الاثنين، 10 يونيو 2013

قصة نجاح سرية

قصة نجاح سرية
كريس نيلدر
بدلا من القرميد، يكتسي سطح هذا البيت في ألمانيا بأجهزة توليدالطاقة الشمسية

في غضون اثنتي عشرة سنة فقط، أصبحت ألمانيا رائدة العالم في توليد الطاقة الشمسية، وفي التخلص من طاقتها النووية في الوقت نفسه أيضا، ومع ذلك فإن قليلين في الولايات المتحدة هم الذين يعرفون بهذا النجاح.
لقد تراجع استهلاك الكهرباء المولدة من الطاقة النووية في ألمانيا من 31 في المائة سنة 2000 إلى 23 في المائة سنة 2011 في ظل تنامي قدرة الطاقة المتجددة هناك. ولم يقتصر الأمر على عدم تحقق أي من مخاوف الانقاطاعات التي ظل خصوم الطاقة المتجددة يثيرونها ويحذرون منها، بل لقد أصبحت الشبكة أكثر ثباتا بالفعل مع التقدم في عملية التحول. وبدلا من انقطاعات الطاقة أصبحت الشبكة في ألمانيا هي الأجدر بالثقة بين شبكات جميع الدول الأعضاء في الاتحاد الأوربي، حيث لم تنقطع الكهرباء طوال عام 2011 إلا لمدة 15 دقيقة غير متوقعة. وفي 2007، مرت ألمانيا بتسع عشرة دقيقة من التوقف، في مقابل اثنتين وستين دقيقة في فرنسا المعتمدة بشدة على الطاقة النووية، و240 دقيقة في الولايات المتحدة (أي أكثر من 12 ضعفا مقارنة مع ألمانيا).
تعتزم ألمانيا التخلص نهائيا من الطاقة النووية بحلول عام 2022. وفي ظل برنامج تحويل الطاقة الألماني، تستطيع ألمانيا أن تحقق ما هو أكثر من ذلك، وتصبح معتمدة بنسبة 100% على الكهرباء المولدة من مصادر متجددة بحلول عام 2030.

لقد كان نمو الطاقة الشمسية في ألمانيا مدهشا بالقطع، إذ أضافت ألمانيا من الطاقة الـ فوتوفولاتيكية Photovoltaic

 [أي الطاقة المستخرجة من الضوء] في النصف الأول من عام 2012 فقط ما يساوى إجمالي الطاقة التراكمية الكلية في الولايات المتحدة. وهناك عنصران هما المسئولان بالدرجة الساسية عن هذا النمو المتسارع. الأول هو استخدام "تعريفة التغذية"[i] بحيث تقدم لمنتجي الطاقة المتجددة معدلا أعلى من السوق للطاقة المدخلة إلى الشبكة بموجب عقود تسري لما بين 15 و25 سنة. ولقد كانت تعريفة التغذية مسئولة عن انتشار طاقتي الرياح والشمس في أكثر من أربعين دولة من بينها أغلب دول أوربا وهي المسئولة تقريبا عن جميع أنظمة الطاقة الشمسية  هناك منذ عام 1997.
العنصر الثاني هو جودة تخطيط الشبكة، فألمانيا تخطط بحذر لتهيئة شبكتها للطاقة المتقطعة، ولذلك قامت بتركيب تكنولوجيا مراقبة وتنبؤ متطورة لاستخدام هذه الطاقة على أفضل نحو ممكن. ولو أن أنصار الطاقة المستمرة المولدة من الفحم أو من محطات الطاقة النووية كانوا على حق، لكان بوسعنا أن نتوقع للدول الأكثر اعتمادا على الطاقة المتجددة أكبر المشكلات في إدارتها لشبكاتها. والواقع أن دراسة مسحية لدول الاتحاد الأوربي أجريت باستشارة  شركة إكلاريون الاستشارية eclareon GmbH أوضحت أن الدول التي قامت بالتخطيط الملائم لقدرات شبكاتها لم تواجه بصفة عامة أي مشكلة في الاعتماد على الطاقة المتجددة.
أما الفوائد التي تجنيها ألمانيا من تحويل الطاقة فيها فعديدة وجلية. لقد استطاعت تعريفة التغذية أن تدفع إلى تبني الطاقة الشمسية بمعدل أسرع من أية سياسة أخرى. ولقد أدى نضج السوق إلى تقليل تكلفة تركيب الطاقة الشمسية إلى نصف ما هي عليه في الولايات المتحدة. وبسبب تشجيع تعريفة التغذية لتوزيع توليد الطاقة فإن أكثر من نصف قدرة توليد الطاقة المتجددة في ألمانيا مملوك لمواطنين ألمان عاديين، الأمر الذي زاد من شعبية هذه الطاقة. خاصة وأن الشمس تبلغ أقوى سطوع لها بالضبط عندما يبلغ الطلب على الطاقة ذروته، أي عند الظهر. الطاقة الشمسية تلبي الآن ثلث احتياجات الطلب في منتصف النهار، الأمر الذي يقلل ذروة أسعار الشبكات ويقلل أسعار شبكات الطاقة إجمالا. وهي طاقة نظيفة تحل محل محل الطاقة الناجمة عن الوقود الأحفوري وتقلل من انبعاثات الكربون.
لقد ساهم إدخال المزيد من الطاقة المتجددة إلى الشبكة الألمانية مساهمة جزئية في زيادة تكلفة الكهرباء في المدى القصير، ولكن الدراسات تشير إلى أنه في عام 2030 سيكون من المرجح لمزيج كامل من الطاقات المتجددة أن يكون أقل تكلفة من مزيج كامل من الطاقات الأحفورية والنووية. لقد تناقصت بصورة كبيرة تكلفة توليد الطاقة المتجددة ومن المنتظر أن تستمر في التناقص، في حين تستمر تكلفة الطاقة النووية والأحفورية في الارتفاع في شتى أرجاء العالم. ولقد بات الغاز الطبيعي في أروبا بالفعل أغلى من أن ينافس الطاقات المتجددة.
لقد تناقص سعر جهاز الطاقة الشسمية السطحي في ألمانيا بنحو 66% منذ عام 2006، وفي 2018 من المتوقع أن تكون الطاقة الشمسية هي أرخص وسيلة على الإطلاق لتوليد الطاقة في أمريكا اللاتينية وأفريقيا والشرق الأوسط وأستراليا وأجزاء كثيرة في آسيا.
في ظل هذه النجاجات المدهشة (التخلص من الطاقة النووية وتقليل تكلفة الطاقة في أوقات الذروة، وتقليل انبعاثات الكربون، وإنجاز كل ذلك بطريقة ديمقراطية وشعبية)، يصبح المدهش حقا هو أن أغلب الأمريكيين لا يعرفون أي شيء تقريبا عن تحويل الطاقة في ألمانيا. أو انظروا إلى ما يقوله الإعلام الأمريكي في هذا الصدد.
لقد تم تركيب أجهزة لتوليد طاقة الرياح أكثر من أي أجهزة لتوليد طاقات أخرى في الولايات المتحدة في 2012. وتركيبات أجهزة الطاقة الشمسية يشهد انفجارة كبيرة، فتضاعف إنتاج الطاقة الشسمية عما كان عليه في 2011، وازداد بنسبة 40% في 2012. ومع ذلك، في السابع من فبراير الماضي، بثت شبكة تليفزيون فوكس أن مستقبل الطاقة الشمسية في الولايات المتحدة قاتم في ظل تناقص الاستثمارات في مجال الطاقة الخضراء، وروجت الشبكة بدلا من ذلك للغاز الطبيعي الأمريكي، مشيرة إلى أن ألمانيا تجاوزت الولايات المتحدة كثيرا في إنتاج الطاقة الشمسية لأن لديهم من الشمس "أكثر مما لدينا بكثير". والحق أن الولايات المتحدة (فيما عدا واشنطن وسياتل) فيها من الشمس أكثر مما في ألمانيا بالتأكيد.
أو انظروا إلى تفسير مجلة بيزينس إنسايدر لانخفاض الإقبال على تركيب أجهزة الطاقة الشمسية في ديسمبر 2012 في ألمانيا إذا قالت إن "أوربا فيما يبدو تطفئ أجهزة الطاقة الشمسية". والحقيقة أن 2012 كان ثالث عام على التوالي يتم فيه تركيب أجهزة الطاقة الشمسية أكثر من أي أجهزة أخرى، ولكن التراجع في ديسمبر كان ناجما بالدرجة الأساسية عن تخفيضات مخططة في تعريفة التغذية.
إن أغلب ما تروجه صحافة الطاقة في أمريكا عن الطاقة الشمسية ما هو إلا محض دعاية مضادة تدعمها صناعة الطاقة الأحفورية. وليس المرء بحاجة إلى أكثر من متابعة ضجة الأخبار الأخيرة عن "استقلال الطاقة" الذي سوف تنعم به الولايات المتحدة. صحيح أن الولايات المتحدة تشهد طفرة في إنتاج الغاز، ولكنها تبقى دولة مستوردة للغاز، وهي معلومة لم يأت أحد على ذكر لها في الصحافة. وصحيح أن الولايات المتحدة تنتج الآن قرابة مليون برميل يوميا من النفط ولكن الولايات المتحدة لا تزال أكبر مستورد نفط في العالم.
فلتستمري يا ألمانيا، لأنك على الطريق الصحيح، ولأنك تقدمين لبقية دول العالم نموذجا ذا قيمة لا نظير لها. ولسوف يأتي وقت نوجه لك جميعا فيه الشكر.

*كريس نيلدر خبير أمريكي ومؤلف للعديد من الكتب في مجال الطاقة، ومقالاته في شئونها تظهر في مجلة سليت الأمريكية
تعليق الصورة: 


نشر المقال أصلا ـ ومكتملا ـ في مجلة ذي يوربيان مجازين ونشرت الترجمة اليوم في جريدة عمان




[i]  تعريفة التغذية أو  feed-in tariffs سياسة ترمي إلى تعزيز الاستثمار في مجال تكنولوجيا توليد الطاقة المتجددة، وتقوم على منح عقود طويلة الآجال لمنتجي هذه الطاقة بناء على تكلفة التوليد من كل تقنية. فتقنية التوليد من طاقة الرياح مثلا تحصل على سعر أقل كل كيلو واط في الساعة نظرا لقلة تكلفة توليده، بينما يكون السعر أعلى في حالة الطاقة الفوتوفولاتيكية