الجمعة، 20 ديسمبر، 2013

الرسالة التي غيرت مسار السرد الحديث



قبل مائة عام، كتب إزرا باوند إلى الكاتب المكافح غير المنشور على نطاق واسع "جيمس جويس" يعرض عليه المساعدة، فكانت ثورة أدبية.


الرسالة التي غيرت مسار السرد الحديث

تيد جيويا

هل يمكن لمحض رسالة أن تغير مسار الأدب؟ في رأيي، هناك رسالة واحدة تبرر هذه الادعاء الجريء. هذه الرسالة عبارة عن استفسار مر على إرساله في الخامس عشر من ديسمبر الحالي مائة عام. كان إزرا باوند يبحث عن مواهب جديدة، وتوصل إلى كاتب أيرلندي مكافح يعيش في تريستي.
كان جيمس جويس ـ البالغ من العمر ثلاثين عاما ـ قد ظل على مدار عقد كامل يلقى الرفض تلو الرفض من دور النشر والمجلات، وكان قد انتهى من مجموعته القصصية "أهل دابلن" قبل ثماني سنوات من اتصال باوند به، ولكنه على الرغم من ذلك لم يكن قد عثر بعد على الناشر المستعد لإصدار الكتاب. وكلما كان يوشك أن يرى ذلك الكتاب مطبوعا، إذا بعقبات جديدة تظهر له، وإذا بمزيد من الرفض والإعراض عن أعماله، وحتى حينما كان جويس يقترح إدخال تغييرات وتعديل بعض الفقرات الخلافية لم يكن اقتراحه هذا ليمهد له الطريق.
ولم تكن توقعات جويس بنشر روايته "صورة الفنان في شبابه" إلا أقل. وفي عام 1911، احتدم إحساسه بالإحباط، فألقى بمخطوطته في المدفأة، ولولا أختا له اسمها إلين مدت يدها تنقذ المخطوطة من بين ألسنة النار لضاعت الرواية. ولم يكن جويس قد تقدم في "عوليس"، وهي الرواية التي كان يخطط لها منذ عام 1906. كان إحساسه باليأس من مقدرته على نشر أعماله، وتعرضه المستمر للضغوط المالية، يستنزفان حماسه إلى التقدم في كتابة رائعته المستقبلية.
في أواخر العشرينيات من عمره، جرّب جويس طرقا أخرى في كسب رزقه. فجرب يديه في سلسلة دور عرض سينمائي في أيرلندا، وعمل في تصدير صوف التويد الأيرلندي إلى إيطاليا. تضاءلت فرصه في التكسب من الكتابة، وأغلب دخله كان يأتي من تدريس الإنجليزية في مدارس بيرلتز. ظل جويس يعمل بلا كلل في هذه المهنة البسيطة، ولكنه ظل مع ذلك مضطرا إلى الاعتماد على دعم مالي مستمر من أخيه في دفع فواتيره الثابتة.
وفي تلك المرحلة الكئيبة تلقى جويس رسالة من شخص غريب عنه تماما.
بدأت الرسالة على النحو التالي: "سيدي العزيز. كلمني مستر ييتس مؤخرا عن كتاباتك". واقترح باوند أن يقدم جويس لمعارف مفيدين، ولأماكن يمكنه أن ينشر كتاباته فيها. واعترف باوند: "هذه أول مرة أكتب فيها إلى شخص من خارج دائرة معارفي (باستثناء الكتاب الفرنسيين)" لكنه سارع يضيف "وأنا لا أعرف فعلا إن كان يمكن أن أكون ذا نفع لك، أو ذا نفع لنفسي".
وتبين أن باوند ذو نفع لا حدود له لصديقه الجديد. فعلى مدار الشهور التالية، سوف يرتب لنشر "صورة الفنان في شبابه" مسلسلة في مجلة أدبية رائجة. كما أرسل قصص جويس إلى "ه. ل. مينكن" الصحفي والمحرر الأمريكي المؤثر. وضم قصيدة لجويس، هي قصيدته "أسمع جيشا آتيا" المكتوبة قبل عقد كامل، وشبه المنسية في ذلك الوقت، ضمن أنطولوجيا الشعر التصويري.
ولم تتوقف مساعدات باوند لجويس عند ذلك الحد. فقد راح يتكلم عن عبقرية الكاتب الأيرلندي مع كل معارفه في عالم الأدب، وبدأ يمهد ويضع الأساس لنجاح "عوليس" القادمة. ودعمًا لاكتشافه الجديد، لفت باوند نظر "هارييت ويفر" إلى أعمال جويس، فأصبحت هي السند المالي الرئيسي لجويس في السنوات اللاحقة، كما لفت إلى أعماله نظر بائعة الكتب الباريسية سلفيا بيتش التي سوف ينتهي إليها نشر "عوليس" في نهاية المطاف. وفي مواجهة كل عقبة خانقة في طريقة جويس، سواء كانت مالية أم تحريرية أم قانونية، كان الصديق الأمريكي الجديد هو الذي يبحث عن الحلول، وهو الذي في كثير من الحالات يجدها.
صحيح أن إزرا باوند واحد من أفضل شعراء جيله، ولكن أعظم سجاياه قد تتمثل في قدرته على التقاط مواهب الآخرين. فبالإضافة إلى دفعه بجيمس جويس، كان باوند أيضا مناصرا وأبا روحيا لـ تي إس إليوت (الذي قال عنه جويس لاحقا إنه نال شهرته بما استعاره من عوليس). كما قدّم باوند أيضا الدعم والتشجيع لإرنست همنجواي ـ وعرَّفه بجويس ـ وروبرت فروست، وغيرهم الكثير من الكتاب والفنانين.
ولقد كتب همنجواي يقول إن "إزرا كان أكرم من عرفت من الكتاب. فقد ساعد من الشعراء والرسامين والنحاتين وكتاب النثر  من كان يؤمن بهم، ولكنه كان يساعد أي شخص ـ آمن بموهبته أم لم يؤمن بها ـ عندما يجده في أزمة". ولم يكن باوند ، في تقدير همنجواي، يخصص لكتابته الشخصية إلا خمس وقته، مخصصا البقية من طاقته لدعم مسيرات الآخرين.
ولكنه ما كان ليسمع بجيمس جويس من الأساس لولا أن ذكره الشاعر وليم بتلر ييتس في معرض رده على سؤال من باوند حول شعراء يمكن أن يضمهم إلى الأنطولوجيا التي كان يعمل عليها في تلك الأثناء. من المؤكد أن ييتس كان يتذكر جويس من الفترة التي قضاها في أيرلندا، على الرغم من أنه ربما كان يؤثر أن ينسى تعاملاته مع ذلك المغرور حديث العهد بالوسط الأدبي. فحينما تكلم "جورج راسل" للمرة الأولى مع ييتس عن جويس، قبل سنين، وصف له ذلك الشاب بعبارة لا تنسى: "لقد عانيت منه وأحب لك أن تعاني منه". وفي لقائهما، قال جويس المجهول المغمور لييتس الشهير ذائع الشهرة: "أنت كبرت كثيرا على أن أساعدك". من المؤكد أن ييتس أعجب بموهبة جويس، ولكن ربما طيش الشاب المطلق ترك فيه أثرا أكبر.
ومضى أكثر من عقد من الزمن على ذلك اللقاء. وبات باوند اليوم في مكانة يحسد عليها، فهو في رعاية ييتس، وهو بمثابة سكرتير له، وساكن في منزله، وناصح غير رسمي له. كان باوند أصغر من ييتس بعشرين عاما، وكان عمليا من جيل جويس. وبناء على توصية الرجل الكبير، اتصل باوند بذلك الشاب المكافح، وبصورة غير مباشرة، أحدث ثورة في الأدب.
لم يكن من المرجح أن يكون الشابان حليفين. في أول رسالة إلى جويس، يعترف باوند "أعتقد أننا نشترك في كراهية أو اثنتين، ولكن هذه رابطة إشكالية للغاية عند التعارف". وفي السنوات التالية، تفرقت السبل بين الاثنين. فلم يبد جويس يوما الكثير من الحماس لشعر باوند (بالرغم من أنه ليس واضحا كم بالضبط قد قرأ منه). وباوند أعرب عن تحفظات له على عمل جويس الأخير "صحوة فينيجان"، وبعد انتقاله للعيش في رابالو بإيطاليا سنة 1924 لم يبق على اتصال بالكاتب الذي كان من أوائل من ناصروا أعماله إلا على نحو متقطع.
لم يكن جويس، بطبيعة الحال، بحاجة إلى باوند في هذه المرحلة. فلقد كان وقتها أكثر شهرة منه. ومن جانبه، كان باوند الآن ينغمس في هواجس جديدة، منها ما يتعلق بالفاشية ونظراته الاقتصادية، وهي الاهتمامات التي أفضت إلى تمزقات في صداقته القديمة، وتركت على سمعته الأدبية وصمة دائمة، وربما تكون أيضا قد أفضت إلى خلل عقلي.
لكن تخيلوا ما الذي كان ليحدث لو لم يتقاطع طريقا هذين الأسدين الأدبيين قبل مائة عام! هل كان جويس ليحقق الشهرة لولا باوند؟ ظني أن الكاتب الأيرلندي كان لينشر أعماله في نهاية المطاف، أو الأعمال الأساسية منها على الأقل، ولكن في وقت متأخر وبقدر أقل من الدعم المالي ولا شك. ربما كان تيار الوعي ليصبح تقنية سردية مقبولة، ولكن من المؤكد أن تأثيره على السرد ما كان ليصبح بتلك القوة. كانت عظمة جويس لتبقى بارزة على الصفحة المطبوعة، ولكن شهرته وتأثيره ما كانا ليصلا إلى ما وصلا إليه. لقد حققت تلك الرسالة، المبعوثة قبل قرن من الزمان، مصيرا مختلفا لجيمس جويس. وبعون من صديقه الأمريكي، غيّر المعلم الأيرلندي مسار الأدب الحديث كله.

نشرت المقالة أصلا في "ذي ديلي بيست" ونشرت الترجمة اليوم في جريدة عمان