الخميس، 30 يناير، 2014

الحرب العالمية القادمة .. هل تبدأ من الشرق الأوسط؟

الحرب العالمية القادمة .. هل تبدأ من الشرق الأوسط؟

حوار: إيزاك تشوتينر

تحل علينا عما قريب مئوية الحرب العالمية الأولى، مسبوقة بطوفان من الكتب، والمقالات، والذكريات، والتعليقات. ولم يزل النزاع قائما حول منشأ واحدة من أشد كوارث الإنسانية هولا. هل كان العدوان الألماني هو سبب الحرب، أم ترى ينبغي أن يتناثر اللوم على نطاق أوسع؟

لريتشارد إيفانز، أستاذ التاريخ بجامعة كمبردج، مؤلفات كثيرة حول أوربا (من ضمنها ثلاثية عن الرايخ الثالث)، وهو واحد من كبار المثقفين المرموقين في المملكة المتحدة. في الأيام الأخيرة تصدر عنوان مقالة له غلاف "نيو ستيتسمان". في ذلك المقال ألقى إيفانز نظرة على الحرب، مقارنا 1914 بـ 2014. تكلمنا عبر الهاتف عن السبب في تلك الكارثة، وعن أفضل الكتب التي قرأها في الموضوع، وعما إذا كانت شرارة الحرب العالمية القادمة ستنطلق من الشرق الأوسط.
***
ـ ما الفارق الأساسي بين 1914 و2014؟ وهل أنت قلق من اقتراب نشوب أي صراع كبير آخر؟
ـ أعتقد أننا ينبغي أن ندرك أن الاضطراب والعنف في دول البلقان سنة 1914 هو الذي كان شرارة الحرب. لم يكن مبررا استغله الألمان أو غيرهم. كانت المنطقة فعلا خارجة عن السيطرة. وأعتقد أن التوازي هنا واضح مع منطقة الشرق الأوسط اليوم، حيث لدينا مرة أخرى حفنة من الدول الصغيرة، كثيفة التسلح، الحافلة بالاختلافات الدينية، والاختلافات السياسية، والاضطرابات. والوضع بالغ الصعوبة لا تقوى الدول الكبرى على السيطرة عليه.

ـ تقول إنه لم يكن مجرد مبرر لبدء الحرب، لكن ألا تعتقد أن أحداثا أخرى، من قبيل أزمة مراكش سنة 1911، كان يمكن أن تكون الشرارة التي تبدأ بها الحرب؟
ـ حسن، أزمة مراكش سويت، والشرق الأوسط كان إلى حد كبير قد استقر بحلول عام 1914، وسباق التسلح البحري كان قد انتهى بانتصار بريطانيا واعتراف الجميع بذلك، بمن فيهم الألمان. لذلك أعتقد فعلا أن المسألة كانت في البلقان.
كان العالم في نهاية القرن التاسع عشر عالما عديد الأقطاب، ثم أصبح بحلول ذلك الوقت ذا قطبين، منقسما بين معسكرين كليهما في أوربا نفسها. وهذا انعكاس مرآوي للحرب الباردة، لكن الحرب الباردة انتهت، وعندنا الآن من جديد عالم عديد الأقطاب كالذي كان قائما في ثمانينيات القرن التاسع عشر وتسعينياته. وأيضا، لدينا اليوم مؤسسات للأمن الجماعي كالتي كانت قائمة وقتها، قد لا تكون الأمم المتحدة بالفعالية المطلوبة لكنها أحسن من العدم.
أعتقد  أن الاختلاف الرئيسي الآن هو أن في ماضينا حربين عالميتين، وأننا في العصر النووي. أما دول عام 1914، وأغلب الشعوب في أغلب الدول، فكان لديها ما نراه الآن موقفا من الحرب يتسم بانعدام المسئولية. فخاضوها بصدورهم المفتوحة. أما نحن الآن فأعتقد أن خوفنا من أي حرب كبيرة يفوق خوفهم، كذلك نحن نفوقهم حذرا. أعتقد أن موقف السياسيين اليوم مختلف تمام الاختلاف عما كان عليه الحال في عام 1914.

ـ ثمة جدال بحثي محتدم حول الدرجة التي ينبغي إلقاء اللوم بها على الألمان في الحرب العالمية الأولى. وهو جدل مستمر منذ عقود،  رجوعا إلى المؤرخ "فريتز فيشر" الذي ألقى اللوم بصفة جوهرية سنة 1916 على الألمان.
ـ الجدل في واقع الأمر قائم منذ الحرب ذاتها.

ـ صحيح طبعا. كيف ترى الحالة التي بلغها الجدال الآن؟
ـ أعتقد أن حالة الجدال، بشكل مثير للاهتمام، تختلف باختلاف الدول. أعتقد أن ثمة ممانعة هائلة في بريطانيا، لا سيما في أوساط المؤرخين العسكريين، للقبول بأن المسئولية تتوزع باتساع على امبراطورية النمسا المجرية، وصربيا، وبريطانيا، وفرنسا، وروسيا، وألمانيا. أما في ألمانيا فكتاب "كرشتوفر كلارك" هو رقم واحد في قوائم المبيعات، بيعت منه نسخ كثيرة وحقق نجاحا هائلا وجعل من مؤلفه نجما فضائيا. وهو يذهب إلى القول بتوزع المسئولية.

ـ وأين موقعك أنت في هذا الطيف؟
ـ حسن، أعتقد أنني أميل إلى رؤية كرشتوفر كلارك. أعتقد أن علينا أن نبدأ منذ انكسار "اتفاق أوروبا"[i] في القرن التاسع عشر، وانتهاء العالم عديد الأقطاب، وانشقاق أوربا إلى معسكرين مسلحين بحلول عام 1906. ذلك ما جعل خطر تحول حرب صغيرة إلى أخرى كبيرة قائما أكثر مما كان من قبل. كانت هناك أيضا رغبة الفرنسيين في الثأر للألزاس واللورين، وتحول روسيا عن الشرق الأقصى بعد هزيمتها من اليابان سنة 1905 ونظرها إلى أوربا بسياسة أخرى قائمة على الاقتراب. كانت امبراطورية النمسا المجرية بالقطع مصابة بالبارانويا من الصرب، لوجود الكثير من الصرب داخل حدودها، وكانت تصر على تحري الشدة في التعامل معهم، وصربيا كانت تريد أن تتوسع في البلقان. كانت ألمانيا تخاف أن تبلغ من الضعف مبلغا كبيرا لو أمكن لروسيا أن تهزم النمسا المجرية. ومن ثم فقد كان ثمة الكثير من الخوف والرغبة الأكيدة في خوض الحرب. بريطانيا كانت في غاية الارتباك والحكومة كانت منقسمة انقساما عميقا. فوزير الخارجية إدوارد جري، مثلا، كان مترددا بين هذا الطريق وذاك. لكنه سلك في النهاية المسار المناهض للألمان. وأعتقد أن رأيه تأثر بسباق التسلح البحري الذي كان قد توقف لكنه أثار لديه الارتياب الشديد من ألمانيا.

ـ يبدو وكأنك تعتقد أن المسئولية ينبغي أن تتوزع، لكن دعني أسألك عن سطر في مقالتك. تقول إنه "برغم جميع محاولات الماركسيين المعقدة لإثبات أن القوى الدافعة إلى الحرب العالمية الأولى كانت اقتصادية، إلا أن منطق الرأسمالية يناقض الحرب لا يناصرها". لقد كان التفسير اللينيني للحرب هو أنها بالأساس حرب غبية حول الإمبريالية. أعرف أن هذا ـ في مستوى ما ـ كلام تبسيطي للغاية، لكن يبدو لي أيضا أن الحرب كانت بشكل أساسي حربا إمبريالية، فلو لم تكن تلك الدول مهتمة بممتلكات ما وراء البحار، لما وقعت من الأصل.
ـ صحيح، أعني أن هذه ليست حروبا بين دول منفردة بل بين إمبراطوريات. الإمبراطورية البريطانية، والإمبراطورية الفرنسية، والإمبراطورية الألمانية، ثم الإمبراطورية الروسية والإمبراطورية النمساوية المجرية اللتين لم تكن لهما ممتلكات فيما وراء البحار، لكن كان داخل حدودهما الكثير من الجنسيات. ومع ذلك، أنا لا أعتقد أن التفسير الاقتصادي صالح على الإطلاق. فقرابة كل جزء من الكوكب كان في طريقه إلى الاستعمار والإلحاق بالقوى الأوربية، كان مستعمرا ملحقا بها من الأساس. كانت هناك مناطق من الصعب للغاية إلحاقها كالصين على سبيل المثال، نظرا لقوة المقاومة هناك في المقام الأول، وأماكن قليلة مثل إثيوبيا التي ثبت أنغزوها أمر في غاية المشقة.

ـ لكنك لو عرَّفت الإمبريالية بأنها أكثر من الاقتصاد ...
ـ بالضبط. إنها أيديولوجيا. إنها أيديولوجيا القوة. ومهما تكن دقيقة تلك الحجج التي احتج بها لينين أو روزا لوكسمبرج بقولهما إن العوامل الاقتصادية كالدافع إلى الربح أو الحاجة إلى تصدير رأس المال الفائض كانت حاسمة، إلا أنها ببساطة لا تصلح. فالمستعمرات كبَّدت القوى الأوربية أموالا، ولم تجلب أموالا، لم تكن لها وظيفة ملموسة في الاقتصاد الرأسمالي، وكان هناك الكثير من الروابط المالية والتجارية الوثيقة بين القوى الأوربية المتنافسة في عام 1914.

ـ الحرب العالمية الأولى دائما ما تثير اهتمامي لأنها ـ وصحِّح لي لو كنت مخطئا ـ لأنها تبدو حادثة اتخذت أبشع المسارات الخاطئة التي كان يمكن أن تتخذها. الحرب نفسها كانت بشعة، والطريقة التي فاز بها الحلفاء كانت بشعة، فما انتهت إليه هو الستالينية والنازية. ما الأسوأ الذي كان يمكن أن يحصل؟ أعطنا وقائع مضادة.
ـ حسن، بالمصادفة، يصدر في الولايات المتحدة في الرابع من فبراير كتابي المحتوي على الوقائع المضادة. عنوانه "مواضٍ مبدَّلة: وقائع مضادة في التاريخ Altered Pasts: Counterfactuals in History" وهو صادر عن مطبعة جامعة برانديز.

ـ سنضع له رابطا
ـ تعد الحرب العالمية الأولى بالطبع، وبصفة عامة، الكارثة ذات التأثير الأقوى على أوروبا القرن العشرين، وعلى عالم القرن العشرين. ولكنني لا أعتقد أن بوسع المؤرخين أن يقولوا ما الذي كان يمكن أن يحدث لو اجتنبت تلك الحرب، فذلك يقضي تماما على الاحتمال. لو نظرت إلى الحجج المتعلقة بما كان يمكن أن يحدث لو لم تكن هناك حرب عالمية أولى، أو إذا لم تدخل بريطانيا الحرب العالمية الأولى، لا تجد أنك ببساطة قادرا أن تقول إنه ما كانت لتقع الهولوكوست، أو ما كانت لنشب حرب عالمية ثانية، لأنك لا تستطيع أن تعتمد على أحداث صدفوية في التاريخ البديل الذي تقيمه.

اللورد كتشنر على عملة بريطانية تذكارية مكتوب عليها عبارة "بلدكم بحاجة إليكم".

ـ كان هناك دفع في المملكة المتحدة إلى زيادة الاحتفالات قليلا بالحرب. اللورد كتشنر، وهو الإمبريالي الشهير وأحد أنصار الحرب، موجود على فئة نقدية جديدة، صحيح؟
ـ إنها عملة تذكارية بقيمة جنيهين استرلينيين. وأنا وغيري نقول إنه كان ينبغي أن تكون على تلك العملة الممرضة إديث كافيل وليس اللورد كتشنر. فقد كانت ممرضة بريطانية أعدمها الألمان لمساعدتها جنودا بريطانيين جرحى على الهرب والرجوع إلى الجبهة. لكنها كانت تمرِّض الألمان والبريطانيين في المستشفى، ومرضتهم في بلجيكا. كانت ترى أن واجبها هو مراعاة المرضى مهما يكونون. وأشهر ما بقي منها قولها إن "البطولة وحدها لا تكفي". وهذه هي الروح التي أرى أننا يجب أن نسوّدها، وليست الروح العسكرية التي يمثلها شخص مثل كتشنر.

ـ ثار جدل أيضا بينك ومايكل دوف وزير التعليم حول ما إذا كانت الحرب العالمية الأولى حربا ينبغي للبريطانيين أن يفخروا بها.
ـ هناك من يعتقدون أنها كانت بالأساس حربا بين بريطانيا وألمانيا، وأن ألمانيا كانت دكتاتورية شريرة يديرها قيصر.  الذين يرون هتلر بوصفه قيصرا، ويرون الرايخ الثالث بوصفه الرايخ القيصري، هؤلاء الناس يرون أن بريطانيا ينبغي أن تحتفي بالحرب بوصفها انتصارا رائعا للقيم البريطانية.

تمثال الممرضة إديث كافيل
ـ جروف من المحافظين لكن اشتهر عن "آيه جيه بي تايلور" قوله شيئا مماثلا، برغم أنه كان مؤرخا يساريا. ألم يذهب في جوهر كلامه إلى أن بوسع المرء أن ينظر إلى هتلر بوصفه زعيما ألمانيا تقليديا؟
ـ قال ذلك، لكنه قال أيضا إن الحرب العالمية الأولى لم تكن مسئولية أحد، قال إنها حرب ذات جدول، جدول كجداول القطارات، ما كادت القوى تبدأ في التحرك، حتى لم يعد من الممكن إيقافها.

ـ صحيح، أنها كانت تقريبا حادثة...
ـ صحيح، ولكن، ليس الأمر أمر يسار في مقابل يمين. فقد أوضحت في مقالة كتبتها للجارديان أن نيل فيرجسن ـ الذي يصف نفسه باليميني ـ هو الذي قال إن بريطانيا ما كان ينبغي لها أن تدخل الحرب العالمية الأولى. أما عن مايكل جروف، فالأمر يرجع إلى العام الماضي حينما كنت من أبرز المنتقدين لمسودة منهج في التاريخ كان يعدها للتلاميذ، مما أرغمه على الانسحاب، ولا أعتقد أنه سامحني على ذلك. بوسعنا طبعا أن نحيي شجاعة الجنود الذين قاتلوا بينما ننتقد الرؤية القائلة بأنهم كانوا يقاتلون من أجل الديمقراطية البريطانية والقيم اللبرالية وما شاكل ذلك: لقد كان أكثر ما يفكرون فيه هو أنهم إنما يحاربون من أجل الإمبراطورية.

ـ هناك طن من الكتب صدر العام الماضي في منشأ الحرب، ولسوف يكون هناك المزيد. ما الأفضل بينها؟
ـ لا زلت أعتقد أن كتاب كرشتوفر كلارك هو الذي يكسب في مسألة منشأ الحرب، ولو أنني أعتقد أن مارجرت ماكميلان تقترب منه كثيرا ـ وتتفوق عليه في الأصول البعيدة، أما هو فبحثه أوسع وأعمق في الأصول القريبة الفورية. ولا أعتقد أن لدينا إلى الآن كتابا جيدا جدا عن الحرب نفسها.

ـ وإجمالا، ما أعظم كتاب عن الحرب؟
ـ كتاب روبرت جريف "وداعا لكل ذلك". هذا أفضل كتاب قرأته.

ـ مثير أن تقول ذلك لأنني انتهت للتو من قراءة "الحرب العظيمة والمال الحديث" لبول فوسيل، والذي يتكلم كثيرا عن فوسيل. كتاب فوسيل مدهش وجميل.
ـ وهذا أيضا كتاب ممتاز. ولكن هذه بالطبع ليست كتب التاريخ الأكاديمية المعتادة.

ـ فما الأفضل في التاريخ المعتاد؟
ـ كتاب ديفيد ستيفنسن وعنوانه "1914 ـ 1918" هو الأفضل.


*نشر المقال أصلا في نيو ريببليك ونشرت الترجمة اليوم في جريدة عمان




[i]  اتفاق أوروبا  Concert of Europe، ويعرف أيضا بـ "نظام فيينا للعلاقات الدولية"، ويعرف كذلك بنظام المؤتمر Congress System  نسبة إلى مؤتمر فيينا، هو توازن القوى الذي كان قائما في أوربا منذ نهاية الحروب النابليونية (1815) وحتى اندلاع الخرب العالمية الأولى (1914) ـ ويكبديا