جامدة  بل من خلال قالب سردي حي". في التراث الحي، لا تتسم الأساطير بالثبات، إنما هي لغة أعراف وأنماط  لكل راو أن يشكلها بحسب رؤيته لذاته وللعالم.
أساطير الهايدا تصف زخما يتراوح ما بين أشد الشقاءات حميمية وأعوص ألغاز الميتافيزيقا. يطارد الأبطال الجميلات إلى ذرى السماء أو قيعان البحار، وبالمصادفة يخلق الغراب العالم في معرض سعيه إلى التشبع المادي، وحيلة ماكرة تجعل إله الريح يكشف عن قضيبه، ورجل يرقص على طريق الريش استعارة للتصالح. يقيم رواة أساطير الهايدا كونهم على التفاعل والتوازن الدائم. وفي ثنايا ذلك يخلقون لغة عظيمة الجمال.
يقوم استكشاف بيرنجرست للهايدا في المقام الأكبر على النصوص التي جمعها جون سوانتن، عالم الإثنيات الأمريكي الذي تعلم لغة الهايدا قبل قرن من الزمن وظل يدوِّن بدأب لستة أيام كل أسبوع، وعلى مدار شهور طويلة، أساطير الأحياء من رواة أساطير الهايدا وتواريخهم، حتى كانت النتيجة واحدا من أهم أرشيفات الأدب الشفاهي المدونة كتابيا. باستخدام نصوص سوانتن، أنتج بيرنجرست ثلاثية بديعة بعنوان "روائع أساطير الهايدا". وتتضمن "قصة في حِدَّة السكين"، دراسة في عالم الهايدا ، وجزأين آخرين من التراجم، كل منهما مخصص لأحد كبار شعراء الهايدا. يضم "تسع زيارات إلى عالم الأساطير" قصصا لـ "جاندل" من كايهال لياناس و"الوجود في الوجود" ويضم الأعمال الكاملة لـ سكاي من أوكونا كويجهاواي.
أجري الحوار التالي عبر سلسلة من الرسائل الإلكترونية المتبادلة في أواخر نوفمبر ومطلع ديسمبر 2013. حيث كان بيرنجست يكتب من بيته في جزيرة كوادرا في كولمبيا البريطانية على بعد مئات قليلة من الأميال من هايدا جواي، حيث لا يفصل بين البحر والسماء إلا أولئك الشعراء الأمريكيون العظماء.
***
ـ كيف بدأ اهتمامك بثقافة الهايدا وشعرهم؟
ـ انتقلت إلى شمال غرب كندا سنة 1973، ومنذ لك الحين أعيش هنا أغلب الوقت. عندما وصلت، كنت بحاجة إلى أن أعرف أين أنا. ومن أجل ذلك كنت أمشي على الشطآن، وأتنزه طويلا على ساحل المحيط، وأتنقل بالزورق في المياه الساحلية، وأقرأ الأدلَّة الميدانية النباتية، وأطالع الخرائط المحلية، وأدب المنطقة.
ولكن هذا مكان ليس للأدب المكتوب بالإنجليزية تاريخ طويل فيه. فسرعان ما انصرفت عن ذلك إلى الأعمال الإثنوجرافية: كترجمات "فرانز بوس" عن التسيمشيات، والنيسجا، والكواكوالا، والكاثلاميت، والشولووتر تشينوك، وترجمات إدوارد سابير من النوتكا، وترجمات جون سوانتن من الهايدا والتلينجت. وقليلا قليلا عرفت هويات المتكلمين برغم أن بوس وبعض أوائل الإثنوجرافيين كانت لديهم فكرة مضللة مفادها أن هوية المتكلم غير ذات أهمية في الثقافة الشفاهية.
غالبا ما كانت الترجمات غير رشيقة، لكنها جميعا كانت تثير إعجابي على نحو لم يفعله أدب المنطقة الحديث. وبدون أدنى شك كانت قصص هايدا الجنوبية هي التي تركت بي أعمق الأثر. فمضيت أبحث عن الأصول. وعثرت عليها في فيلادلفيا حيث أودع بوس وكثير من تلاميذه أوراقهم الميدانية وتفريغ تسجيلاتهم.

ـ هذه القصائد آتية من عالم مختلف للغاية عن عالمنا، وهناك الكثير للغاية مما يحتاج القارئ الجاد أن يعرفه عن الهايدا، نباتاتهم، وطقوسهم، وهيراركيتهم، وسلالتهم، وصناعتهم للقوارب، وطرائقهم في الصيد، ويمكن أن أستمر طويلا، قبل أن يستوعب كل ما في هذه القصائد من تعقيدات. ما الذي ألهمك الغوص إلى هذه الأعماق في هذه الثقافة؟
ـ حسن، مثلما قلت لك، أنا جئت إلى الساحل الشمالي الغربي لأعيش. وكان شعراء الهايدا ممن ماتوا قبل ميلادي هم الذين علموني كيف أعيش في هذا المكان.
وإنني أرى هذا الآن جزءا من مشروع أكبر. فكل نص اشتبكت معه من نصوص أبناء الشمال الأمريكي الأصليين علمني شيئا مهما عن كيفية الحياة في القارة التي ولدت فيها. أنا ولدت في الساحل الغربي، لكن ليس في الساحل الشمالي الغربي. ولدت في كاليفورنيا الجنوبية، وحملت من هناك إلى الداخل وأنا ابن سنة واحدة، فنشأت في روكيز في الشمال، وفي السهول العليا في مونتانا ووايومينج وألبرتا. ثم ذهبت إلى المدرسة في مساتشوستس، وعشت لوقت في الشرق الأوسط من أمريكا اللاتينية ثم قضيت سنتين في جامعة إنديانا، ثم رحلت إلى فانكوفر سنة 1973 للالتحاق بمدرسة الدراسات العليا، فالجزء الوحيد الذي لم أعش فيه هو الساحل الشمالي الغربي، ولا يوجد مكان معين أطلت فيه العيش. فكرة الإقامة والاستقرار كانت تبدو لي أغرب من الصعود إلى القمر. ولكنني أحببت الساحل وقررت أن أجرب الإقامة فيه.
في تلك الأيام، في السبعينيات، كان الشعراء الكنديون يتكلمون بلا توقف عن المكان. كان المكان هو الموضوع المقدس في الشعر. أما شعراء الهايدا في المقابل فلم يتكلموا نهائيا عن المكان، ولكنهم عاشوه وتنفسوه. وكان شعرهم منقوعا في عالم غير إنساني: في البحر والجبال وحيوانات البحر وطيور البحر وصخور الشاطئ وعشب الشاطئ والغابات. وما كان ينبغي أن أعرفه لأفهم أولئك الشعراء هو بالضبط ما كنت أريد أن أعرفه. كان ما أحتاج إلى معرفته لكي أكون حيثما كنت.

ـ متى أدركت أنك تريد أن تنتج رد فعل ملموسا على أولئك الشعراء، وأن رد الفعل هذا سيكون من الضخامة بحيث لا يتسع له أقل من ثلاث مجلدات؟
ـ فكرت في لحظة أنني قد "أخرج بقصائد" من تلك النصوص. إلى أن بدأت الحقيقة تتبين: هذه النصوص قصائد أصلا. لا تحتاج مني أو من غيري من الأدباء إلى أن نحولها إلى أدب. كلما تحتاجه هو رؤيتها والاستماع إليها والاعتراف بها.
في وقت ما من ثمانينيات القرن الماضي بدأت العمل منهجيا على اللغة. وبحلول أواخر التسعينيات كنت جاهزا لمحاولة العمل على ترجماتي أنا. وحتى في ذلك الوقت كنت أتخيل أن كتابا واحدا سوف يكفي. كنت أحسب أنني سأنتج الأفضل من كتابين دوّن فيهما سوانتن لرواة أساطير الهايدا. وكنت أظن أيضا أنني قد أكتب مقدمة من عشرين أو خمس وعشرين صفحة لهذه الترجمات، لوصف المشهد. وسرعان ما تعملقت المقدمة إلى خمسمائة صفحة فتبينت لي حقيقة أخرى: بت أعلم أن عليّ أن أبيِّن ما الذي أفعله، ولم يكن لكتاب واحد أن يكفي.
باختصار، تخبطت كثيرا، وذلك ما يفعله في العادة العصاميون في التعليم. ولكنني أرجع النظر في ما مضى فلا أرى أنه كان لدي بديل في واقع الأمر.

ـ لم أعلم إلا من كتبك عن الهايدا ما في أدب أبناء أمريكا الأصليين من أدوات منحت الحياة وبثت الروح في عشب البحر والبر بمثل ما منحت الآداب الروسية والفرنسية الحياة للشجر عريض الأوراق.
ـ الأدب الروسي، شأن الأدب الكندي الكولنيالي، يحوي خلفية باذخة من المناظر الطبيعية. غالبا ما تحملق الشخصيات متأملة الغابة العظيمة أو تمر بها فتكثر المرور في تنقلها من بيت أو مكان إلى آخر. هذه الشخصيات نادرا ما تقدم معلومات تفصيلية عن الغابة، فأغلبها ينتمي إلى طبقات اجتماعية لديها شواغل أخرى، وهو ما يعني أن تكون هذه الشخصيات على علاقات رومانتيكية ضحلة بالأرض القائمة من حولها. ومع ذلك فالغابة حاضرة بقوة، شأن المحيط في موبي ديك. الغابة في الحقيقة قد تكون إحدى شخصيات القصة الأساسية. ومن ثم فالقارئ يجد عونا هائلا إن هو فهم أي نوع من الغابات هي.
ولكنني أتساءل عن نسبة الروايات في العالم التي تدور أحداثها بالكامل داخل الأماكن المغلقة. أراهن أنها أكبر من تلك التي تدور بالكامل تقريبا في الأماكن المفتوحة.
وليس أمرا بالغ الغرابة أن تجعل القصائد نفسها في الخارج، ولكنها قد تجري أيضا في الوقت نفسه في الداخل: لا داخل منزل بل داخل عقل كاتبها وقارئها وجسديهما. وكثير من القصائد في ما يبدو يشد العالم الخارجي إلى الداخل. فلا تكون مشاعر تستعاد في وداعة بل وعيا يستعاد في الداخل. وقصيدة "الوقوف في الغابة في مساء جليدي" لروبرت فروست نموذج ساطع على هذا. فهي تجري في الخارج، ولا تجري فيه. ولكن هناك قصائد تعمل بعكس هذه الطريقة. هناك شعراء يجرفون تفكيرهم وتفكير قرائهم إلى الخارج العظيم: شعراء يفكرون خارج الصندوق، خارج الجمجمة، خارج الذات، بعقل أكبر هو عقل العالم الخارجي. فروست يفعل هذا أحيانا. روبنسن جيفرز يفعله بصورة روتينية، وعلى نطاق أكبر.
في آداب أمريكا الشمالية الأصلية لا وجود لأية روايات. والجنس الأدبي المسيطر هو الأسطورة. والأساطير قصص تدور بصفة أساسية عن العالم، لا عن البشر الأفراد. وليست الأسطورة مضطرة إلى احتواء أي بشر على الإطلاق. وإن احتوتهم، فهم في العادة شخصيات ثانوية، شخصيات خيالية مبعوثة للاستكشاف والرجوع بخبر ما يجري في عالم الأسطورة، لكنهم لا يكونون مشاركين مركزيين في الحدث.

ـ يشيع وصف آداب ما قبل الأدب بأنها تشخيصية: إذ يجري التعبير عن السمات البشرية من خلال عناصر الطبيعة. ولقد رأى كثير من الفلاسفة والأنثروبولوجيين في الغرب، ابتداء من هيجل، أن هذه خطوة حاسمة ومبكرة في تطور الثقافة. أما أنت فتكتب أن أدب أمريكا الأصلي يتعامل مع العالم الأسطوري الأكبر حيث البشر فيه شخصيات ثانوية، فإنك تذهب على ما يبدو مذهبا آخر، شبه معاكس: هو أن البشر ومشاعرهم ما كانوا أكثر من محاكاة باهتة لحالات الطبيعة.
ـ يبدو أن كثيرا من قامات فكر التراث الأوربي الكبرى يرون أن الخارج العظيم بارد، وأن نظيره الأدبي، أي العالم الأسطوري، بارد بالمثل. وكأن العالم الذي لا نفوذ للبشر عليه، والذي قد لا يكون له أدنى وجود، لا يمكن أن يكون عالما مثيرا لاهتمام البشر. ونحن نتوقع شيئا أفضل من هذا ـ أعني منظورا أكبر ـ من علماء الجيولوجيا، والأحياء، والفيزياء، والكيمياء، والفضاء، أما الباحثون في الأدب والفلسفة فمسموح لهم بغير ذلك. ولو أنك ترفض الاهتمام بعالم أكبر من المجال البشري، فليس بوسعك حياله إلا أن تقول بتفاهته. والنتيجة ثقافة كثقافتنا، لا تعرف مغزى الأساطير فترمي بها في كتب الأطفال.
ولك أن تتوقع، في ثقافة كهذه، بعض النظريات المضحكة أو المتعالية حول نشأة الأسطورة، والحق يا عم فهمنا الحكاية. الزعم بأن الأسطورة هي دائما نتاج ثانوي سردي لشعيرة، الزعم بأن الأسطورة إسقاط لمخاوف بشرية على نسيج كوني، الزعم بأن الأساطير اخترعت لتبرير أهواء البشر ومؤسساتهم ... كل هذه مزاعم غايتها النيل من أهمية نمط من التفكير انتفعت به البشرية لفترة طويلة للغاية.
إسقاط المخاوف قد يكون موجودا في أسطورة أو موسيقى أو قصة، أو عيادة طبيب. لكن ذلك لا يجعل منه الأساس لكل شيء. فقد يشرع راوي الأسطورة في حكي قطعة من الميثولوجيا ثم ينعطف إلى شيء آخر أقل إثارة للاهتمام من قبيل توضيح السبب في أنه لا غضاضة في ضرب الرجال لزوجاتهم. وبوسع الروائيين طبعا أن يفعلوا مثل ذلك، وتولستوي فعلها في "سوناتا كرويتزر". ولو تصادف وكان لغوي إثني حاضرا يسجّل له فسوف يحفظ  زلة الراوي. ولكن المنظِّر الذي يحتفي بهذه الزلة بوصفها مبدأ راسخا هو الذي يعظِّم من الخطـأ.
الطبيعة هي موضوع الأسطورة، أو العالمُ، أو الواقعُ. وبناء على ذلك هي الموضوع الذي يتمركز من حوله الأدب الأسطوري، سواء عند الهايدا أو عند النفاجو. هل (ط = كXس²) إسقاط لمخاوف البشر على العالم الجامد أو الذي لا يمكن التعبير عنه؟ لو الأمر كذلك أخمن أن تكون قصيدة سكاي عن "الغراب" إسقاطا هي الأخرى. لكنني أعتقد أن قصيدة سكاي ـ شأن هذه المعادلة ـ تعبر عن إعجاب إنسان بالعالم واهتمامه به، ومحاولة لقول الصدق عن هذا العالم، لا رغبة في إدخال العالم تحت مظلة بشرية.

ـ كيف تقارن تراث الهايدا بعالم الأدب الشفاهي الأكبر؟ هل ثمة سمات حاضرة في جميع الموروثات الشفاهية. هل هناك أي مدونات أساسية علاوة على ما دونه سوانتن يمكن أن يدرسها طلاب الأدب الشفاهي؟ هل لا يزال الأدب الشفاهي ممكنا الآن وفي المستقبل؟
ـ هذه جميعا أسئلة جيدة، والإجابة الوافية عليها تقتضي كتابا محترما، حتى لو غضضنا البصر عن أوربا وآسيا وأفريقيا وأوشانيا Oceania  وقصرنا كلامنا على آداب أمريكا الأصلية الشفاهية.
هايدا واحد من نحو خمسة عشر أو عشرين أدبا شفاهيا محظوظا في أمريكا الشمالية، واحد من الآداب التي تهيأ لعالم لغويات إثنية من الطراز الأول أن يلتقي ببعض شعرائه الشفاهيين من الطراز الأول قبل أن يفوت الأوان ويستحيل الاستماع إلى هذا التراث. ومثل هذا حدث مع كري Cree وتشيبويان Chipewyan وإياك Eyak  في الشمال، وهوبا وكاتو ومايدو في كاليفورنيا، وزوني وكاوايكو ونفاجو في الجنوب الغربي، وباوني في الغرب الأوسط، وكثلاميت وكواكوالا وتلينجيت هنا في الساحل الشمالي الغربي. هذه الموروثات شديدة الاختلاف بعضها عن بعض، ولكن، نعم، هناك مشتركات بينها. ثيمات شائعة، اهتمام مشترك وولع واحد بالعلاقات الأساسية بين البشر وغير البشر، وبعض المبادئ المشتركة والمذهلة المتعلقة بالبنية الأدبية.
هل لا يزال يمكن أن يحدث؟ أكيد، لكن الأمر يزداد ندرة. ومن المؤكد أن يصبح أندر وأندر في القريب القادم. من أعظم قامات الأدب في شمال أثاباسكان، أعني "كاثرين أتلا" الراوية من كوايوكون، ماتت في 2012. وكان لها آلاف من المعجبين ولكن لم يكن لها وريث.
غير أن هناك، على المدى الأبعد، قوى تصب في صالح الأب الشفاهي. الرأسمالية الصناعية تبدو كل يوم أكثر شبها بـ أوزايماندياس إذ يدنو من مملكته المتغطرسة. وفيما تتهاوى أنظمة التكنولوجيا العليا، سوف تعيد أنظمة التكنولجيا الدنيا بناء أنفسها. ولو أنه مقدر لسلالتنا البقاء، فسيبقى أدبنا. ما قد يزول هو السجل المكتوب.

ـعاش مجتمع الهايدا، شأن كل مجتمع إنساني تقريبا، في عالم عنيف، وقصائدهم تتكلم عن الخطف،  والإغارة، والنفي، والقتل، واغتيال الآباء، ناهيك عن الصيد والعصف والضواري الجياع. هل للعنف وظيفة سردية أو شعائرية؟ هل من فارق بين عنف الطبيعة وعنف الناس؟
ـ رؤيتي الشخصية هي أن العنف جزء من أدب الهايدا الكلاسيكي، ومن أي ميثولوجيا في أي مكان، بحسب معلوماتي، وذلك لأنه جزء من الحياة نفسها. في عالم مطعم الهمبرجر والسوبر ماركت، أو مقهى النباتيين ومعتزل التأمل، ربما يكون بوسعك أن تقول لنفسك إن اللاعنف ممكن. أما في مجتمع الصيد والقنص والتقاط الثمار، فالعنف صعب الإخفاء.
وعلى المرء إن كان مخلصا أن يحاول منطقة الأمر، وأن يعوِّض نفسه كلما لزم التعويض، وأن يبقي العنف في الحدود المقبولة. ولو أنني مصيب في هذا، فلعل وظيفة العنف الأولى في آداب آميركا الأصلية هي ببساطة الاعتراف بأن العنف بديهي في العالم وفي علاقاتنا مع العالم، شأن الجاذبية ونور الشمس.

ـ ماذا عن عنف الاستعمار والمرض الذي رآه الشاعران سكاي وجاندل رأي العين؟
ـ لم يحدث أن رأى مجتمع من مجتمعات أمريكا الشمالية في مرحلة ما قبل الاستعمار قدرة على نشر العنف كالتي يمتلكها العالم الصناعي الحديث. ولكن وصل الأوربيون، فتغير ذلك كله مرة وإلى الأبد.
وسواء عمد الأوربيون إلى ذلك أم لم يعمدوا، كان دخول الأمراض الأوربية بمثابة حرب بيولوجية شديدة الفعالية. ملايين، ولست أبالغ، ملايين من أبناء أمريكا الأصليين ماتوا بهذه الأمراض المستوردة. والسبب كان غامضا، إذ لم يحدث اتصال مباشر مع الأوربيين، ولا تبادل للبضائع. مجتمعات كاملة بلغاتها أزيلت عن وجه الأرض، وأخرى تقلصت إلى جماعات شريدة ضالة من اللاجئين. ثم جاءت البنادق والخيول إلى قوم لم يعرفوا بهما من قبل. اختفت الحدود القديمة بين الأقاليم. تهدمت الحدائق وأماكن الصيد. وأنواع من الطعام لم يبد أن تبيد يوما بادت. ومجتمعات طالما تعايشت، في سلام أغلب الأوقات، على مدار قرون، سيقت إلى التصارع، وعلى رأس الصراعات جميعا الصراع مع المستعمرين، والشركات التجارية، وبناة السكك الحديدية، وجيش الولايات المتحدة.
وامتلأت أمريكا الشمالية بالجثث، والناجين الجرحى، والأطفال الذين تفتت إرثهم الثقافي فليس إلى إصلاحه سبيل. ولعل هذا لا يكون مختلفا اختلافا كبيرا عن فرنسا في حرب المائة عام، أو أوربا كلها أثناء الحربين العالميتين الأولى والثانية. لكن هذه الحرب بالذات استمرت، ماضية في طريقها البطيء عبر أمريكا الشمالية لزهاء أربعة قرون. فهل أثَّر هذا على سلوك الناس؟ هل غيَّر من شخصياتهم؟ هل أثّر على قصصهم التي يحكونها؟ وكيف كان له ألا يفعل ذلك؟
ولكن ما كان لمجتمع من مجتمعات أبناء أمريكا الشمالية الأصليين نظام للكتابة قبل اتصالهم بالأوربيين، ومن ثم فليس لدينا إلا تسجيلات لاحقة على هذا الاتصال. فبعضها كتبه الغرباء، وبعضها كتبه السكان الأصليون أنفسهم، ولكن أيا من ذلك لم يحدث إلا بعد وقت طويل من بدء التدهور. ولذلك ليس بوسع أحد أن يعقد دراسة مقارنة بين أدبي ما قبل الاتصال وما بعده. ومع ذلك تبقى أشياء بوسعنا أن نلاحظها.
سكاي على سبيل المثال رأى القرن التاسع عشر وما جاء به. عرف البنادق والذخيرة، والسكاكين الحديدية، والأواني المعدنية. عرف كذلك القوارب البخارية، والمناضد والمقاعد، والقناديل الزجاجية، والكتب المطبوعة، وكثيرا من أطعمة الأوربيين. وما كان لشيء من ذلك كله أن يظهر في دورته الأسطورية. المطواة الأوربية ـ التي كان يسميها سكاو ككووداكسونج "أي السكين التي تفتح فمها ـ تلعب دورا مهما في قصة يحكيها عن تاريخ سلالته وهو يربطها مباشرة وبوضوح بوباء الجدري. (وتاريخ السلالة أو تاريخ العائلة بالمناسبة جنس أدبي مستقل لدى الهايدا: ليس أسطورة بالضبط، وليس تاريخا بالضبط، لكن فيه سمات من كليهما).
ولكنه حينما يروي الأساطير، فمائة في المائة من خياله يكون أصليا. وليس أصليا وحسب، بل وعتيق الطراز. حينما يتكلم عن البيوت، يصف طراز بيت الهايدا الذي كان قد بطل منذ قبل أن يولد هو. وحينما يحكي صديقه كيلكسهاوجينز ـ المؤرخ الشفاهي ـ قصصا تدور في عهد الاتصال مع الأوربيين فإنه يذكر القوارب البخارية والرصاص بحرية.
رواة الأساطير من كري ونجافو يفعلون هذا بالضبط: يمنعون عن أساطيرهم، لا عن حكاياتهم التاريخية، أي تلوث أوربي. غير أن ثمة استثناء واحدا ودالا لدى النجافو، وهو أنهم يمنحون الحصان مكانا في عالمهم الأسطوري: الحصان لا السرج أو اللجام أو البندقية. وسيكون رائعا لو توغلنا قليلا إلى الأمام، لو حاولنا العثور على مستوى العنف المميت الذي تصوره دورة سكاي الأسطورية وهل هو نتيجة لضغوط استعمارية؟ ولكنني لا أرى كيف بالفعل يمكن أن يجاب هذا السؤال. سيكون لزاما عليك أن تعرف كيف كانت تروى الأساطير قبل قرنين من زمن سكاي، وهذه المعلومات ضائعة لا سبيل إليها.

ـ علاوة على ترجمة اللغة، كتبك عن الهايدا تترجم وسيطا، تقدم سجلا مكتوبا لقصائد كانت شفاهية في الأصل. ولقد كتبت أنت كثيرا، سواء في ثلاثية الهايدا أو غيرها، عن الفارق بين العقل الشفاهي والعقل الكتابي، بين رؤية العالم الزراعية ورؤيته ما قبل الزراعية. هل لك أن تتكلم قليلا عن جهودك لفهم هذه الطرائق في الوجود، أي الشفاهية، ما قبل الزراعية، وكيفية نقلها في كتب إلى من لم يعرفوا غير المجتمع الكتابي الزراعي الصناعي؟
ـ مرة أخرى، أدب أمريكا الأصلي، الذي أعني به أعمالا أصلية شفاهية بلغات أمريكا الأصلية، هو أدب لا يتناول نهائيا عالما مركزه الإنسان. إنما هو عن عالم أكبر، عالم بري، البشر فيه كائنات ثانوية. وهذا قد يكون صادما لو أن فكرتك عن الأدب تكونت أساسا من الروايات الفرنسية والإنجليزية. وحتى لدى هوميروس وسوفوكليس، حيث للآلهة قوة أكبر من قوة البشر، يلعب البشر أدوارا كبيرة.
الكتب أفضل وسيلة متاحة لدينا لحفظ الأدب. والكتب تفرحني. وأشعر بالشرف لوجودها على الرفوف، وبالشرف لكتابتي إياها، أو تحريري لها، أو تصميمها، أو تصنيفها. الكتب بيوت شيء آخر، شيء ليس إياي. وكذلك هو الأدب أيضا، شفاهيا كان أم مكتوبا. مؤكد أن هناك هوة بين الشفاهي والمكتوب، لكن هناك هوة بين المكتوب وكل شيء. هناك هوة بين الملفوظ والواقعي، ونحن نعبر هذه الهوة كل يوم. ومهما يكن الاختلاف بين ثقافتين شفاهية وكتابية، يبقى المشترك بينهما كثيرا.
تتبع أي أدب مكتوب إلى أصوله وستجد نفسك أمام عالم شفاهي. ووضع الأدب الشفاهي في كتب مطبوعة أمر شائع بالفعل، لأننا لا نكف عن الرجوع إلى تلك الأسس الأولى مثل بيوولف والإلياذة والأوديسة والقابالاه والنايبلونجنليد Nibelungenlied ... فلا أحد يهرب من الشفاهي بتعلمه القراءة.
ولكن كثيرين حاولوا الفرار من البري بإقامتهم المزارع، وبالانتقال إلى المدن، وبالعثور على وظائف، وبحصولهم على تموينهم من مراكز تجارية مكيفة الهواء آلية التدفئة. سلالتنا إجمالا تحاول الفرار من البري، ومن الواقعي، بفرضها سيطرة صناعية على الكوكب. والعمل الأدبي الذي يسألك التخلي عن هذه السيطرة، بل وربما الرغبة نفسها في السيطرة، هو عمل مقدر له أن يكون تحديا بالنسبة لأغلب القراء.

ـ أدب الهايدا إذن، بحسب ما تقول، يعطينا رؤية للعالم أكبر بكثير من الفرد، وأكبر في واقع الأمر من السلاسة الإنسانية كلها. ولكن من الحجج الأساسية في ثلاثيتك عن الهايدا أن ينبغي التفكير في أساطير الأمريكيين الأصليين بوصفها أعمالا فنية لفنانين أفراد يصوغون مواضيعهم على أنحاء خاصة بعبقريتهم وميولهم. ما الذي يجعل شاعرين عظيمين من شعراء الهايدا كسكاي وجاندل شاعرين مختلفين إلى هذه الدرجة؟
ـ أنا لا أكف عن مطالبة الناس بملاحظة التماثلات بين أدب الهايدا الشفاهي وتراث أسطوري عظيم آخر أكثر شهرة بكثير هو تراث الرسم في عصر النهضة.
فهل أعني حقا أن لـ بيليني وتيتيان ومانتينيا نظراء في قرية هندية من القرن التاسع عشر؟ نعم، بالطبع. تيتيان وسكاي، كمثالين لا أكثر، بينهما ثلاثة أشياء كبرى مشتركة. الأول: تراث أسطوري ثري يشاركهما فيها زملاؤهما الفنانون، ورعاتهما، وبدرجة معقولة مجتمعاهما الكبيران. ثانيا: مجموعة عالية التطور من الموارد التقنية ـ لغة راقية ـ يشاركهما فيها زملاؤهما الفنانون، ويشاركهما فيها مشاركة سلبية آخرون كثيرون في المجتمع. ثالثا: موهبة فردية هائلة، ودأب، وحظ، لا يشاركهما فيه الكثيرون.
رسام عصر النهضة يحكي قصصا، لا يخترعها. لا يخترع الصلب، أو ميلاد فينوس، أو تحول دافني إلى الغار، أو أكتيون إلى ظبي. ولكن هذا الرسام لو كان بارعا براعة مانتينيا أو تيتيان، فإنه يحكي هذه القصص مثلما لم يحكها من قبله أحد. ويحكيها أيضا بطريقة تجعل لها صدمة الواقع. يجعل الأسطورة قريبة ملموسة. فيغزل بذلك بين اللازمنية والزمنية. وهذا ما يفعله أيضا سكاي وجاندل.


نشر الحوار أصلا في جورنيكا، ونشرت الترجمة اليوم في ملحق شرفات