السبت، 22 يونيو، 2013

برنار هنري ليفي: أنا لا أبالي بصورتي لدى الناس



فيلسوف فرنسا وغندورها وأشهر مشاهير المثقفين فيها يتكلم عن إنقاذ أوربا، وعن الإطاحة بالطغاة، وعن لقائه الغرامي الجديد مع الفن


برنار هنري ليفي: أنا لا أبالي بصورتي لدى الناس

جون مكدرمونت



برنار هنري ليفي، الفيلسوف، السينمائي، منقذ ليبيا، الحبِّيب، ذو القميص مفتوح الأزرار، الناقد، يخاف من اللوحات، فـ "هي تنظر لي أكثر مما أنظر أنا إليها"، أو هذا ما يقوله لي ذات مساء دافئ من يونيو في شرفة مخضوضرة في فندق رافاييل بباريس. "ولكنني أعيش تحت ظلها، ومجدها، ونورها، وسحرها" وأعرف هذا الشعور تماما. سويعات قليلة مع أشهر مشاهير المثقفين في فرنسا كفيلة بأن تبث فيك شعورا بأنك تحملق في عمل فني. ولكن ما الذي يريد أن يقوله؟
معرض Les Aventures de la Vérité [أو "مغامرات الحقيقة" بحسب ترجمة جوجل] هو أول معرض يقوم بالترتيب له ليفي البالغ من العمر أربعة وستين عاما. ويحدد المعرض الملامح الأساسية للعلاقة بين الفن والفلسفة منذ فجر الفكر الغربي. يفتتح المعرض في مؤسسة ماييه Fondation Maeght بمتحف سان بول دي فينس Saint-Paul de Vence  في جنوب فرنسا في نهاية يونيو الجاري. وهو مشروع مختلف عن المشاريع التي جعلت من "بي إتش إل BHL " ـ حسب ما يطلق الفرنسيون على برنارد هنري ليفي ـ اسما ذائع الشهرة في كل بيت فرنسي. كانت مغامرته السابقة قد ذهبت به إلى بنغازي فالتقى ثمة بالثوار واتصل بـ"صاحب"ـه نيكولا ساركوزي طالبا منه التدخل العسكري. وقياسا إلى تلك المغامرة تبدو إقامة معرض فني خيارا سقيما.
يتساءل "وما الذي جعلني أختار هذا؟ وهل اخترت؟" مطيلا في السؤال، مقلبا إياه، وأنتظر، حريصا ألا أحملق عامدا في سترته السوداء وقميصه الأبيض المفصلين له خصيصا. تتنقل يده كالفراشة من على ساقه، إلى شعره، إلى صدره شبه العاري الأسمر كالجلد المسفوع. وعندما يتحدد موضع فكرة، ربما على مقربة من الحلمة، تظهر الأصابع. يقول وهو يومئ "كان حلما قديما، قديما جدا". والآن تحقق، وبات للجميع أن يستمتعوا بالرحلة، عبر سبع "محطات" (نعم، مثلما في حالة الصلب) من الفن، ابتداء من مجرد ظل على كهف أفلاطون وحتى الرذاذ مابعد الحداثي لمبولة مارسيل دو شامب.
موضوع "اللقاء الغرامي مع مسألة الفن" هو ماهية المسيطر على الجدال الثقافي. منذ اليونان القديمة مرورا بعصر النهضة، كانت الصورة في خدمة الفكرة. ثم جاء فلاسفة آمنوا أن بوسع الفن وحده أن يعطي لمحات من الحقيقة. (وتلك هي التي بسببها يستشعر ليفي "الحياء" في حضرة الروائع). وقامت الجلبة منذ ذلك الحين، وما انصب في الفن من كميات هائلة من المال لم يثمر عن حل للتوتر الجذري، بحسب ما يرى المليونير وريث الثروة الناجمة عن تجارة الأخشاب.  "أما دميان هيرست [وهو فنان بريطاني شديد الثراء ومن ثم يجتمع في شخصه الفن والثروةالمقدرة ب210 مليون استرليني في 2010] فأنا لا أعرف دميان هيرست. ولم أحاول أن أعرفه. ولا بد أن لهذا سببا".
ولكن عندما يتعلق الأمر بليفي، يصبح من المناسب أيضا إثارة مسألة تحديد المنتصر: الفن أم الفلسفة؟ برنار ليفي رجل لا يشكك غير القليلين في ذكائه وفي شجاعته. أصدر عشرات الكتب وآلاف المقالات. صدر كتابه "الوجه البري للإنسان" (سنة 1977) ليثير الإعجاب بوصفه هجوما أخويا على الماركسية كما يتبناها اليسار الفرنسي. وتأريخه لاغتيال الصحفي دانيال بيرل Daniel Pearl  أثار إعجابا على نطاق واسع. وهو أيضا مناصر دائم للعمل العسكري ضد أنظمة الحكم الاستبدادية في البوسنة وفي دارفور وفي ليبيا، ومؤخرا في سوريا.  لسنا إذن إزاء ثري يتسلى.
ومع ذلك لم يسلم ليفي من الانتقاد بسبب الغرور والرخاوة. وهناك الغندرة أيضا، ونمط حياة الحبّيب، والزوجة الثالثة الممثلة "آرييل دومباسيل" التي يشار إلى خصرها عادة (وبصفة غير رسمية فيما أفترض) بوصفه أصغر الخصور في باريس. (عنده ابنة من زيجته الأولى وابن من زيجته الثانية). وهناك أيضا الظهور المتكرر على الشاشات والتصرفات المظهرية في مناطق الحرب. ثم هناك الاتهام بأن أعماله ليست جيدة جدا. ففي مقال عن كتاب "الدوار الأمريكي" American Vertigo  الصادر سنة 2006، كتب "جاريسون كيلور" في ذي نيويورك رفيو أوف بوكس نائبا عن الكثيرين يقول إنه "أقرب إلى كتاب" ينطوي على "طموح طالب جامعي" وإن "فيه نقصا في المعلومات، وإفراطا في النتائج".
"الثياب لا غبار عليها، لكن ماذا عن أفكاره؟". ذلك كان سؤال ناقد فرنسي. أما المؤرخ البريطاني "بيري آندرسن" فقال إن ليفي "مغفل تماما" وهي تهمة "مريعة" للمفكر الفرنسي. حتى حلفاؤه يرون أنه يقدم الأسلوب على الجوهر، ويعلي بي إتش إلى على البروفيسير ليفي. ووصفته "ماريان بيرل"، أرملة دانيال، بأنه "رجل يحطم غروره ذكاءه". وحتى الصحفي والكاتب الراحل "كرستوفر هيتشنز" الذي دافع عن صاحبه ليفي ضد أمثال كيلور، أخذ على الفيلسوف الفرنسي افتقاره إلى الدقة. ولم يكن بلا سبب أن نسب إلى ليفي قول مشكوك في نسبته إليه وهو أن "الرب مات، ولكن شعري جميل".
فهل لا يزال ليفي ينظر إلى نفسه باعتباره فيلسوفا؟ تنهيدة، يعقبها شهيق عميق و"فيلسوف؟ أنا أتفلسف؟ أنا أقرأ الفلسفة. أقضي وقتا مع الفلسفة. هل أنا فيلسوف؟ لا أعرف". طيب،  ولكي نضع الأمور في سياق أنجلوسكسوني، أين اللحم؟ يقول بنبرة بين الترغيب والترهيب إن "اللحم في الكتب، يا عزيزي". ليفي يتكلم الإنجليزية ببراعة ولكن بلكنة فرنسية، تضفي على صوته حيوية. "أنا لا أعير النقد كثيرا من الاهتمام".
"أول مرة كتبت فيها عن [النقد] كانت لأقول إنني لا أبالي به كثيرا". كان هذا في كتاب ’أعداء العلن’  الصادر سنة 2008 محتويا مراسلاته مع الروائي "ميشيل هولبيك". فقد كتب يقول "وليس ذلك [أي تجاهله للنقد] لأن عندي أنا مصفحة ... ولكن لأنني أجد في ذلك شيئا". وإمعانا في التعذيب يكتب أن هذا [الشيء الذي يجده] هو تغطية "الذات العميقة" تحت غطاء الصورة العامة.
أليس عدم المبالاة بالنقد جزءا من صورة الفيلسوف المارق؟ "لا أعتقد أنني أكثر اهتماما بصورتي العامة من "مارتن أميس" أو جوليان بارنز". أحاول أن أنتقل من الموضوع لكنه يسألني عما "يقوله هذا النقد في إنجلترا؟ " في كتابه "أعداء العلن" يلاحظ أن ليفي يبحث عن نفسه على جوجول. وفي وقت لاحق أعطاني  نسخة مبكرة من عدد من مجلة "لو بوا" فيه تغطية موسعة ومتوهجة للمعرض.
يقول إن "الشيء الوحيد الذي يمكنني قوله هو أنني أحدد أجندتي"، ومعنى ذلك أن الآخرين لا يفعلون هذا وأن انتقاداتهم منبعها الغيرة. "إنني أتصرف تصرف رجل حر". أقول إن امتلاك ثروة أمر يعين على هذا. فيقول "طبعا، وجود المال يجعل الأمر أسهل". لكن ليفي يشير أيضا إلى أن حسد منتقديه ينبع أيضا من حقيقة أنه يعيش كما ينبغي لمثقف أن يعيش. "ما المقابل لما نصفه الآن؟ المقابل هو المثقف الذي ينطق بصوت أمير أو بصوت شعب أو بصوت اتجاه، أو بصوت الدهماء". أما هو فيخلق تفويضه. "أنا لا أصغي لأحد".
يعاني وطن ليفي، خلافا لليفي، من أزمة ثقة. في مساء اليوم الذي شهد حوارنا، كانت هناك تقارير إخبارية عن اعتزام فرنسا إيقاف محادثات التجارة الحرة عبر الأطلنطي ما لم يتم النظر بعين الاعتبار لـ "خصوصيتها الثقافية" cultural exceptionalism. وفي الأسبوع الماضي اعترض وزير الصناعة الفرنسي "آرنو مونتبيرج" على مقترح من ياهو بشراء موقع الفديو الفرنسي Dailymotion. و"اوريلي فيليبيتي" وزيرة الثقافة  اعتبرت أمازون "مدمر المكتبات". وهي تناصر فرض ضريبة على الهواتف الذكية ضمن إجراءات أخرى رامية إلى صد ما يوصف بالتأثير الضار والتهديد الذي تمثله اللغة الإنجليزية.
ليفي يتبنى وجهة نظر أخرى. فـ "الثقافة الفرنسية تحظى بحماية طاقة الكتاب والسينمائيين وهي أفضل لها من حماية القوانين والإجراءات الحمائية". وهو بطبيعة الحال شديد الارتباط باللغة الفرنسية ولكن "حينما يحتاج كاتب إلى حماية الدولة يكون تلك نذير شؤم". يقول إن الجهود المبذولة لصد المد الرقمي هي أيضا جهود واهمة. والاعتراض على ياهو كان "جنونا" فهناك ـ حسبما يلاحظ ـ الكثير من مقاطع الفديو الفرنسية على يوتيوب.
المظهر اللبرالي، والصداقة الشخصية التي ازدادت قوة بسبب ليبيا، جعلا فكرة مناصرة ساركوزي في الانتخابات الأخيرة تراود ليفي. ولكنه بقي مع "أسرتـ"ـه في اليسار وصوّت لفرانسوا أولاند. ولكنه الآن بعد عام من رئاسته ليس واثقا من رأيه في الفائز الاشتراكي.
"ينقصه شيء ما ... لا يبث الثقة". ساركوزي النشيط الماكر كان عنده ذلك الشيء.
يشير ليفي إلى نظرية المحلل النفسي جاك لاكان عن "الشخص الذي تفترض فيه المعرفة". كانت الفكرة ـ عند لاكان ـ تقول إن المحلل النفسي قدره أن يفهم بالغريزة الشخص الذي يقوم بتحليله تمام الفهم. ولكن أولاند لا يفهم في الحقيقة الشعب الفرنسي.
يتنبأ ليفي ـ وهو الذي كان من الطلاب الثائرين في الستينيات من القرن الماضي ـ بمزيد من الاضطرابات في الشوارع فرنسا التي شهدت مؤخرا مئات الآلاف من المعترضين على الزواج المثلي.  "هناك شك، وغياب للثقة في السياسات التي لم تشهد فرنسا مثيلا لها منذ ثلاثينيات القرن الماضي". اليأس اليوم "ليس يأس من لا يملكون أي شيء، إنما يضاف إليهم يأس من لا يملكون أي رجاء". وهو يحذر من أن الديمقراطية لم تعد تقدم مستقبلا منطقيا. "ستكون هناك بعض الثورات. أو على الأقل بعض الاضطرابات".
يكشف الكثير من استطلاعات الرأي أن نخبة فرنسا تعد أساس غياب الثقة. فضائح الفساد شائعة عبر الصحف. وفي المجتمع الباريسي لمحة من التدهور. "والنخبة لا تحسن التصرف" لكن الخطأ ـ فيما يرى ليفي ـ "ليس كله خطأ من في الأعلى، بل وخطأ من في الأسفل كذلك" ويلوح بالذراعين مشيرا إلى أفق باريس الرمادي من تحتنا ونحن جالسان في شرفة الطابق السابع من طوابق الفندق ذي النجوم الخمس.
غالبا ما تبدو أفكار ليفي المتعجلة غير مترابطة وغير مكتملة. ولكنه فيما يتعلق بفرنسا يمزج بين تأملات شخصية للغاية وأفكار عميقة بين الحين والآخر. ورؤاه فيما يتعلق بفرنسا، وفي مواضيع أخرى، أقرب إلى اللبرالية البريطانية ـ في كثير من الأوجه ـ مما يحلو لكثير من منتقديه أن يعترفوا. يقول "أنا شخصيا لا أحب الثورة. أنا لست محافظا، ولكنني معتدل".
يرى ليفي أن اليمين سوف يستفيد من الشعبوية الجديدة "والشعبوية في شكلها المتطرف هي الفاشية". ويتنبأ بقيام تحالف بين الجبهة الوطنية اليمينية المتطرفة بزعامة "ماري لو بان" وحزب "اتحاد الحركة الشعبية" الأساسي في التيار المحافظ. "سينكسر اليمين قسمين. هذا ما يعتقده ساركوزي". ولكن هل سيترشح مرة أخرى لمنصب الرئيس؟  "ربما، وتكون عودة كونت مونت كريستو".
هل بوسع أولاند أن يفعل أي شيء حيال الأزمة؟ "هو ليس رئيسا سيئا على الإطلاق. بلدكم يتجنى عليه". ولكن المشكلة أعمق. فـ "الشعب عنده إحساس أن الطبقة السياسية بالغة الفساد، والكذب، وعدم الإيمان بأي شيء، ولا يمكن تحسينها". وهو خلافا لغيره من أثرياء فرنسا مثل جيرار ديبارديو و برنار آرنو الرئيس التنفيذي لـ LVMH ،  يؤيد المعدلات الضريبية المرتفعة التي يفرضها أولاند على ذوي الدخول المرتفعة. "أنا لست ضدها. أنا واحد ممن تنال منهم هذه الـ ..." أقاطعه قائلا إنها "ضريبة على الدخل تبلغ 75 في المائة" فيقول "مهما يكن. لكنه على حق. ولن أذهب لأعيش في إنجلترا. ولا أفكر في بلجيكا".
أسأل ليفي عما إذا كان يشعر بأنه جزء من النخبة؟ كل الإكسسوارات موجودة: المال، المكانة، نوعية التعليم، والسكن في شقة في شارع سان جرمان، ولكنه يبقى على مسافة. فلقد رفض بعضا من تكريمات الحكومة الفرنسية. يرى أن ثروته جزء من المشكلة. هو بغير حاجة إلى راع. أسأل أيضا عما إذا كان لميلاده يهوديا في الجزائر علاقة بالأمر. كان والده أنريه ينتمي إلى عائلة فقيرة، وحارب في صفوف الجمهوريين في الحرب الأهلية الأسبانية ثم مع فرنسا الحرة قبل أن يؤسس بيكوب Becob ، شركة الخشب. "الجزائر، لا أظن".
يتأمل فيما إذا كانت خلفيته اليهودية جعلته أقرب إلى أن يكون دوليا internationalist. "لكنني أعرف الكثير جدا من اليهود المجانين بالعلم الوطني، والنشيد الوطني، وما شاكل هذا". يصر أن لا. "بل شخصيتي، فلسفتي، من هنا جاءني الإحساس بعدم الانتماء". هو وطنيٌّ لكنه ليس محليا.  "أنا فخور بثقافتي. أنا فخور بلغتي. وغير فخور بجواز سفري".
يعتقد ليفي أن النعرات الوطنية تهدد مستقبل أوربا. يقول إن الحلم الأوربي اليوم أقرب ما يكون إلى الموت" ويضيف بلمسة من المبالغة أن "أوربا لم تكن يوما في مثل هذا الحال البائس". و"من يقولون إن الشباب أوربيون بالفطرة لا يقولون إلا لغوا" وتتلقى المنضدة قبضة ليفي.
ويرى ليفي أنه ما من سبيل غير أوربا فدرالية لإنقاذ اليورو وإيقاف صعود النعرات الوطنية، مبينا أن الاندماج السياسي كان أمرا جوهريا لقوة الدولار الأمريكي. ويقول إن انهيار اليورو سوف يكون "كارثة" فأسأله عما إذا كانت أنجيلا ميركل إذن بحاجة إلى أن تكون كلا من ألكسندر هاملتن مؤسس خزانة الولايات المتحدة المركزية القوية وأبراهام لينكولن موحد الولايات؟ فيقول "بالضبط، وإذا لم تستطع، فلا بديل عن ظهور هاملتن ولينكولن".
ولكي يحدث هذا سيكون على ألمانيا أن تقتنع أن التكاليف التي تتكبدها سيكون لها مردود من خلال إصلاحات هيكلية ومزيد من الاتحاد السياسي. ليفي يبدو واثقا أن النتيجة سوف تكون هكذا. "عندما أرادت ألمانيا أن توحد نفسها كانت التكلفة باهظة، واستغرقت وقتا طويلا" ولكنها فعلت ذلك لمصلحة أوربا. "أنا لست عالم اقتصاد، ولكنني على يقين أن هناك سبلا عديدا لتقاسم التكلفة".
أقول إن المشكلة هي أنه من أجل إنقاذ أوربا  قد تضطر أوربا إلى المخاطرة بالديمقراطية. فالنعرة الوطنية التي يتخوف منها ليفي في تصاعد، من حزب استقلال المملكة المتحدة إلى عناصر أكثر تطرفا في فرنسا وفي اليونان.
في "الدوار الأمريكي"، كتب ليفي أنه في حين يمقت معاداة الأمريكية، إلا أنه يؤثر أوربا لكونها "آلة لخلق السلام والديمقراطية". هل لا يزال مؤمنا بهذا؟ نعم، ولكنه يرى أن "غلطة ضخمة" قد اقترفت عندما انضمت دول أوربا الشرقية إلى اتحاد أوربي "موسع". فـ "مجرد كلمة الـ ’توسيع’ إهانة. هذه الدول في القلب من أوربا. ينبغي القول بـ ’إعادة التوحيد’". وإن هذا النوع من الأخطاء هو الذي كان سببا في أن بهتت فكرة وجود مفهوم مشترك بأوربا مجاوزة للمصالح الوطنية.
عندما كنت طالبا في سنوات 67 و68 و69 كان في الشوارع طلبة يصيحون ’كلنا يهود ألمان’". كان ثمة "إحساس باللاانتمائية" بمعنى انعدام أهمية الحدود الوطنية، كانت الرابطة الإنسانية المشتركة بالغة الأهمية. وها هنا هو الموضع الذي يمثل فيما يبدو ملتقى لصورة ليفي وفلسفته، في فكرة "اللاانتمائية" non-belongingness. هو يريد أن يتمكن من تحديد طريقه بنفسه. ويريد للآخرين أن يتمكنوا من مثل ذلك، غير مقيدين بشيء إلا شعار الثورة الفرنسية الأول "حرية، إخاء، مساواة".
مشكلة هذه الفكرة فيما أرى هو أن الأفكار الدولية internationalist  التي كان يتظاهر من أجلها ذات يوم قد وجدت نفسها اليوم على قمة جبل في ديفوس. فلقد هجرها اليسار الفرنسي. وباتت اليوم لغة المصالح المشتركة وغياب الحدود هي اللغة التي تتكلمها لبرالية السوق الحرة والنخبة العولمية. "أنا متأكد أنك على حق. ومن المؤسي أن هذه اللغة لا يستخدمها غير أمثال هؤلاء". ولكن بعض هؤلاء "عظماء" (وأصحاب له). "جورج سوروس كان وغدا مقززا في جزء من حياته وفعل خيرا هائلا في جزء آخر".
وفيما تغيب الشمس، يبهتني شبه بين ليفي وتوني بلير. فلكليهما نفس الآراء في التدخل interventionism  اللبرالي ، وحماس لأوربا ولأمريكا، وتسامح مع إسرائيل والإسلام المعتدل. وهو مثل بلير لا يزال على المستوى المحلي منتميا إلى اليسار لكنه يتبنى لغة النخبة العولمية(ونمط حياتها). وكل منهما عنده إحساس بالمهمة الشخصية، وبالمقدرة على اختيار مصيره. وفكرة الرغبة في عدم المغالاة في الانتماء تذكرنا بكثرة أسفار بلير التي كان يمقتها حزب العمل. وكل منهما يتعرض للنقد والسخرية لكنه يبدو محصنا من تأمل هذا النقد بعمق. يقول ضاحكا حينما أعقد هذه المقارنة "ولم لا؟ ربما. أنا لا أعرفه معرفة جيدة". تتسع ابتسامة ليفي. بل ويغلق زرا في قميصه.
شخص يبدو أنه يعرف. 


 نشر أصلا في فايننشال تايمز ونشرت ترجمته اليوم بجريدة عمان