السبت، 29 يونيو 2013

شتاء القاهرة



شتاء القاهرة
في جماعة الإخوان المسلمين أصوات أقل رجعية، لكنها ـ للأسف ـ تخسر كل مرة
مارك لينتش
في يونيو من عام 2012، حقق محمد مرسي المنتمي إلى الإخوان المسلمين فوزا انتخابيا بفارق ضئيل للغاية، وأصبح أول رئيس منتخب انتخابا حرا لمصر ما بعد حسني مبارك. وهو بتوليه السلطة يمثل انقلابا مذهلا في الحظوظ السياسية للحركة الإسلامية. فجماعة الإخوان المسلمين منخرطة في العمل السياسي منذ عقود، ولكن قوتها بقيت محدودة وهو أمر واضح ومفهوم في ظل التهديد الدائم بالقمع. فقد قضى مرسي مؤخرا ـ شأن كبار القيادات في التنظيم ـ فترة في السجن على خلفية أنشطته السياسية. ولم تكن هناك من خارطة طريق للتنبؤ بما قد يفعله بسلطته الرئاسية الحديثة.
فوز مرسي، ومن قبله الفوز شبه الاكتساحي الذي حققه الإسلاميون في الانتخابات البرلمانية، أرغما المراقبين، سواء منهم المصريين أو الأجانب، على مواجهة أسئلة قديمة وملتهبة تتعلق بمدى تناغم الإسلامويةIslamism والديمقراطية. وبحسب ما يتبين من كتاب "كاري روزيفسكي ويكهام" الفاتن والمفصّل على نحو معجز، فإن جماعة الإخوان المسلمين نفسها ناضلت داخليا ولوقت طويل لكي تجيب على هذه الأسئلة. ومن المفارقات أن يكون مبارك هو الذي يسر للجماعة اجتناب أصعب التحديات بأن جعل تعريض نواياهم الحقيقية لامتحان الحكم أمرا محالا. ولكن مبارك سقط، فطفت هذه التناقضات على السطح.
ولم يزعم ـ إلا القليلون ـ أن الإخوان كانوا على قدر التحدي. من المؤكد أن المجال السياسي حديث الانفتاح قد أظهر براعة آلتهم الانتخابية، ولكن صعود الإخوان سياسيا أثار مخاوف حادة وعميقة لدى كثير من المصريين. فكان أن وقع استقطاب حاد بين الإخوان ومنافسيهم من جميع الأطياف (وإنه لمن الدال للغاية أنه ما من مصطلح باستثناء "معاداة الإخوان" يمكن أن يجمع جوهر هذا التحالف). وانتشر التحزب Sectarianism  وصدامات الشوارع في المجتمع. ويخشى الكثيرون من أن الإخوان يسعون إلى بسط هيمنتهم على جميع أقسام الدولة ووضع أعضائهم على رءوس المؤسسات المهمة فيها. وإذا بطوفان من العناوين المتباكية على سقوط ما يعرف بـ "الربيع العربي" في هوة "الشتاء الإسلامي".
لقد كان أداء جماعة الإخوان المسلمين في ما بعد سقوط مبارك دافعا قهريا إلى إعادة التفكير في نطاق واسع من الافتراضات المتعلقة بأيديولوجية التنظيم، ونواياه، واستراتيجيته، وكفاءته السياسية. وفي ظل الصدمة من أداء الإخوان في السلطة، فإن الكثيرين يعمدون الآن إلى استبعاد التفاؤل العابر الذي اتسمت به دراسات سابقة، والنظر إلى الجماعة بوصفها تنظيما راديكاليا لا غاية له إلا أن يفرض قانون الإسلام وقيمه فرضا، مستعملا في ذلك سلطة الدولة. وإذا بنعوت من قبيل "الفاشي" والجهادي" التي كانت ذات يوم حكرا على الجماعات المتطرفة المعادية للإسلامية anti-Islamist  تشيع اليوم في متن الخطاب السياسي في القاهرة وفي الخارج. وإذا الثوريون الذين كانوا من قبل يكيلون النقد للعسكر يتضرعون إليه عيانا بيانا أن يتدخل منقلبا على النتيجة الانتخابية، ويعيد الإخوان إلى السجون، ويعيد جوهريا المباركية التي كانوا من قبل يعارضونها.
من خلال إمعان النظر في نحو ثلاثة عقود من عمل الإخوان المسلمين وأفكارهم وصراعاتهم، تضع ويكهام بين أيدينا مرشدا مختلفا للغاية نهتدي به ونحن نعيد التفكير في هذه الحركة الإسلامية. فهي تصر على "اقتحام الصندوق الأسود" الخاص بسياسات الجماعة، بغية النظر بجدية في "توازن القوى بين فصائلها الداخلية، وتوزيع السلطة بين وحداتها الفرعية الإدارية، وأنماط عملية اتخاذ القرار بداخلها، والاستراتيجية التي تتبعها في التجنيد والعمل داخل المجتمع المحيط بها، وطرائقها في فرض التناغم والانضباط داخلها". وإن عشرين عاما من الدرس المكثف لدور الجماعة في السياسة المصرية، اشتملت على مئات الحوارات والتنقيب في الوثائق العامة والخاصة المكتوبة باللغة العربية، لتؤهل "كاري روزيفسكي ويكهام" للقيام بالمهمة.
وليس مرجحا بأية حال أن تلقى نتائج "كاري روزيفسكي ويكهام" الرضا لدى أي من طرفي هذا الجدال الاستقطابي الملتهب. فهي تحسم وجود خلافات حقيقية داخل الجماعة حول الديمقراطية والقيادة والانخراط في المجتمع. ففي حين تطور البعض داخل الجماعة باتجاه رؤية سياسية أكثر تعددية واعتدالا، فإن الفصائل الأكثر اعتدالا خسرت تقريبا جميع معاركها، وانتهى المطاف إلى إخراج الإصلاحيين من التنظيم. وتوثق ويكهام لما حاق بالجماعة من حيرة أثناء الثورة التي أطاحت بمبارك وبعدها، وتكلفة اختطافها المباغت للسلطة. ولسوف يجد الآملون في التزام الجماعة بالديمقراطية وفرة من الأدلة الداعمة لآمالهم، ولكن قليلين هم الذين سيخرجون من كتاب التحديات هذا متفائلين إزاء مقدرة الإخوان على تجاوز ماضيهم ولعب دور في إقامة ديمقراطية مصرية حقيقية.
تأسست جماعة الإخوان المسلمين في عام 1928 على يد معلم مصري يدعى حسن البنا لم يتلق غير تعليم إسلامي غير نظامي، ولكنه كان يتمتع بعبقرية في التنظيم السياسي ورؤية مقنعة للبعث الإسلامي في مواجهة الكولنيالية البريطانية. تنامت الجماعة بسرعة خلال عقود الاضطراب التالية في ظل نضال مصر من أجل الاستقلال. وما حلت ثلاثينيات القرن العشرين حتى بلغ عدد أعضاء الجماعة نصف مليون عضو وباتت تعد على نطاق واسع أضخم كيان مدني في البلد. وكان لدى البنا تصور لمجتمع إسلامي يشتمل جميع جوانب الحياة، ابتداء من معسكرات الأطفال الصيفية وحتى المستشفيات المدعومة والتعليم. واقتربت الجماعة في حذر من الحياة البرلمانية القائمة آنذاك، بأن أعلن البنا نفسه الترشح على أحد المقاعد سنة 1942 ثم انسحابه في ظل ضغوط ثم خسارته في انتخابات مزورة بعد ذلك بسنوات قليلة. وشأن كثير من الحركات الأخرى في ذلك الوقت، كان للجماعة جناح عسكري سري مثير للجدل.
تشير بعض الدراسات الحديثة إلى أن الإخوان لعبوا في وقت لاحق دورا ما في الوصول بجمال عبد الناصر إلى السلطة عام 1952. ولكن ناصر سرعان ما استدار على ذلك المنافس القوي المحتمل بإجراءات قاسية. فعانى آلاف الإخوان انتهاكات رهيبة في سجون ناصر، بينما فرت من مصر أعداد لا تحصى منهم، ليقوموا في أغلب الحالات بتأسيس أفرع للإخوان في أوطان جديدة. وفي فترة ما بعد اغتيال البنا سنة 1949، قام سيد قطب ـ وهو قوة فكرية في دوائر جماعة الإخوان المسلمين (وسلف فكري للقاعدة)، بوضع أسس نظرية الجاهلية الراديكالية التي رأت جميع المجتمعات الإسلامية المعاصرة مساوية لجاهلية ما قبل الإسلام، ورأت كل الحكام المسلمين المعاصرين كفرة. ولقد أثمرت أفكاره عن انقسام عميق داخل الجماعة المقسمة الكليلة، فانشق البعض عن التنظيم سالكين مسارات إلى التغيير السياسي تتسم بالمزيد من العنف. وفي رد فعل على ذلك نشرت الجماعة تفنيدا شاملا لأفكار قطب من تأليف مرشد الجماعة حسن الهضيبي تحت عنوان "دعاة لا قضاة" ليكون المبدأ الهادي للتنظيم.
تغيرت حظوظ جماعة الإخوان في أوائل السبعينيات، إذ استقر عليها الرئيس الجديد أنور السادات بوصفها حليفا محتملا ضد قوى اليساريين والقوميين العرب الموالين لناصر الراحل الذي كان متحالفا مع الاتحاد السوفييتي وكان القوة الدافعة لحركة القومية العربية العلمانية. وبعد اغتيال السادات ووصول مبارك إلى الحكم، بقيت جماعة الإخوان ـ برغم عدم شرعيتها ـ تشارك بصورة متقطعة في الانتخابات البرلمانية، في ظل تحالفات مع أحزاب علمانية في أغلب الحالات.
تستولي حقبة السادات ومبارك على لب كتاب ويكهام. في غضون تلك الحقبة، تقلبت حظوظ الجماعة عدة مرات، وعانت العديد من الانقسامات المهمة، وتطورت فيها آلية سياسية متطورة، وخاضت نقاشات أيديولوجية ذات أهمية حقيقية من الناحية السياسية. وتغيرت أيديولوجيتها وسلوكياتها مرات عدة. وتتبع كل ذلك بالتفصيل يتيح للكاتبة أن تبين كلا من التغير الأيديولوجي الحقيقي في "جيل الوسط" بالجماعة، مثلما تبين أيضا محدودية الاعتدال والسيطرة الداخلية التي تحظى بها القوى الأكثر محافظة.
ليس من الممكن إنكار أن تغيرا قد نال من بعض أجزاء الجماعة جراء المشاركة السياسية. ولقد كانت بوتقة التغيير ـ في رواية ويكهام ـ تتمثل في مشاركتهم في انتخابات النقابات المهنية واتحادات الطلبة في السبعينيات والثمانينيات. وهي تذهب إلى أن "مشاركة الجماعات الإسلامية في العملية السياسية لم تولِّد مصالح استراتيجية جديدة وحسب، بل وأثارت أيضا نقاشات داخلية حول الأهداف والأغراض النهائية" ولو بين المشاركين في تلك النقاشات على أقل تقدير. ولقد أبدى الإخوان المنتخَبون في الاتحادات الطلابية والنقابية مستوى عاليا من الفعالية في تلك المجالات الانتخابية، برغم أن تلك المؤسسات لم تكن تضم أغلبيات إخوانية بين أعضائها. تكتب ويكهام:
"انتصارات الإخوان الساحقة في النقابات والاتحادات الطلابية لا تكشف الكثير عن ميول المهنيين في مصر، نظرا لأن أقلية منهم هي التي تعنى بالتصويت. ولكنها تبين بالأحرى قدرة الإخوان الفائقة في التنظيم والتمويل والتكتيكات الانتخابية التي مكنتهم من حشد الأنصار في سباقات انتخابية غابت عنها الاتجاهات الأخرى بصورة بارزة".
جنى الإخوان المسلمون الذين تم انتخابهم في الاتحادات والنقابات خبرة بمصر تختلف كثيرا عن خبرة نظرائهم الذين بقوا معزولين. تبين ويكهام كيف أن التفاعل المستمر مع أعضاء الاتحادات من غير الإخوان فيما يتعلق بالقضايا المهنية والشئون السياسية الأعم قد غيّر الكثير في أولئك الإخوان المشتغلين بالسياسة. فلقد تعلموا ـ مثلما لم يحدث للجيل الأكبر من منظمة الإخوان ـ قيمة الحلول الوسطى وكيفية إنشاء تحالفات برجماتية. وفهموا أهمية أن يحدوا من حضورهم، فكانوا غالبا ما يتركون مقاعد أو مواقع القيادة للمرشحين من غير المنتمين إلى الإخوان. وحينما كانوا يخسرون الانتخابات، كانوا يتركون مكاتبهم، ويتعلمون من أخطائهم. وتحكي ويكهام أنه عندما مني إخوان ـ كانوا أكثر تركيزا على القضايا الإسلامية ـ بالهزيمة في انتخابات نقابة الأطباء البيطريين، قيل لهم إن عليهم أن يتعلموا الدرس ويكونوا أكثر اعتناء بمصالح الأطباء البيطريين أنفسهم في الانتخابات التالية.
غير أن الوضع لم يكن كذلك على المستوى الوطني. فاطمأنينة الناجمة عن امتلاك عدد رمزي من المقاعد البرلمانية بما لا يحمّل مسئولية عن الحكم كانت تتيح للإخوان أن يمارسوا لعبة مختلفة. تكتب ويكهام أنه "في ظل عدم تحمل مسئولية عملية عن صياغة القوانين، كان نواب الإخوان يستمرئون الأداء المسرحي" لا سيما في القضايا الدينية والثقافية. وتنقل الكاتبة عن رئيس الكتلة البرلمانية الإخوانية إعلانه من تحت قبة البرلمان في يناير من عام 1988 أنه "إما أن يكون لديكم قانون الله أو لا يكون، وما من منطقة وسطى".
ترى ويكهام أن انقساما جيليا وأيديولوجيا وقع داخل الجماعة بسبب الاختلاف على أنماط المشاركة. فقد اختلف الجيلان على معنى الشريعة وعلاقتها بالتشريع المدني، وشرعية الديمقراطية، وعلى إمكانية اعتبار غير المسلمين والنساء مواطنين كاملي المواطنة. قام الإخوان ممن عركوا النقابات المهنية بتطوير خطاب أميل كثيرا إلى الاعتدال والإصلاح من الخطاب الشائع داخل الجماعة. غير أن مراكز السلطة داخل الإخوان بقيت في أيدي مجموعة مختلفة تماما: قوامها الأعضاء الأكبر سنا ممن شاخوا في مواجهة سجون ناصر ونظروا في تشكك وحذر وخوف إلى العالم القائم فيما وراء بيئتهم الإسلامية. وبرغم أن الصدوع الداخلية كانت حقيقية، فاز المحافظون.
بلغت تلك النقاشات ذروتها في منتصف التسعينيات، عندما دفعت القيادات الإصلاحية باتجاه إنشاء حزب سياسي يمثل رؤيتها. كانوا ساخطين على تركز السيطرة وتحري الحذر السياسي من قبل المرشد العام ومكتب الإرشاد اللذين يسيطران على قرارات السياسة الاستراتجية للتنظيم، فدفعوا باتجاه إصلاحات ديمقراطية داخل الإخوان. ولما قوبلت مساعيهم بالرفض من قبل قياداتهم، انشقوا عن الإخوان ليشكلوا حزبا أطلقوا عليه "الوسط". ولكن الحزب ظل يعجز المرة تلو الأخرى عن الحصول على اعتراف رسمي من نظام مبارك، وأنزلت الجماعة عقوبات على الأعضاء الذين تحمسوا للمشروع. وفي غضون سنوات قليلة، لم يبق للوسط غير حفنة من المثقفين المؤثرين إعلاميا الهامشيين سياسيا.
وبحلول العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، كانت مصر بلدا يختمر سياسيا في ظل وجود نطاق عريض من الحركات الاحتجاجية السياسية ذات القواعد العريضة مثل كفاية وحركة شباب 6 ابريل، وفي ظل معارك محتدمة ضد توريث متوقع للسلطة من حسني مبارك إلى ابنه جمال. وفي ذلك الوقت، كان مكتب الإرشاد يخضع لسيطرة ـ استراتيجية إن لم تكن عددية ـ من قبل شخصيات ممن تعتبرهم ويكهام "جيل الوسط" الأكثر اعتدالا. وقامت بمتابعة الانتخابات مجموعة من المسيسين المخضرمين الذين حنكتهم المعارك. ولكن المرشد العام آنذاك وهو محمد عاكف ـ أحد حصون الحرس القديم الميال إلى أن يقول في العلن ما يؤجج الغضب ـ استطاع أن يحافظ على توازن دقيق داخل مكتب الإرشاد وشجع على التوسع في السياسة والمشاركة السياسية. وفي انتخابات عام 2005 البرلمانية، حقق الإخوان فوزا غير مسبوق بثمانية وثمانين مقعدا، وشكلوا كتلة برلمانية فعالة وغير معتادة انصب تركيزها على الفساد والحكم والمحاسبة.
وتمثل رد فعل النظام في إجراءات صارامة وقاسية. فسجن الكثير من كبار قيادات الجماعة على خلفية اتهامات ملفقة، وخضع تمويل الجماعة لرقابة غير مسبوقة، وتعرضت الجماعة لهجمات دعائية عند كل منعطف. وكان ذلك ـ بحسب ما قال محمد حبيب نائب المرشد آنذاك لويكهام في مرارة ـ درسا في أخطار التوسع، فلو أن جماعة الإخوان حددت لنفسها خمسين مقعدا في ذلك الوقت بدلا من 88 لمضت الأمور ـ في ظنه ـ على ما يرام. كان نتاج المشاركة السياسية هزيلا، ووجدت الجماعة نفسها ـ بحلول عام 2010 ـ تعاني حصارا من النظام، فازدادت ميلا إلى المحافظة واتخاذ الموقف الدفاعي.
وهكذا انكفأت الجماعة على نفسها. وتعدد ويكهام سلسلة من الانتخابات الداخلية التي انتهت بتهميش الشخصيات الإصلاحية. ففي انتخابات فرعية لشغل مقاعد شاغرة في مكتب الإرشاد في عام 2008، حصلت شخصيات من كبار المحافظين على خمسة مقاعد. وفي العام التالي، فقد اثنان من الإصلاحيين مقعديهما اللذين احتلاهما لوقت طويل. وبعدها بفترة بسيطة، أجريت انتخابات أخرى وحل بدلا من عاكف شخص محافظ مغمور يدعى محمد بديع. وكان مكتب الإرشاد المحافظ هذا، المكتب الخاضع لسيطرة رجال التنظيم المتخوفين من السياسة والذين لم تنل منهم التحولات الأيديولوجية التي غيرت جيل الوسط، كان هذا المكتب هو الذي على رأس الإخوان عندما اندلعت الثورة.
إن كتاب "الإخوان المسلمين" يشكل لدراسي الإسلاموية أحد أفضل النماذج الممثلة لمدرسة فكرية عاصفة، وأحد أحفل هذه النماذج بالتفاصيل أيضا. ولعل هذا الكتاب أن يصير ـ شأن كتاب ويكهام السابق الذي صدر بعنوان "الإسلام الحاشد" Mobilizing Islam ـ نصا معياريا يتم تلقيه بوصفه خلاصة أساسية لعقود من البحث والتحليل. غير أنه ليس خلوا من المشكلات. إذ إنه ربما يقدم صورة وردية أحادية الاتجاه للتطور في أيديولوجية أبطال جيل الوسط بحسب روايتها مغاليا في أهميتهم الكلية داخل التنظيم. وبرغم الفصل يحتوي مقارنة بين أربع تنظيمات للإخوان المسلمين في أربع بلدان عربية، يبقى الكتاب بصفة إجمالية مفرطا في التركيز على مصر ولا يستكشف بصورة كاملة السبل التي أثرت بها السياقات المؤسساتية والثقافات السياسية المحلية على صياغة تنظيمات الإخوان الوطنية.
بوسع قراءة ويكهام لتطور الإخوان أن تقول الكثير عن الجدالات الكبرى الجارية حول التنظيم أو داخله. وليس ثمة من شك يذكر في سردية ويكهام القائلة بأن فصيلا مميزا قد نشأ داخل الإخوان في هذه الفترة متبنيا ـ في ما يتعلق بالديمقراطية والتعددية والمشاركة السياسية ـ أفكارا شديدة الاختلاف عن أفكار التيار الرئيسي المحافظ. والكاتب تبين الذين تغيروا، وكيفية تغيرهم، مثلما تبين كيفية نشوء أفكارهم، وأسباب نشوئها، وكيفية سعيهم إلى تغيير الجماعة معهم (وكيف خابت مساعيهم). وهي تتعقب بحرص كتاباتهم وحواراتهم فيما يتعلق بقضايا جوهرية مثل العنف، والتعددية، والديمقراطية وسيادة القانون، إلى أن تقنعنا في النهاية بصدق أيديولوجيتهم الجديدة. ويبين الكتاب أن النظرة إلى جماعة الإخوان بوصفها كيانا يقوم على منهج داخلي قاهر لهي نظرة تغفل عن اتجاهات أيديولوجية واستراتيجية وتنظيمية مهمة تكونت على مدار العقود.
لكن تحليل ويكهام لا يقدم غير أجوبة جزئية، وغير مرضية بالضرورة، للأسئلة الجوهرية المثارة حول مقدرة الجماعة على التحلي حقا بالديمقراطية. وهي تكدح كي تقدم السبب في عدم تطبيق الإخوان في ما بعد الثورة لدرس اجتناب التوسع، أو السبب في أن بعض الأفراد الذين رأتهم إصلاحيين قد سقطوا في فخ الانسجام مع سياسات الجماعات الجديدة المحافظة. وهي ترى إمكانية للالتزام بالديمقراطية، لكنها لا تعمى عن رؤية "تفاوتات وتناقضات عميقة" في خطاب الجماعة "الذي يفرز أجندات تتجاور فيها ثيمات الديمقراطية والحرية المعتنقة حديثا تجاورا قلقا مع مفاهيم دينية غير ليبرالية". ولقد خيم بقاء هذه الأسئلة معلقة بلا أجوبة على المفاوضات الخلافية الحادة بشأن الدستور المصري في ما بعد مبارك كما ساهم في الاستقطاب الخطير الذي أحاق بالمجتمع.
تلاحظ ويكهام أنه ليس للمشاركة أو للقمع آثار يمكن التنبؤ بها على الإخوان. فالقمع ـ الذي تعتبره الحكمة السائدةمصدر قوة للمتطرفين ـ كان له بالفعل أثر مزدوج. إن تحول بعض أجزاء الإخوان إلى الراديكالية في مواجهة سجون عبد الناصر اعتبر لوقت طويل جزءا من قصة نشوء القاعدة والأشكال الراديكالية من الإسلاموية. لقد صاغ سيد قطب مبادئ الجاهلية وهو يتعرض للتعذيب ومنظمة الجهاد الإسلامي التابعة لأيمن الظواهري نشأت كفصيل منشق عن الإخوان. ولكن القمع أيضا أعان جناحا في الحركة، هو جناح الذي يأخذ بالتدرج. فقد عمل بعض قيادات الإخوان "عن قرب مع سلطات النظام لتوجيه العناصر الأكثر تطرفا في الحركة الطلابية".
أما عن الشراكة السياسية، فالفارق هائل بين دخول انتخابات نتيجتها مقدرة سلفا، وبين دخول انتخابات قد تكون نتيجتها النصر. وبحسب ناثان براون في كتاب عنوانه "عندما لا يكون النصر خيارا"، فإن جماعة الإخوان قد صيغت في جوهرها على اليقين بأنها لن تصل إلى السلطة. لقد عمل الواقع الاستبدادي على صياغة كل جانب من جوانب الجماعة: أيديولوجيتها، وممارساتها، وحتى طريقة عملها. ولقد كان بوسعها تفادي التوتر القائم بين المشاركة الديمقراطية والقانون الديني لأن فرصة الحكم لم تسنح لها قط. كما كان بوسعها أن تلتزم التزاما تاما بالمشاركة الديمقراطية كجزء من توسعها المجتمعي العام دونما خوف من تحمل عبء الحكم الفعلي. وعلى مدار عقود، استمر بالفعل ذلك التوازن الدقيق الذي التزمت به الجماعة بين العمل السياسي والعمل الاجتماعي.
ولكن سقوط مبارك غيّر كل هذا. فللمرة الأولى، واجه الإخوان احتمال الاستيلاء الفعلي على السلطة، وتبين أنها فرصة معذبة لا تعرف الاستقرار. وبعد عقود من المناورات البرجماتية الحذرة، راحت الجماعة تقترف الخطأ تلو الخطأ. نكصت الجماعة عن وعدها بعدم خوض الانتخابات الرئاسية، فبددت أي ثقة في التزاماتها. أعلن مرسي نفسه حاكما مطلقا بهدف فرض الدستور الجديد، فأصاب الجميع في مصر وخارجها بالحنق. استسلم الإخوان لخطاب طائفي متهور وهدام ، فأبعدوا عنهم كثيرا ممن حملوا أنفسهم على الوقوف معها من السلفيين إلى اللبراليين إلى الثوريين. وإذا بعامين من التوسع السياسي الأحمق يخربان عقودا من بناء الحركة الدءوب.
تساعدنا سردية ويكهام في تفسير الارتباك الذي أحدثته الثورة في كل مستوى من مستويات الجماعة، وف فهم ذلك المزيج من البارانويا والغطرسة الذي يخترقها. تبين لنا ويكهام لماذا ذهب أغلب الأعضاء البرجماتيين ذوي التفكير المستقبلي في أشد أوقات الاحتياج إليهم، وتساعدنا على فهم السبب الذي يجعل جماعة اشتهرت بانضباطها عاجزة عن توصيل رسالة متماسكة أو التعامل بصورة فعالة مع فضاء مصر السياسي الجديد المنفتح المتقلب.
وفي حين أنه ليس أمامنا إلا أن ننتظر لنرى هل ستقبل جماعة الإخوان بالعقاب في صندوق الاقتراع وتترك السلطة، ينبغي لنا أن نقر بأن الجماعة إلى الآن ملتزمة بالديمقراطية والانتخابات، وأنها لم تبد إلى الآن نذيرا يذكر لتبرير الخوف الذي غالبا ما يتم الإعراب عنه فيما يتعلق بسماحها مرة أخرى بالانتخاب الحر المباشر. إنما خصوم الإخوان هم الذين يتكلمون عن مقاطعة الانتخابات ويتكهنون باحتمالات قيام انقلاب عسكري. ولكن قبول الانتخابات ليس سوء جزء واحد من الالتزام بالديمقراطية. وإن كثيرا من اللبراليين المصريين يتخوفون من أن رؤى الإخوان تبقى هي الغالبة في قلوبهم، ومن عدم التوصل إلى حلول تتعلق بالقضايا الجوهرية كالتسامح والمواطنة والعلاقة بين الشريعة والقانون.
وتبدي جماعة الإخوان أيضا مستوى مذهلا في غياب الكفاءة. فقد فشلت فشلا ذريعا في تشغيل الاقتصاد والمؤسسات في مصر بفعالية. وعجزت عن فهم مدى التهديد الذي تبدو عليه في أعين للآخرين، وهو عجز يضرب بجذور ممتدة في إحساس البارانويا الذي تأصل في الجماعة حتى أعماقها فمنعها من بناء التوافق الوطني العريض الذي تحتاج إليه مصر ما بعد الثورة احتياجا ماسا. ولا ندري أمن سوء الطالع أم من حسنه أن الجماعة تبدد كل فرصة تسنح أمامها لتوسيع قاعدتها والتحول إلى حزب أغلبية إسلامي معتدل كحزب العدالة والتنمية AK Party  في تركيا ـ وكان ذلك مطمحا من مطامح الجماعة المبكرة.
ليس من كل ذلك ما يبث الطمأنينة بشأن مستقبل الحركة، أو بشأن مقدرتها على التعامل مع التحديات الهائلة التي تواجه مصر اليوم. إن قوة الجماعة الحديثة ترغمها على تبني مواقف واضحة في قضايا طالما عمدت إلى تبني الغموض فيها، وإن الخيارات التي تستقر عليها لمثيرة للإزعاج. وإن ما شهده العامان الماضيان من استقطاب وإحباط سياسي قد يغير رؤى أعضاء الإخوان على نحو يطغى على دروس السنوات الأولى. وإن كتاب ويكهام هذا قد يرى في يوم من الأيام بمثابة نقش على ضريح ما كان في يد الجماعة أن تكون إياه.

"الإخوان المسلمون: تطور حركة إسلامية" تأليف: كاري روزيفسكي ويكهام ـ الناشر مطبعة جامعة برنستن ـ سنة النشر 2013 ـ عدد الصفحات 352 ـ السعر 30 دولار تقريبا

نشر المقال في ديموكراسي جورنال بتاريخ 19 يونيو الجاري ونشرت الترجمة في جريدة عمان اليوم