الثلاثاء، 17 ديسمبر 2013

علينا أن نحرق هذه الرسائل (3)


علينا أن نحرق هذه الرسائل (3)
نشرت الحلقة الأولى هنا والثانية هنا







إيتالو كالفينو


كالفينو الآن، في الثلاثينيات من عمره، روائي، صحفي، محرر، شهير بعض الشيء، تبنّى في كتابته القصصية أسلوبا استعاريا (أليجوريا) تندمج فيه عناصر من الحكاية الشعبية والخرافة (وقام أيضا بجمع وتحرير كتاب من الحكايات الشعبية الإيطالية). على مدار ستة أشهر بين 1959 و1960 تنقّل في أنحاء الولايات المتحدة الأمريكية بمنحة من مؤسسة فورد.
***
إلى لويجي سانتوتشي ـ ميلانو
سان ريمو في 24 أغسطس 1959
عزيزي سانتوتشي
مضى الآن أكثر من شهر وأنا أحمل أينما ذهبت صرختك التحذيرية بينما أصوغ في ذهني الخيوط الرئيسية لردي هذا، ولكن كتابة الرسائل تستوجب من المرء ـ مثلما قلت أنت عن حق ـ أن يكون في إجازة، ثم إن ذلك وحده لا يكفي، بل لا بد أن تكون إجازة مطيرة، وإن كان المرء يعيش على ساحل البحر، فلا بد علاوة على ذلك من بحر هائج يحبسه في البيت. ولو كان هذا النوع من التأخير قد ترك أثره على رسالة في جمال رسالتك وتحفيزها، رسالة أسعدتني سعادة هائلة بالروح التي رأيتك تكتب بها إليّ، فلك أن تتخيل بأي بطء كان تقدمي في إنتاجي القصصي هذا الصيف، وأنت عارف كم يكبّدنا هذا العمل من جهد شاق وسخط وضيق وشك ...
ومع ذلك، وفي هذه المرحلة، هو يستحق ما يكبده. أو أن الواحد بالأحرى لا يتساءل إن كان يستحق أم لا يستحق. نحن بشر نوجد، بلا أدنى شك، بما نكتبه، فإذا لم نكتب فما لنا وجود. حتى إذا لم يبق لنا قارئ واحد، سنبقى مضطرين إلى الكتابة ، وليس ذلك لأن مهنتنا مهنة فردية، بالعكس، هي حوار نشارك فيه حينما نكتب، هي خطاب مشترك، لكن هذا الحوار يمكن دائما افتراض حدوثه مع كتّاب من الماضي، مع كتّاب نحبهم ولا يزال خطابهم يرغمنا على تطويره، أو مع كتّاب سيأتون من بعد، أولئك الذين نريد من كتابتنا أن نتصورهم بطريقة أو بأخرى. أنا أبالغ: ولترحم السماء من يكتبون ولا يجدون من يقرأ لهم، هناك  كثير من الناس يكتبون اليوم، ولا يمكن للواحد أن يطلب التساهل مع أولئك الذين ليس لديهم ما يقولونه، كما لا يمكن للواحد أن يسمح بتعاطف نقابي مع أبناء المهنة.
ولا يضايقني هجوم بعض النقاد على الكم الهائل من الكتابة والنشر الذي نشهده اليوم. ربما هم يخطئون أهدافهم واختياراتهم، وعيبهم على وجه التحديد هو أنهم يمارسون مهنة مفيدة إلى أقصى حد ولكنهم يمارسونها بمنتهى عدم الدقة، أعني وظيفة تقليم وكبت الآمال والطموحات المفرطة. (وإن من يكتب إليك الآن هو رجل يعمل في دار نشر ويشجع الكتاب الشبان، ومن المؤكد أن هذا ضروري، وضروري بالقدر نفسه، في مرحلة تالية، أن يسحب تشجيعه من تسعة وأربعين من كل خمسين كاتبا قام بتشجيعهم من قبل).
الأكثر إثارة للضيق هم أولئك الذين ينظّرون للرواية فيقولون إنها ينبغي أن تكون كهذا أو كذاك، وإن المرء لا بد أن يكتب رواية إلخ. فليذهبوا إلى الجحيم. كم من طاقة تهدر في إيطاليا في محاولة كتابة الرواية المطيعة لكل تلك القواعد. طاقة كان يمكن أن تكون نافعة لو أثمرت لنا أشياء أكثر تواضعا وأصالة، وأقل ادعاء: قصصا قصيرة، مذكرات، ملاحظات، شهادات، أو حتى كتبا مفتوحة، غير قائمة على مخططات مسبقة.
أنا، بصفة شخصية، أومن بالقصّ، لأن القصص التي أحبها هي القصص التي لها بداية ونهاية. أحاول أن أكتبها على أفضل ما تأتي به إليّ، بحسب ما أريد أن اقوله. نحن نعيش مرحلة يمكن فيها للمرء في الأدب، وفي القص بالذات، أن يفعل أي شيء، أي شيء في المطلق، فكل الأساليب والطرق متعايشة. وما يريده الجمهور (والنقاد كذلك) هو الكتب (الروايات "المفتوحة") ثرية الجوهر، والكثافة، والتوتر.
[...]
أنتظر زخة المطر التالية، وضربتك التالية في هذا الحوار. مع أطيب أمنياتي
كالفينو.
***
إلى باولو سبريانو ـ روما
فندق جروزفينور
35 الشارع الخامس
نيويورك 3
نيويورك ـ ليلة الكرسماس 59
عزيزي بيلو
لم أكتب إليك حتى الآن، لم أكتب لأحد، نيويورك بلعتني مثلما تبتلع نبتةٌ متوحشة ذبابةً، منذ خمسين يوما وأنا أعيش حياة لاهثة، والحياة هنا قوامها سلسلة من المواعيد المحددة قبل حلولها بأسبوع أو اثنين: غداء، كوكتيل، عشاء، حفل مسائي، هذه تشكل مختلف مراحل اليوم وتتيح لك طول اليوم مقابلة أشخاص جدد، وترتب لغداءات أخرى، وعشاءات أخرى، وحفلات أخرى، وهكذا إلى ما لا نهاية. أمريكا (أو بالأحرى نيويورك، فهي منفصلة بعض الشيء) ليست أرض المجهول، بل أرض ثراء الحياة، أرض امتلاء كل ساعة من ساعات النهار، البلد الذي يمنحك إحساس القيام بقدر ضخم من النشاط، برغم أنك في الواقع لا تنجز غير أقل القليل، بلد العزلة فيه مستحيلة (لا بد أنني لم أقض بمفردي غير ليلة من الليالي الخمسين التي قضيتها هنا، وذلك لأن الموعد الذي كنت حددته مع فتاة لذلك المساء لم يتم، وهنا، عليك أن تطلب أي شيء مسبقا، فهم الآن يشترون تذاكر عروض المسرح في مارس، والفتاة، وإن تكن فتاتك في الوقت الراهن، لا بد أن تعلم قبل أسبوع بموعد الليلة التس ستخرج معك فيها وإلا فإنها سوف تخرج مع غيرك). لكن ليس هذا في حقيقة الأمر ما أريد أن أتكلم معك عنه، أريد بالأحرى أن اقول لك إنه هذه البلد لا تعرف عنا نحن الأوربين أي شيء، ويمكنك هنا أن تشعر أن روسيا جزء من أوربا، وحالها لا يختلف عنا اختلافا عظيما، فهم هنا مجردون تماما من الإحساس بالتاريخ. باختصار، بدأت أفهم شيئا عن أمريكا، ولكنني لا أجد الوقت الكافي للتفكير فيه، ناهيك عن الكتابة عنه. أنا أعيش حياة رجل أعمال، فهذه هي الطريقة الوحيدة للحياة في هذه المدينة، أقول أعمال، في حين أن كل ما أعمله هو أنني أقابل ناشرين وأحضر معهم غداءات عمل لا تنتهي، وأنا أتصرف كأنني سفير جمهورية إيطاليا الديمقراطية الخيالية، لأنني أشعر أن من واجبي ومسئوليتي أن أفعل هذا، وأنا واحد من قلة من اليساريين الذين أتيحت لهم فرصة زيارة هذه البلد لستة اشهر. ونتيجة لذلك، أعلنت نفسي سفيرا وألقيت محاضرة في جامعة كولمبيا، في قسم فيها بعنوان كاسا إيطاليانا، وهو بمثابة بيئة حكومية فاشية للأدب الإيطالي الحديث، وحشرت في محاضرتي المقاومة وجرامشي وكل الأسماء الممنوعة التي لا يعرف عنها أحد هنا أي شيء على الإطلاق، وسوف ألقي هذه المحاضرة في كثير من الجامعات: فإذا لم تنفع في أي شيء فستنفع في أن تضفي في الأفواه مذاقا كريه الطعم على التمثيل الحكومي الرسمي للثقافة. ليست لدي فكرة عما يجري في بقية إيطاليا، انا مشترك فقط في L’Eco della Stampa. اهتمام الجميع هنا منصب على روسيا، وليس هناك من يتكلم عن شيء آخر، وإليك آخر نكتة: ما الفرق بين المتفائل والمتشائم؟ المتفائل يتعلم الروسية، المتشائم يتعلم الصينية. أغادر نيويورك قريبا متوجها إلى كاليفورنيا. وهنالك سوف أستأجر سيارة كبيرة، فأنا لم أسق إلى الآن. أقضي وقتا رائعا. أتبع خط الحزب، الحزب الذي في قلوبنا جميعا. قل تشاو لـ كارلا. وسنة سعيدة عليكم.
كالفينو
***
إلى لانفرانكو كاريتي ـ بافيا
لوس آنجلس 12/2/60
عزيزي كاريتي
وصلتني رسالتك هنا، في مدينة ضخمة كأنها تمتد ما بين ميلانو وتورين، شاسعة إلى حد يعجز أي حد عن القيام بأي شيء لأن الانتقال من مكان إلى مكان يعني رحلة بالسيارة لساعة أو ساعة ونصف الساعة. منذ ثلاثة أشهر وأنا أجوب أمريكا ولم ينقض من إقامتي في هذه البلد غير نصفها. حصلت على إحدى تلك المنح الرائعة: على مدار ستة أشهر، بتمويل من مؤسسة فورد (ومن ثم فلا داعي لتوجيه الشكر لأحد اللهم إلا النظام الضريبي الأمريكي)، تم توجيه الدعوة لسبعة كتاب من سبع دول للحياة والتنقل في الولايات المتحدة بدون أي التزامات من أي نوع. تكلمت عنك مع بوجيولي في هارفرد. وهو يريد منك أن تقضي هنا ستة أشهر في السنة، وهذه فرصة لا ينبغي لك أن ترفضها. برغم أن هارفرد ليست أمريكا، بل هي نوع من الأولمب الحاوي للقشدة الفكرية من شتى أرجاء العالم، لكن سوف تسنح لك الفرصة فترى القليل من أمريكا. ولا ينبغي لأحد أن "يضيع" فرصة الكلام مع الأمريكيين لعبور تلك الهوة التي تقسمنا، وهي حقا وصدقا هوة وهاوية: هذا عالم مختلف، بعيد عن أوربا ومشكلاتنا بعد القمر. والجامعات فراديس على الأرض، إلى درجة تثير أعصابك يا أخي. رؤية كل هذه الوفرة من الموارد مخصصة للبحث، وحياة متخففة من أي صعوبة في هذه المدن الشجرية، لا يمكن إلا أن تجعلنا نفكر: لكن ألا يمكن أن يكون ثمن هذا كله هو موت الروح؟ من حسن الحظ أن أمريكا ليست كلها هذه الجنة الطبيعية الاصطناعية القائمة هنا في كاليفورنيا. ربع أمريكا متوتر عنيف دراماتيكي، يتفجر بالتناقضات، يمتلئ بالقسوة، والحيوية السيكولوجية، وهذه فعلا هي أمريكا التي وقعت في غرامها ولم أزل. ولكن شطرا لا بأس به منها ممل فارغ أحادي النبرة، قوامه إنتاج عديم العقل واستهلاك عديم العقل، وهذا هو الجحيم الأمريكي [...]
أما عن روايتي الجديدة، ينبغي أن أقول لك إنني لأول مرة أشعر بالرضا عما أفعل، أجترئ فأشعر أنني عبّرت عن نفسي. لا براعة في الكتابة، بل إطلاق للعنان، ألعاب: أردت أن أقول أشياء عن الوجود، عن الحياة، وأعتقد أني قلتها، أعتبر هذا أهم كتاب لي من حيث المضمون، أول كتاب أقول فيه شيئا. (لكنه ليس شيئا في السياسة. ويقولون لي إن كثيرا من النقاد الأغبياء كتبوا أنني لم أفكر قط في السياسة بصورة مباشرة). مع ذلك، وبرغم أنني مأخوذ هنا تماما باكتشافاتي أثناء التنقل، منقطع تمام الانقطاع عن الجرائد والأخبار الأوربية، فإنني مبارك بالبعد الشديد عن كل شيء. الكتاب صدر، ولكنني لم أره، لم اقرأ حتى مقالة عنه، وأنا بخير تماما. [...]
أغلى أمنياتي. يعيش بافيا
كالفينو
***
في الرسائل التالية، يواجه كالفينو أحد نقاده، ويبعث رسالة مثيرة من مظاهرة الطلبة في باريس 1968 إلى صديق قديم وأحد قدامى مراسليه الكاتب ميشيل راجو.
***
إلى جيدو فينك
24/6/68
عزيزي فينك
مقالتك في باراجوني عن "الزمان والصياد" منحتني ذلك الرضا النادر الذي يجده المرء في نفسه حينما يجد ناقدا شديد اليقظة يعرف كيف يقرأ (ويستشهد)، شخص لا يضيع لديه شيء مما في الصفحة. [...] أنا سعيد أن "الزمان والصياد" بدت لك  "لطيفة"، ولكن كلما أصبحت الكتب "غير لطيفة" (أي صعبة على ما ألفناه في التفكير والتذوق) ازدادت جدارة، وكلما شقَّ على القارئ استيعابها ازدادت أهمية. والآن عليّ أن أكون أكثر تفصيلا. لا يبدو لي أن الحكم على عملي ـ في هذه المرحلة ـ في ضوء علاقته بالطليعية الأوربية أو في مقابلها، لا يبدو لي أمرا منطقيا، لأن من الواضح أنني أبقى كاتبا من المدرسة الفنية artisan school، يروق لي بناء أشياء ذات قفلات جيدة، وتقوم بيني والقارئ علاقة أساسها الرضا المتبادل. في المقابل، الطليعية موقف إنساني في المقام الأول والأكبر لا أدب، يتضمن علاقات مختلفة مع العمل والقارئ (والمرء يحكم عليها وفقا للتصنيف، ولطبيعة الموقف البطولية) فلو أن هناك على سبيل المثال شخصا "لم يخلق لهذا"، أو هو بعبارة أخرى لا يعتبر أن هذه هي مهنته الأساسية في الحياة، فمن السخف لمثل هذا الشخص أن يبدأ. ولكن ما أريد قوله هو هذا: أنا أقدّم منتجات فنية ولكن في فترة تفعل فيها الطليعية هذا وذاك، وبرغم أن هذه المجالات المختلفة غير متجاورة، فهي تؤثر على بعضها البعض (كما أن كل مجال من مجالات الكتابة لا يمكن أن يبقى لامباليا بغيره من المجالات). أنا الآن على سبيل المثال أقرأ [الروائي والشاعر الألماني] هايزنبوتل Heissenbüttel  وأكتشف أنه أيضا يفسر الأشياء التي أقوم بها: وإنني أرى باهتمام ـ وأحب أن أؤكد على هذا ـ تناظرا بين موقفي (في مستوى المنتجات الفنية) وموقفه (في مستوى الطليعية).
باختصار، المهم بالنسبة لي هو الإسهام في مشروع جمعي، وليس "النتائج الكبرى الأصيلة" التي تتهمني بعدم الوصول إليها بالمرة. المهم هو الإسهام في ذلك الشيء المعقد المعروف بالثقافة. ثم وماذا تكون هذه النتائج "الكبرى"؟ ليس سوى موقف ثقافي مجاوز لموقفنا الحالي هو القادر على أن يمنح قيمة "الكبرى" على أي نتيجة. وحتى ذلك ليس سوى رمز لمزيج كامل من النتائج، قد يكون ضئيلا ولكنه مهم. أعتقد أن هذا معيار لا يفضي إلى أي شيء: فلنتركه للمجلات الأسبوعية التي تنشر الأخبار الأدبية وتحاور الكتّاب حول إمكانية تأليفهم لـ "الروائع". عليّ أن أقول إنني لم أبال يوما بالنتائج الكبرى. في شبابي كان طموحي هو أن أصبح "كاتبا ثانويا" (فالذين يوصفون دائما بالكتاب الثانويين هم أكثر من أثاروا إعجابي وأحسست بالقرب منهم). ولكن هذا بدوره معيار معيب لأنه يفترض وجود "كتاب كبار".
أساسا، أنا لست مقتنعا فقط بأنه لا وجود للكبار ولا للثانويين من الكتاب، ولكن الكتاب أنفسهم غير موجودين، أو هم على أقل تقدير غير مهمين كثيرا. ففي حدود ما يهمني شخصيا، يبقى المرء يحاول ويحاول أن يفهم كالفينو، أن يرسم مخططه التاريخي، أن يتوصل إلى استمرارية في كالفينو، في حين أن كالفينو هذا قد يفتقر إلى أية استمرارية، فهو يموت ويولد كل ثانية. والمهم هو ما إذا كان في العمل الذي ينتجه في نقطة محددة شيء ما يمكن أن يكون على علاقة بما ينتجه آخرون من أعمال في الحاضر أو في المستقبل، مثلما يمكن أن يحدث لكل من يعمل لمجرد أنهم يخلقون احتمالات جديدة.
غير أنني يجب أن أقول إن بحثك عن كالفينو الحقيقي ـ وإن كنت لا أقرّه منهجيا ـ يفضي إلى تأسيس قاسم مشترك أصغر يروق لي: "عُدْوان ومعارضة واضحة". لو أن هذا يظهر أيضا في قصص أعتبرها أشد ما تكون انفصالا وابتعادا عن الشخصية، فلا بد أن يكون في هذه القاسم المشترك الأصغر شيء من الصواب وفي هذه الحالة أكون سعيدا به. ولهذا السبب أرضتني مقالتك إرضاء عظيما، كما ترى مما أثارته لديّ من رغبة في النقاش وحماس إليه ـ وإنني ممتن لك امتنانا بلا حدود.
المخلص
إيتالو كالفينو
***
إلى ميشيل راجو ـ ميلانو
سينكوالي ـ 27/7/68
عزيزي ميشيل
[...] هل يمكن أن تصدق أنني لم أتسلم إلا أول أمس رسالتك المبعوثة من باريس في 15 مايو؟ وهذه علامة على بداية تجاوز تراكم البريد الناجم عن الإضراب.
دعني أقدم لك الآن ملخصا سريعا لما كانت عليه حياتنا خلال الأشهر القليلة الماضية. في أيام المتاريس الأولى كنت مع تشيتشيتا في رحلة للمحاضرة في هولندا. كان مارشيلو يقاتل على المتاريس ولم يتعرض للإصابة. رجعنا إلى باريس في الأيام الرائعة التي تم فيها احتلال السوربون وأولى المصانع. بعدها رحلة سريعة إلى إيطاليا لإحضار الطفلة (التي كنا قد تركناها أثناء رحلتنا مع جليسة أطفال نعرفها من قبل) وللإدلاء بصوتينا. كان معنى إضراب عمال النقل أننا محبوسون في إيطاليا، ومضت أيام من القلق في تورين. في الوقت نفسه تم اعتقال مارشيلو واحتجز لأربع وعشرين ساعة في بيجون، قبل أن يتم الإفراج عنه، ولكن الحركة في ذلك الوقت كانت خطرا على الطلبة الأجانب. استأجرت سيارة من تورين لأرجع بها إلى فرنسا وتحركنا بها وفيها حمولة من البترول اللازم لرحلة الذهاب والعودة. وعشنا هناك تلك الأيام الاستثنائية في المدينة وقد قلت سيارتها وقطاراتها، وامتدت فيها الطوابير أمام المحلات. ثم جاءت خطبة دي جول،  وانطلاق سيارات أنصاره في المدينة وهم يضربون النفير محاولين اختراق الحي اللاتيني ونكوصهم، والسوربون أيضا كانت حصنا في حصارها، والشباب كانوا يتوقعون الأسوأ ويسبون الشيوعيين. ليال مرت ولا أحد يفعل شيئا إلا المشي في الشوارع، وسط تحذيرات مستمرة في حالة من الإثارة الرائعة. في حالة الاندفاع التي سرعان ما سيطرت على الجميع، غادرنا المدينة بسيارتي وحمولة البترول، ذاهبين بمارشيلو إلى الأمان. كنا نتوقع طول الوقت أن نرى العربات المدرعة الشهيرة التي كان يقال إنها تحيط بباريس وسرعان ما تبين أنها قصة مبالغ فيها وكان جميع الأطراف يعتمدون عليها (سواء الأطراف الرسمية أم التقليدية المنتمية إلى اللعبة السياسية القديمة). تابعنا النهاية المؤسفة عبر المذياع ونحن في إيطاليا. ونحن هنا ابتداء من يونيو في منزل استأجرناه لقضاء الصيف. سنرجع إلى باريس في سبتمبر (طالما أن موجة كراهية الأجاتب لن تسببب عائقا لنا في إقامتنا هناك).
يبدو لي أن ثمة ما يتغير بحق في أوربا. نحن في طريقنا إلى قوة ثورية جديدة تتضمن العمال أيضا، بينما الطريق الذي تسير عليه الأحزاب الشيوعية هو طريق اللاعودة، هو كالطريق الذي سارت فيه الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية عشية الحرب العالمية الأولى. أما مسألة الكيفية التي سينحدر بها رد الفعل ليسلك طريق الفاشية فلا يبدو أنه يشغل الثوريين الشبان. ومن يدري، ربما يكون هذا هو الصواب، ألسنا نعيش في فترة مختلفة كثيرا عن أي فترة في ماضينا؟ ألا يتبين دائما أن الأمور مختلفة عن كل تصوراتنا عنها؟ لا أستطيع أن أتنبأ بأي شيء: أعرف أن كل ما أقوله إما أنه ابن أنماط قديمة أو هو معلق تماما في الهواء. وهذا الموقف شائع في جيلنا: وذلك ظهر في فرنسا حيث لم يكن ثمة نشازا غير الكتّاب، مهما حسنت نواياهم. بصورة أساسية، أجد الموضع المثالي لنفسي هو موضع المتفرج: هناك أشياء تجري تثير اهتمامي بشدة، تتماس بصفة عامة مع ما أردت أن يحدث (وإن لم أستطع أن أستشرفها بوضوح)، ومشاركتي فيها غير مطلوبة، بل هي في الحقيقة ممنوعة. وهذا يريح ضميري ويتيح لي أن استرخي تماما الاسترخاء، وأكثر من هذا ما الذي يمكن أن أطلبه؟ [...]
مع أحر أمنياتي


نشرت هذه الحلقة في شرفات اليوم والثلاثاء القادم الحلقة الأخيرة مما يتوفر لدينا من رسائل كالفينو