الثلاثاء، 28 يناير، 2014

الفن الحديث: كنت أقدر أن أفعل هذا ... وفعلته

الفن الحديث: كنت أقدر أن أفعل هذا ... وفعلته

بعد سنين من التردد على معارض التصوير الفوتغرافي والتفكير في أن بوسعه الإتيان بأفضل مما يراه، أقدم جوليان باجيني على تجربة هذه الخطوة. لكن هل يستطيع أن يقنع أكاديمية إنجلترا الملكية الغربية بعمله؟؟



جوليان باجيني

بالأمانة. لو أن قولك لنفسك وأنت تتجول في معرض للفن المعاصر "كنت أقدر على مثل هذا" يعني أنك محافظ، أفلا تكون أنت محافظا؟ أنا عن نفسي محافظ. فبقدر ما نعرف أن إنتاج عمل فني جيد ليس بالسهولة البادية، نجد أننا نتعرض في بعض الأحيان لما قد يكون بالغ البساطة، بالغ التواضع، بالغ الخلو من المهارة التقنية فلا نملك إلا الظن بأنه كان بوسعنا أن ننتج مثله ما لم يكن أفضل.
الأمر الذي قد يخرجني عن المعتاد في هذا الصدد هو أنني لم أستسلم للذة هذه الأفكار، بل مضيت فحاولت أن أفعلها بنفسي. وكان الوسيط الذي لجأت إليه هو الأيسر بين جميع الوسائط: الفوتغرافيا. فأنا مصور فوتغرافي هاو منذ مراهقتي. وقد ادخرت وأنا في السادسة عشرة من عمري من راتب وظيفة صيفية في حانة للبرجر فاشتريت الكاميرا الشائعة وقتذاك للمبتدئين: وهي كاميرا براكتيكا إم تي 15 المصنوعة في ألمانيا الغربية. واشتريت مرشحات (فلاتر)، وقمت بتجميع دليل الفوتوغرافيا رباعي الأجزاء من إحدى صحف الأحد  وأستخدم فيلم الـ 35 مم الأبيض والأسود.
غير أنني لم أحول اهتمامي العرضي إلى هواية جادة، وكان أقصى ما أنجزته هو الفوز بمسابقة التصوير الفوتوغرافي التي يقيمها الفرع المحلي من دبليو إتش سميث في منطقتي. ولو أنكم سألتموني الآن عن ضبط الكاميرا، فلن تروا لدي أوهى فكرة عما تتكلمون عنه. في الأيام الحالية أستخدم إما Nikon أو Olympus PEN ، التي تستخدم العدسات المنفصلة من طراز SLR-style. ومع كلتيهما أوشك ألا أستخدم إلا الضبط الآلي للكاميرا.
ما من شك في أن هذه الآلات الصغيرة الساحرة قادرة على التقاط صو عظيمة. ولقد استخدم بعض أفضل المصورين الفوتوغرافيين كاميرات رخيصة في التقاط صور تعد أعمالا فنية حقيقية. غير أنه من المؤكد أنك لكي تحقق هذا لا بد ان تكون ممارسا عتيدا، وتمتلك فهما عميقا للكيفية التي تعمل بها الفوتوغرافيا؟
غير أنني وقد نظرت إلى الكثير للغاية من الصور الفوتوغرافية على مدار السنين، لم أعد واثقا. قد يبدو من غير التواضع، لكنني رأيت بالفعل أن بعض الصور التي التقطتها كانت على أقل تقدير في مثل جودة الصور المعروضة على الجدران. وكذلك فكرت مرة أخرى في العام الماضي وأنا أحضر المعرض المفتوح في أكاديمية انجلترا الغربية الملكية في بريستول. ولقد جعلتني طبيعة المعرض نفسها أحاول إثبات رأيي. ففي المعرض الصيفي الذي تقيمه الأكاديمية، يكون بوسع أي شخص أن يقدم عملا في مقابل رسوم زهيدة. ولم يكن من الممكن أن أقاوم ذلك. ولم أكن بحاجة إلى الكثير من الغرور لأعتقد أن لدي فرصة. فلقد شهد الفن في القرن الماضي ثلاث نزعات فتحت الباب أمام الهواة: التكنولوجيا، والتجريد، والمفاهيمية.
فقبل كل من هذه التطورات الثلاثة، كانت جميع الفنون على وجه التقريب تستوجب مزيجا من نوعين من المقدرة، نسميهما على سبيل التبسيط بالخيال الإبداعي والمهارة التقنية. بالخيال الإبداعي يتسنى للرسام أن يتصور ما ينبغي أن يملأ به الإطار، وللمؤلف الموسيقي أن يسمع في رأسه أشياء سابقة للجلوس للتدوين، وللنحات أن يرى ما الذي يمكن أن تصير إليه كتلة الصخر. هذا الخيال لا يولِّد نسخة ذهنية من النتيجة الدقيقة منذ البداية. لكنه يوفر رؤية إرشادية للعملية الإبداعية، التي تظل في حالة تحول طول الوقت كلما انكشفت في عين العقل أو أذنه تفصيلات جديدة.
غير أن ملاحقة هذه النسخة كانت تستوجب مهارة تقنية عظيمة. فما كان لأفضل لوحات العالم أن تكون ذات نفع في ذهنك ما لم تكن لديك مهارات استخدام الريشة. والنغمة الهائمة في ذهنك ما لها أن تغادر ذهنك إلا لو أن بوسعك أن تكتب الموسيقى. وحتى لو أن بوسعك أن تتوصل إلى سلسلة النغمات الأساسية من خلال مفاتيح البيانو، فإنك لن تستطيع وحدك تطوير النغمات في رأسك لتصبح عملا موسيقيا.
غير أن هذه لم تعد مشكلة مستعصية بالنسبة لبعض الوسائط. فحينما نتكلم عن رؤية المصور الفوتوغرافي على سبيل المثال، نتكلم عن عينه، وقدرته على ملاحظة شيء فلا يكاد يلتقطه إلا ويصبح شيئا ذا قيمة جمالية. الجانب التقني في التصوير الفوتوغرافي هو ببساطة الوسيلة التي يتم بها التقاط هذه النسخة على النحو المرغوب لها أن تكونه. وهذا يقتضي التحكم في الإضاءة والبؤرة قبل أي شيء آخر. ولكن بوسعك الحصول على كثير من هذين بمجرد التوجيه والضغط، ومن ثم فبوسع كل ذي عين جيدة أن يلتقط صورا جيدة للغاية.
الفارق الأساسي بين الهواة والمتخصصين هو أن الهواة في الغالب سيجدون أنفسهم غير قادرين على الوصول إلى درجة التحكم اللازمة لتحقيق النتيجة المرغوبة. فقد يرغبون في التقاط مجموعة حجارة معينة في سقف كاتدرائية على سبيل المثال، ولكن بدون حامل ثلاثي وتحكم في سرعة التعرض للضوء ستكون النتيجة النهائية مجزَّعة سقيمة الألوان.
لكن هذه الحدود تفضي إلى مستويات أقل من النجاح لا إلى الفشل الحتمي. ففي إضاءة جيدة ودون تحديات البؤرة، يكفي أن تحدد الإطار وتترك لرقائق الكاميرا المهمة الصعبة، أي مهمة التأكد من أن سرعة التعرض للضوء صحيحة.
ثمة تغير مماثل شهدته الموسيقى. فبوسع أي امرئ اليوم عنده كمبيوتر على مكتبه أن يأخذ نغمة في رأسه ليطورها إلى آخر ما يصل إليه صبره. إذ من الممكن الآن أن تكتب لأوركسترا كامل وإن كنت لا تعزف أيا من آلاته.
لا ينبغي أن يدهشنا أن تكون التكنولجيا قادرة أن تستولي على عمل التكنيك، فكلتا الكلمتين تشتركان في الجذر اللغوي اليوناني ـ وهو تكني techne ـ  وبوسع كليهما أن يكونا طريقين إلى نفس المنتج النهائي. غير إن إحلال أحدهما في موضع الآخر يبدو أقرب إلى العدوان، وكأنه ليس من المقبول أخلاقيا أن ينتج هاو غير دارس شيئا ينافس فنانا جادا قضى عقودا من حياته في التدريب والتعلم. ولكن حتى لو نحينا التكنولوجيا جانبا، تبقى ثمة أسباب أخرى للاعتقاد بأن المقدرة التقنية ليست دائما وبالضرورة مفتاح الامتياز الفني. كثير من الموسيقيين والمؤلفين الموسيقيين ينتجون أفضل أعمالهم وهم شباب. ومع تقدمهم في العمر، يكتسبون معرفة وخبرة أكثر بالكيفية التي تنجح بها الموسيقى، ولكن قدرتهم تقل على جعلها تنجح معهم. فالفارق بين الشيء المقبول، والشيء الجيد، لا يتم عبوره دائما بالمزيد من المعرفة بالوسيط وكيفية عمله.
ولا المقدرة التقنية تستوجب دائما المهارة التخصصية. وحتى ظهور برامج الكتابة الإبداعية، لم يتحتم على كاتب كبير أن يتدرب لدى كاتب آخر لينتج روائعه. الممارسة مهمة طبعا، ولكن بعض الأرواح الموهوبة بصورة مقرفة ينتجون في صغرهم ومسوداتهم الأولى نثرا يفوق في براعته ما لا يتسنى للكتاب المتمرسين إنتاجه إلا في الثلاثينيات من أعمارهم.
غير أن التكنولوجيا ليست السبب الوحيد في أن الفنانين الهواة يستطيعون في بعض الأحيان منافسة المتمرسين المتخصصين. ففي الفن البصري، يعني صعود التجريد أننا الآن نتذوق القيمة الجمالية لما يكون ـ بالتعبير الرسمي ـ ترتيبات شديدة البساطة للشكل واللون والنسيج. وبوسع شخص ذي عين جيدة أن يأتي بتجريد من هذا النوع فلا يحتاج إلا لقليل من المهارة لتنفيذه. التطور المحوري الآخر هو الفن المفاهيمي، حيث الفكرة أهم بكثير من أية صنعة. ولم يكن آندي وورهول بحاجة إلى أكثر من الإلهام: ثم يترك مهمة تنفيذه للآخرين، الذين لم يكن بينهم من يزيد على مجرد كفء. وأي واحد فينا يمكن أن يأتي بفكرة مساوية في القوة يمكن إنتاجها بدون الحاجة إلى سنوات من الممارسة.
صحيح إذن، فيما يتعلق بكثير من القوالب الفنية، أن "أي شخص يقدر أن يفعل ذلك"، بمعنى أن لدى أي شخص ما يلزم لتنفيذ الفكرة من تكنولوجيا أو تكنيك. ولقد بات بوسع المزيد والمزيد من الناس، وهم في الغالب من غير المدربين، أن يعبروا عن خيالهم الإبداعي فيما أصبح القيام بذلك أقل فأقل اعتمادا على الخبرة التقنية. غير أنه ليس بوسع أي شخص أن يمتلك الأفكار أو الأذن أو العين بما يمكنه من الإتيان بما هو جدير بالتحول إلى حقيقة. فذلك الجوهر الإبداعي يبقى مراوغا، لا تطاله أيدي أغلبنا أغلب الوقت. ومن ثم يبقى خير رد على "كنت أقدر أن أفعل مثل ذلك" هو "ولكنك لم تفعله". فلم يأت أحد قبل مودريان بخطوطه الهندسية وكتله اللونية، لا لافتقارهم إلى المهارة بل لافتقارهم إلى الرؤية. وإذن التكنولوجيا ونزعات الفن لم تجعل الفن الجيد أكثر ديمقراطية، بل إن غاية ما فعلته هو أنها فتحت نادي النخبة لعضويات جديدة.
في ضوء ذلك كله لا ينبغي أن يكون مستبعدا لشخص مثلي أن يحظى عمل له بالقبول في معرض فني إقليمي كبير. ومن ثم فقد تقدمت بثلاثة من صوري إلى المعرض ال161 المفتوح الذي تقيمه أكاديمية انجلترا الغربية الملكية، متنافسا مع قرابة ألفي شخص. وقبلت جميع أعمالي.
وذلك معناه تأطيرها وطباعتها للتحكيم النهائي. ومعناه أيضا تسعير الأعمال، لأن كل ما في المعرض المفتوح يكون معروضا للبيع. وقد قررت إصدار طبعة محدودة من خمس وعشرين نسخة من كل عمل، على أن يكون سعر النسخة غير المؤطرة 250 جنيها استرلينيا. وليس ذلك لأنني ظننت أنها تستحق هذا السعر بل لشكي في أن التسعير ـ فيما يتعلق بالفن ـ يؤثر على أحكام الناس على الجدارة. كأن الناس لا يملكون إلا التفكير بأن عملا يباع بخمسين جنيها لا يمكن أن يكون جيدا، أما إن وصل إلى عشرة آلاف، فلا بد أن فيه شيئا. وهكذا، لم أكن أرى في التقدم بعملي للمعرض أي محاولة للتزوير، في حين أن التسعير كان نصبا صريحا.
وجاء يوم النتيجة، وابتهجت أيما ابتهاج لما وجدت الصورة التي رأيت أنها الأفضل هي التي وقع عليها الاختيار. ولكن كان ثمة غصة في الحلق. فهناك دائما حفنة من الأعمال الخمسمائة التي يقع عليها الاختيار هي التي لا يتم تعليقها، ومن هذه الحفنة غير المعلقة صورتي. والآن وإن أمكنني أن أقول إن معرض أكاديمية انجلترا الغربية الملكية قد قبل عملي، إلا أنه ليس بوسعكم أن تشاهدوه هناك ولا أن تروه في الكتالوج المصاحب. وذلك على الأقل أوحى لي بعنوان للعمل الذي تم تقديمه "بدون عنوان". فاعتبارا من الآن سوف يكون هذا العمل معروفا برأي الأكاديمية فيه "ما تم اختياره، ولم يتم تعليقه".

نشرت أصلا في الإندبندنت مؤخرا ونشرت الترجمة اليوم في شرفات