السبت، 28 ديسمبر 2013

الصحفي الإسرائيلي آري شافيت: نتانياهو ليس الخطيئة بل العقاب


الصحفي الإسرائيلي آري شافيت:
نتانياهو ليس الخطيئة بل العقاب




حوار: سوزي لينفيلد

يأتي كتاب آري شافيت الجديد الصادر بعنوان "أرض ميعادي: انتصار إسرائيل ومأساتها" بمثابة احتفاء، ورثاء، وتحذير. في الكتاب الذي صار من أكثر الكتب رواجا ولم يمض على نشره إلا أسابيع قليلة، ويبحث فيه شافيت ـ دونما إنكار أو تشوش، ما يسميه "المأساة المحتومة" الكائنة في قلب الصهيونية: حركة الأيتام التي خلقت أيتاما، حركة المنبوذين التي خلقت منبوذين، الحركة التي سعت إلى الخلاص من العنف لكنها أعملت العنف في الآخرين. (وإسرائيل بهذا المعنى متفردة، وغير متفردة). في فصل من الكتاب عنوانه "اللُدّ، 1948" (نشر في ذي نيويوركر مؤخرا) يكتب شافيت عن قيام الجيش الإسرائيلي بتدمير قرى فلسطينية في حرب سنة 1948بين العرب وإسرائيل، وهي الحرب التي كان ينظر إليها كلا الطرفين بوصفها معركة حاسمة: إما نحن وإما هم. في بلدة اللد بالخليل اشتمل التدمير على نهب وطرد، وأبشع من كليهما أنه اشتمل على مذبحة لأكثر من ألفي مدني في مسجد. "بعد خمسة وأربعين عاما من مجيئ الصهيونية إلى وادي اللد باسم مذبحة كيشينيف، أحدثت الصهيونية في وادي اللد كارثة إنسانية محققة".
هذا، فيما يكتب شافيت، هو "صندوق [الصهيونية الـ] أسود" الذي تبددت بداخله المعايير الأخلاقية والقيم الإنسانية. ولكن هذا لا يفضي به إلى نبذ الصهيونية، أو إلى الاعتقاد بأن انتحار إسرائيل بوصفها دولة اليهود سيكون رد فعل طيبا أو أخلاقيا. فهو يكتب عن أعمال الجيش الإسرائيلي أثناء حرب [48] قائلا إن "الدولة اليهودية الموشكة على الميلاد ما كانت لتجتاز المعركة الخارجية مع قوات الدول العربية المسلحة لو لم تخلّص نفسها أولا من السكان الفلسطينيين الذين كانوا يهددونها من الداخل". ويقول إنه "بموت الصهيونية إن ماتت ... يرتد اليهود يهودا من جديد": أي بائسين، مطارَدين، بلا وطن. واللد تمثل ـ بالنسبة له ـ "عملا قذرا، وسخا يمكِّن شعبي ... من أن يعيش". في ظني أن جوهر ما يذهب إليه شافيت هو أن من الممكن ارتكاب جرائم الحرب حتى في سياق حرب عادلة. فعدالة الحرب لا تمحوها هذه الجرائم، وإجرامية الأفعال ـ بل بربريتها ـ في المقابل لا تقل بسبب عدالة القضية. (وهذا في جوهره هو الموقف الذي أعرب عنه أعضاء حزب الكونجرس الوطني الأفريقي التابع لنيلسن مانديلا في التماساتهم العفو من لجنة الحقيقة والمصالحة في جنوب أفريقيا)
ولد شافيت سنة 1957 في ريحوفوت Rehovot ، وهي منطقة علمية ساهم كثير من سكانها في صنع قنبلة إسرائيل الذرية ـ ومن بينهم والد شافيت الكيميائي بحسب ما يوحي به شافيت نفسه. خدم شافيت في الجيش ضمن سلاح المظلات، وقادته هذه الخدمة إلى مناطق السلطة الفلسطينية، فكانت خبرة قاسية حولته إلى جانب الحمائم. يكتب "رحت اسأل نفسي: ما الذي يجري بحق الجحيم؟ لماذا أدافع عن وطني بالتجبر على مدنيين مسلوبي الحقوق والحريات؟ لماذا تحتل إسرائيلي شعبا آخر وتقهره؟". بعد ذلك، درَس الفلسفة في الجامعة العبرية، وهو كاتب يعمل منذ وقت طويل في جريدة هاآرتس اليومية.
"أرض ميعادي" لا يركز على "الصراع" وحسب. فالنطاق الذي يعمل عليه شافيت عريض، يشمل بين ما يشمله، مثابرة زراع البرتقال، وبنايات الخمسينيات السكنية الممتلئة بالمهاجرين، وصنع القنبلة الذرية، وأثر الإسرائيليين على استيلاء الخمير الحمر على كمبوديا، والروح الديونيسية في مراقص تل أبيب، وقصص الرعب التي عاشها في الطفولة عدد من المثقفين والمؤرخين الإسرائيليين مثل المؤرخ "زيئيف شتيرنهل" والمحامي "آهارون باراك" والروائي "آهارون آبلفلد" وكلهم ممن نجوا من الهولوكوست.

يوجه شافيت بعض أقسى انتقاداته إلى الديناميكيات الداخلية في النظام السياسي الذي  يتهمه بالتشظي إلى "كيانات  سياسية منحرفة مختلة مرتبكة". ويكتب [عن الصهيونية] قائلا إن "الحركة التي أصابت في أغلب ما فعلت في أيامها الأولى أخطأت في أغلب الأشياء في العقود الحديثة". وفيما يرى شافيت، فإن الاحتلال المستمر للضفة الغربية ـ الذي يراه كارثة محققة ـ هو النتيجة لا السبب في ما يسميه بـ "تفكك الجمهورية الإسرائيلية" إلى قبائل عديدة متحاربة. بل إنه يذهب في حقيقة الأمر إلى أنه على الرغم من أن المجتمع الإسرائيلي اليوم أثرى مما كان عليه في أيام المساواة والتقشف الأولى، فهو أيضا أضعف، وضعفه هذا هو سر شقاء الإسرائيليين والفلسطينيين. فليس سوى الدولة القوية المتحدة ـ فيما يكتب ـ أقدر على إنهاء الاحتلال، وتلك هي الحجة المقابلة لحجة حملة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات (BDS)

في الحوار التالي، يناصر شافيت ما يصفه بالقضاء التدريجي على الاحتلال ـ وهي فكرة لا تظهر في كتابه، الذي لا يقدم فيه حلولا. والطرح الذي يقدمه جاد ولكنه إشكالي، فهو يتجاهل فيما يبدو دروس أوسلو التي أثبتت أن الحلول التدرجية ـ في الحالة الإسرائيلية الفلسطينية ـ يفسدها المتعصبون (بدعم حماسي في أغلب الحالات من المعتدلين) في كلا الجانبين، الأمر الذي ينجم عنه المزيد من تبادل فقدان الثقة واليأس والكراهية. ويجب أن نتذكر ما أعقب أوسلو ـ وهي "الطفل المكروه من كلا أبويه" على حد تعبير عاموس أوز ـ من تفجيرات انتحارية قتلت أطفالا إسرائيليين وناجين من الهولوكوست، وعقدين من الاستيطان في الضفة الغربية، ونظاما مرهقا ومذلا من نقاط التفتيش على الطرق، وظهور الإرهابيين المستوطنين settler-terrorists.
في نهاية "ارض ميعادي"، يصف شافيت إسرائيل المعاصرة باستعارة آسرة ولكنها ليست مريحة إلا بشق الأنفس "نحن مجاميع بائسة في فيلم كبير لا نفهم حبكته ولا نستطيع أن نتصورها. السيناريست أصابه الجنون. والمخرج هرب. والمنتج أفلس.  ولكنا لم نزل هنا ... والكاميرا لم تزل دائرة". شافيت على المستوى الشخصي شخص مفعم بالطاقة، دقيق، وأكثر تفاؤلا مما يوحي به كتابه. (ما لم أكن أنا التي تخلط بين الحيوية والتفاؤل). وهو يمثل وجهة نظر ـ وجهة نظر الصهيونية اليسارية ـ التي نادرا ما يعلو لها صوت في الولايات المتحدة حيث ينكر عدد ضخم من أنصار إسرائيل جرائمها مثلما ينكر عدد ضخم من خصوم إسرائيل وجودها. دار حوارنا في مطعم بالجانب الشرقي في منتصف نوفمبر، قبل يوم واحد من إطلاق "أرض ميعادي".
***
ـ كتبت كتابك بالإنجليزية. من جمهورك؟
ـ كتبته كإسرائيلي يهودي ولد في اليسار الصهيوني. شعرت أن الوقت حان لطرح أسئلة أساسية جذرية. ولكنني في وقت ميلاد الكتاب بدأت أفكر فيه أيضا بوصفه كتابا سوف ينشر في هذا البلد [الولايات المتحدة]، فكرت في الوصول به إلى الإسرائيليين التقدميين، والأمريكيين التقدميين، واليهود الأمريكيين التقدميين ـ ومحتمل أن تلك كانت مهمتي الرئيسية. أنا حريص على الحوار مع اليمين، ولكن اليمين ليس أهلي. إنما أنا أنتمي إلى قبيلة التقدميين. وأتألم منذ وقت طويل مما أرى أنه طرأ على تفكير التقدميين في الغرب بشأن إسرائيل.
أرى من المفارقة أن التفكير التقدمي ـ في إسرائيل وأمريكا وأوربا ـ فيما يتعلق بإسرائيل أصبح إلى حد ما دوجمائيا ضيق الأفق. هذا التفكير يرى بوضوح تام بعض الأشياء  من قبيل تفاهة الاحتلال وعدوانيته، وقسوة الاستيطان. وأنا متفق مع هذا كله تمام الاتفاق. ولكنني أعتقد أننا لم نعد نرى الصورة الكبرى. وأعتقد أن هذا هو سبب هزيمتنا السياسية [في اليسار الإسرائيلي]. أعتقد أن أشياء طيبة سوف تحدث في الشرق الأوسط في إسرائيل، ولليهود التقدميين الأمريكيين لو أننا عملنا معا على إنقاذ إسرائيل التقدمية التي يمكن أن تقوم قرابة بينها وبين الأمريكيين التقدميين.
لقد باعدت الأشياء الرهيبة التي يرتكبها اليمين الإسرائيلي منذ عقود بين الأمريكيين التقدميين والأوربيين التقدميين والإسرائيليين التقدميين، وكان حقا لها أن تباعد بينهم. ولكنني أعتقد أننا لا ينبغي أن نترك الحال على هذا. علينا أن نحارب اليمين، وعلينا أن نحارب القوى الصهيوينة الأشد ظلامية على أن نتذكر في الوقت نفسه أن هناك ما يستحق الاحتفاء به: أن إسرائيل في أساسها أعجوبة وأن فيها عدالة. ومسألة اختطاف اليمين لذلك مسألة لا يمكن القبول بها، لا يمكن أن يترك لهم جميع الأزرق والأبيض [لوني العلم الإسرائيلي]، بينما نصبح نحن المناهضين للأزرق والأبيض. أعتقد أنه ينبغي أن تكون ثمة في نهاية المطاف دولة يهودية ديمقراطية، وعلينا أن نحارب الانحرافات، والفظائع التي يقترفها اليمين في البلد. ولكننا لا يجب أن نتخلى عن هذا البلد.

ـ أجريت حوارا في برلين مع المؤرخ الإسرائيلي الألماني "دان داينر" في الربيع الماضي. قال إنه يعتقد أن سبب ما آل إلى المستوطنين من قوة ونفوذ ـ على كونهم أقلية صغيرة ـ هو أنهم يمثلون الرغبات اللاواعية في الرأي العام الإسرائيلي الأوسع.
ـ أرى العكس بالضبط، ولقد قلت لبعض أصحابي إن  [رئيس الوزراء بنيامين] نتانياهو لا يمثل الخطيئة بل العقوبة ـ العقوبة التي يستحقها يسار الوسط واليسار كله بلسبب الفشل في إسرائيل وفيما يتعلق بإسرائيل على مدار السنوات الثلاثين الماضية. أغلبية الإسرائيليين: ليسوا حمائم، ليسوا ليبراليين أنقياء، ليسوا مثاليين، ليسوا أخلاقيين بدرجة كبيرة. ولكنهم ليسوا المجانين، ليسوا القساة، ليسوا الشوفينيين، وليسوا المحافظين. وأعتقد أن نجاح اليمين الإسرائيلي في الجيل الأخير كان نتيجة لفشل اليسار الأيديولوجي السياسي في إعادة تجديد نفسه والتكيف مع الواقع الجديد. لا يمكن لأحد أن يجرؤ على بيع سيارة شيفروليه عمرها خمسة وعشرون عاما في هذا البلد. ولا يمكن لأحد بالمثل أن يبيع مفهوما للسلام عمره خمسة وعشرون عاما وأثبت الواقع مرات ومرات أنه مفهوم معيب. هل هذا تفكير تقدمي؟
يفترض بنا [في اليسار] أن نكون متفتحي العقول. يفترض بنا النزوع إلى الأمام. يفترض بنا تجديد أنفسنا وبث روح الشباب فيها. فما نحن بدوجمائيين. ولكن مفهوم السلام القائم فعليا هو يساري دوجمائي انقطعت كل صلة بينه وبين الواقع من أوجه عديدة. أنا أومن فعلا بهذه القيم اليسارية. أومن أننا بحاجة إلى فلسطين محبة للحياة تعيش بجانب إسرائيل يهودية ديمقراطية. هناك مأساة كامنة في تاريخ هذا البلد، والحل المنطقي الوحيد لهذه المأساة هو حل الدولتين مهما كان منقوصا. وليست لديّ أية مشكلات ـ من الناحية الأيديولوجية ـ مع الرجوع إلى حدود 1967 وتقسيم القدس وكل ذلك.
لقد كنت ضد المستوطنات منذ اللحظة الأولى، منذ أن بلغت سن الرشد السياسي. وحذرت، في عام 1983، من أننا سوف نصل إلى أربعين ألف مستوطن، فتكون تلك نهاية إسرائيل. وها نحن وقد بلغنا الآن قرابة أربعمائة ألف مستوطن. أعني أن موقفي في هذا الصدد بالغ الصلابة. ولكن مفهوم السلام المقدم للشعب الإسرائيلي منذ سنين مفهوم غير واقعي. وهذا هو السبب في ما يحققه اليمين من انتصارات، وهذه كارثة لا لزوم لها على الإطلاق.الإسرائيليون لا يريدون المستوطنات. والمستوطنون يستغلون فشل اليسار ويقيمون المستوطنات.

ـ كثيرا ما تستخدم كلمة "المأساة" في كتابك. أغلب الأمريكيين متفائلون، ليس لدينا ذلك الإحساس بالمأساة. فلنتكلم عن هذا، لأن انتقادك لحركة السلام قائم على إيمانك بأنها تنكر ما تسميه المأساة الوجودية القائمة في القلب من إسرائيل.
ـ تعالي نتكلم عن قبيلتي: اليسار الصهيوني الإسرائيلي. لأن هناك اليسار المتطرف [المناهض للصهيونية]، وهذا موضوع مختلف. اليسار الصهيوني كان مصيبا إلى أقصى حد عندما رأى خطر الاحتلال بمنتهى الوضوح. وحينما سكرت البلد بنوع من المشيحانية messianism  القومية الشوفينية، وقف اليسار الصهيوني ضد ذلك التيار وقفةً واقعية، وشجاعة.
نشطاء السلام الإسرائيليون كانوا عميانا فلم يروا الحقائق التي أدركها اليمين واليسار المتطرف: وهي أن المأساة الأساسية والجرح المؤسِّس ـ بالنسبة للفلسطينيين ـ يتمثلان في 1948 [أي في قرار تقسيم فلسطين الصادر عن الأمم المتحدة وإعلان دولة إسرائيل والحرب الأولى بين إسرائيل والعرب] وليس في 1967 [أي حرب الأيام الستة وبداية الاحتلال الإسرائيلي]. تجاهلوا حقيقة أنه على الرغم من أن الاحتلال مشكلة والمستوطنات مشكلة، إلا أنهما لا يمثلان المشكلة الجوهرية. هذا ليس تبريرا للاستيطان والاحتلال. ولكن الصراع يدور حول هولدا Hulda  [القرية الفلسطينية التي قام الجيش الإسرائيلي بغزوها وتدميرها بعد هجمة من الفلسطينيين سنة 1948] وليس حول عفرة Ofra [المستوطنة التي أقيمت فيما بعد 1967].
أنا لم أر بعد زعيما فلسطينيا شرعيا لديه نية حقيقية للتنازل عن حق العودة، أو المطالبة بحق العودة. كان هناك في حدود معلوماتي ناشط وأكاديمي فلسطيني هو سري نسيبة، وتوقف عن القول بذلك. ولا أعرف أحدا غيره على الإطلاق. وأعتقد أن التعامي عن هذا من أخطاء اليسار الإسرائيلي، واليسار الدولي. فهم لا يريدون أن يروه. أن لا أقول إن السبب في هذا هو أن الفلسطينيين مجرمون أو متطرفون، فأنا أفهم السبب الذي يجعل من الصعب للغاية على الفلسطينيين أن يقوموا بهذه المصالحة التاريخية. لكن لأن الاحتلال يقتلنا، لا أعتقد أن بوسعنا الانتظار إلى أن يعترف الفلسطينيون فعليا بدولة ديمقراطية يهودية في حدود 67. لا أرى أنهم الآن في طريقهم إلى هذا. ومن ثم فالطريق الأمثل هو العمل على إنهاء مشروع الاحتلال بحيث لا يكون جزءا من اتفاقية سلام.
جريمة الحكومات اليمينية الإسرائيلية أنها لا تطرح هذا [أي خطة السلام الحقيقية] على المائدة أصلا. وإنه لأمر أخلاقي بالنسبة لإسرائيل أن تكون مثل هذه الخطة قائمة، وأن يكون ثمة التزام بتنفيذها بمجرد أن يتغير الفلسطينيون. ولكن في المقابل، أنا لن انتظر تلك [الاتفاقية الفلسطينية] أن تتحقق. لا يمكن أن نبقى أسرى هذا لأمل.  ومن ثم فعلينا أن نعمل على منهج أحادي الجانب، بالتنسيق مع الفلسطينيين.
لا ينبغي أن نكرر غلطة غزة التي كانت أحادية الجانب بقسوة وبتبسيط: لقد خرجنا وحسب، خرجنا ونسيناهم، ولم نبال بهم، وتركناهم يتعفنون. ويصبحون حماس. وكان ذلك خطأ. لكن إذا لم يكن السلام ممكنا في اللحظة الحالية، والاحتلال خطيرا وغير أخلاقي، فلنتعامل مع الاحتلال على الرغم من عدم وجود سلام. ولنشرع في [انسحاب من مستوطنات الضفة الغربية] تدريجي وحذر. وأعتقد أن الفلسطينيين في قرارة أنفسهم سوف يحبون هذا [الخيار]، لأنه لن يرغمهم على تقديم تنازلات لا يستطيعون تقديمها.

ـ أعتقد أن أغلب من في اليسار الأمريكي ـ وربما اليسار الأجنبي أيضا ـ يعتقدون أن إنهاء الاحتلال سوف يحقق السلام بصورة أوتوماتيكية.
ـ هاتان قضيتان مختلفتان. والجمع بينهما خطأ.
الاحتلال خطأ من الناحية الأخلاقية. لا يمكن ـ وإن اعترض الناس على هذا ـ أن يكون ثمة شيئا شبيها بالمشروع الكولنيالي في نهاية القرن العشرين والآن في القرن الحادي والعشرين. هذا أخلاقيا خطأ، وسياسيا خطأ، لأنه يشوه إسرائيل تماما، بل ويضر بأمنها. هو خطأ من جميع النواحي. ومع ذلك فليس واضحا أن السلام المثالي الذي نرجوه جميعا ممكن التحقق.
هناك قضيتان هنا. لأن جرح 1948 ـ الناجم عن فقدانهم أكثر من نصف قراهم وبلداتهم ـ هو الجرح المؤسس للفلسطينيين، فأنا لا أعتقد أن بوسعهم كتابة وثيقة ينهون بها هذا الأمر [أي يعترفون بتقسيم فلسطين التاريخية وهزيمة العرب في حربي 1948 و1967]. وبدون توقيعهم على هذه الوثيقة، لا يمكننا الرجوع إلى حدود 67.
رقم اثين، وأنا فيه أكثر انتقادا للفلسطينيين وللكثيرين في العالم العربي، وهو أنني أخشى، وهذا شيء قد لا يحب القراء التقدميون أن يقرؤوه، ولكنني أحث القراء التقدميين على التفكير تفكيرا تقدميا ـ لأنني أعتقد أن ثمة مشكلة أصيلة في العالم العربي، في رفضه القبول بشرعية الدولة اليهودية أينما هي، وسأقولها بطريقة أكثرصراحة: رفضهم القبول بدولة غير عربية غير إسلامية في أي مكان يقع ما بين الدار البيضاء وقندهار.
لقد كان من أكثر الحوارات التي أجريتها في حياتي إثارة حوار أجريته منذ ثلاثة عشر عاما مع إدوار سعيد، ونشر في هاآرتس. كانت تجربة مذهلة. في نهاية الحوار قال إدوارد سعيد إنه قلق على اليهود الذي يعيشون في إسرائيل لأنهم في نهاية المطاف أقلية [في المنطقة] والشرق الأوسط شديد القسوة مع الأقليات. وأنا أدعو القراء التقدميين إلى التفكير في ذلك.
إسرائيل تدعو إلى الحيرة، لأنها تبدو جالوت، وهي في بعض الأحيان كذلك، عندما تنظر إلى دبابتها في مواجهة صبي فلسطيني. ولكن في العمق، وبعد النظر إلى الخريطة الكبيرة والصورة الكبيرة والتاريخ الكبير، تجد أننا في الحقيقة داود. نحن داود ولكن لديه أفكارا يثيرها فيه جنون العظمة فيظن نفسه ضخما. لكننا لسنا كذلك. اليهود في نهاية المطاف شعب من سلالة مهددة بالانقراض. وهذا بعد لا يمكن تجاهله.
الوضع الإسرائيلي قائم على عمودين: الاحتلال للفلسطينيين، والخوف من العالم العربي/الإسلامي. واليسار يميل إلى رؤية الاحتلال وحده، فلا يرى إلا جالوت، واليمين لا يرى غير الضحية: "أوشفيتز لم ينته قط، إنهم جميعا يريدون قتلنا". والحقيقة أن الوضع القائم  مؤلَّف من الخوف والاحتلال معا. وفشل اليسار يتمثل في أننا لا نعالج المخاوف المشروعة التي يستشعرها الكثير للغاية من الإسرائيليين ممن ليسوا بيمينيين، لكنهم خائفون. [السطر الأول في كتاب شافيت نصه: أقدم ما أتذكره على الإطلاق هو الخوف].

ـ تعتقد أن هذا النوع من التغيير التدريجي سيقنع الرأي العام الإسرائيلي بإيقاف الاستيطان؟
ـ مرة أخرى أقول إن الأمر في غاية الصعوبة. وذلك في المقام الأول  بسبب مشكلة الزعامة [الإسرائيلية] وبسبب الهروبية التي آلت إليها الحكومة الإسرائيلية. بسبب سنوات مرت علينا في هدوء، بلا عنف، فكنا ضحايا نجاحنا. فعلى الإسرائيليين أن يفيقوا. ولكن السبيل إلى إفاقتهم هو أن يثبت لهم أن المجتمع الدولي، وأمريكا في المقام الأول، على دراية بما يتكلمون عنه، بما يوشك عليه العالم. ولئن بدا المفهوم قابلا للتصديق، غير منفصل عن الواقع، فسوف يستمعون إليه، وسوف يفعلون شيئا بشأنه فيما أرجو، فلا شيء مضمون. أما في هذه اللحظة، فحين يتسم المعروض عليهم بالسذاجة والتفاهة، فإنهم يرفضونه، وننتهي إلى سيطرة المستوطنين على البلد.
الإجابة إذن إجابة غير مشيحانية. وكل من لديه فكرة تبسيطية عن الشرق الأوسط، أو عن الصراع، فهو لا يعرف الإجابة، لأن الإجابة لا يمكن أن تكون بسيطة. وكل من هو مشيحاني، بشكل يميني أو يساري، هو مخطئ كذلك. لأن طريق التقدم هو عبارة عن نهج حذر منطقي ... أمل حذر متواضع. بلا فنتازيا.

ـ العالم مليئ بعشرات الملايين ممن كانوا لاجئين، ممن شردوا من أوطانهم.  ما الذي يجعل الجرح الفلسطيني حيا هكذا، بعد أكثر من ستين عاما؟هناك طرق يمكن، وكان يمكن، أن يتم التعامل بها سياسيا مع هذا الجرح. لماذا لم يحدث ذلك في هذه الحالة؟
ـ لا توجد إجابة سهلة. شوفي، من الواضح أن أصعب فصول الكتاب هو فصل اللد. فصل الذهاب إلى أقصى حدود هويتي والنظر من هناك إلى أصعب ما قام به أهلي، والفهم التام  لما حدث للآخر بمنتهى التعاطف.

ـ وعدم إنكاره.
ـ بالضبط. ولكن هذا لا يجعل مني مناهضا للصهيونية. لا بد أن يتذكر المرء أن هناك الكثير من وديان اللد في القرن العشرين، بل لقد كان هناك ما هو أسوأ بكثير من وادي اللد. ولن نتكلم حتى عن قوى الشر. فما حدث للسكان الألمان في سوديتنلاند بتشيكوسلوفاكيا كان أسوأ من اللد بكثير. ولم يتوقفوا عنده طويلا. كان عملا غير شرعي. وما كان ليطالب بحق العودة إلا الجماعات اليمينية، النازية الجديدة. نعم، يستحق الفلسطينيون بلا شك حقوقا قومية، وحقوقا فردية، وكل شيء. ولكن أعتقد من المشروع أن نطالبهم بالنضوج. إن في ثقافتهم السياسية نزوعا إلى إدمان إحساس الضحية. وفي نهاية المطاف، ومع كل الاحترام المستحق، اليهود هم الضحايا النهائيون في القرن العشرين.
واليهود الذين قدموا إلى إسرائيل دليل مدهش على أناس لا يدمنون إحساس الضحية. إنهم يقيمون مستقبلا. لقد كان الانتقام الصهيوني اليهودي متمثلا في الإصرار على الحياة. لا على القتل، لا على الانتحار، ولا على الاستمرار في حكي حكاية [الاضطهاد والخسارة] المرة تلو المرة. أتمنى لو يتعلم الفلسطينيون من هذا الجانب في الصهيونية. فالصهيونية في هذا الصدد كانت متميزة.  كنت ترى ضحايا القرن العشرين النهائيون يقولون "فلنمض قدما". الذين خرجوا من معسكرات الاعتقال، وفي غضون عام أو اثنين تزوجوا وأنجبوا وأرسلوا أبناءهم إلى المدارس، ومن اللاشيء صنعوا شيئا. هذا ما ينبغي للفلسطينيين أن يتعلموه. واجبي الأخلاقي هو أن أعترف باللد، وواجبهم أن يتجاوزوها. بمعنى ما، أنا أديت دوري، وعليهم القيام بدورهم.



نشر  الحوار كاملا في جورنيكا الأمريكية ونشرت ترجمة هذا الجزء في جريدة عمان الجمعة 27/12/2013