الثلاثاء، 14 مايو 2013

من مراسلات جيه إم كوتزي وبول أوستر


 اللاعب الأمهر
رسائل: جيه إم كوتزي وبول أوستر*


30 ديسمبر 2008
عزيزي بول
الظاهر أن "الأزمة المالية العالمية" التي كتبت لك عنها المرة الماضية سوف تحتدم في السنة الجديدة. وعليه فإنني أتصور أنني لا بد أن أكف ـ في هذه المرحلة ـ عن لعب  دور معلق الشئون الاقتصادية. أنا لم أنس إزرا باوند، الذي بدأت صواميل عقله تفك في فترة الكساد في الثلاثينيات، حينما أقنع نفسه أنه يرى سبلا إلى نجاح الاقتصاد كان غيره من الناس غارقين في الأوهام فأعمتهم أن يروها، باختصار، جعل من نفسه بتعبير جرترود شتاين "علّامة القرية" العم إز.
الصيف في ذروته في هذا النصف من الكوكب، وقد قضيت أغلب يوم الأحد جالسا أمام شاشة التليفزيون (حيث تخيم ظلال وول ستريت!) أشاهد ثالث يوم في مباراة الكريكيت خماسية الأيام بين منتخبي أستراليا وجنوب أفريقيا الوطنيين. استلبتني تماما، انغمست فيها عاطفيا، فما عدت أقدر على انتزاع نفسي إلا بشق الأنفس. وكنت لكي أشاهد المباراة قد أزحت الكتابين أو الثلاثة التي كنت أقرأ فيها.
الكريكيت تلعب منذ قرون. ومثل جميع الألعاب، هناك الكثير جدا من الحركات التي يمكنك أن تقوم بها، كثير جدا من التأثيرات التي يمكنك أن تحدثها. محتمل جدا ألا تكون مباراة الأحد الثامن والعشرين من ديسمبر في ملبورن بجميع تفاصيلها إلا صورة طبق الأصل من كل ناحية ذات شأن لجميع تفاصيل مباراة كريكيت في مكان آخر. لا بد أن كل متابع جاد لا يبلغ الثلاثين من عمره إلا وقد مر بلحظات ديجافو، بل لعل الأمر يتجاوز اللحظات إلى الفترات الكاملة. وإذن فثمة مبرر قوي للقول بأن كل شيء قد حدث من قبل. في حين أن هناك شيئا واحدا يمكنك قوله في حق كتاب جيد، وهو أنه لم يكتب من قبل.
ما الذي يجعلني إذن أضيِّع وقتي وأنا ملقى أمام شاشة التليفزيون أشاهد صغارا يلعبون؟ إنني أقر بأنها مضيعة للوقت. صحيح أنني أجني خبرة (خبرة من الدرجة الثانية)، ولكنني لا أجد في هذه الخبرة  نفعا من أي نوع كان. أنا لا أتعلم شيئا. لا أطلع بأي شيء.
هل أي من هذا مألوف لديك؟ هل يمس فيك وترا تعرفه؟ هل الرياضة ببساطة هي كالخطيئة: يستهجنها المرء لكنه يتوق إليها بدافع من ضعفه البشري؟
صديقك إلى الأبد
جون
***
فدق دابوسون
باريس
10 يناير 2009
عزيزي جون
وصلتني رسالتك المفاجئة الطريفة المرسلة في الثلاثين من ديسمبر قبل ساعتين من خروجي متجها إلى المطار. أنا الآن في أوربا من جديد، في باريس القارسة، والساعة الثانية عشرة ظهرا بالضبط، جالس في غرفتي في الفندق، غير قادر على الاستمرار في قيلولة  كنت أرجو أن تزيح عني آثار ليلة بلا نوم. سامحني على الورق المضحك هذا، وعلى القلم الجاف السخيف. فغرف الفنادق في باريس، لسبب ما، غير مزودة بآلات كاتبة ...
مشاهدة المباريات على التليفزيون
أتفق معك أنه نشاط تافه، مضيعة حقيقية للوقت. ومع ذلك ما أكثر الساعات التي ضيعتها من حياتي بهذه الطريقة على وجه التحديد، وكم من أصائل بددتها كما فعلت أنت في الثامن والعشرين من ديسمبر. الحسبة كلها لا بد أن تكون صادمة، ومجرد التفكير فيها يملؤني بالخجل.
تتكلم (مازحا) عن الخطيئة، لكن ربما المصطلح الحقيقي هو "المتعة المصحوبة بإحساس بالذنب" أو ربما "المتعة" وحسب. في حالتي أنا، الرياضات التي أهتم بها هي التي كنت ألعبها بانتظام في صباي. يجد الواحد نفسه فاهما اللعبة فهما حميميا، ومن ثم يكون قادرا على تقييم براعة المحترفين ومهاراتهم المدوخة في كثير من الأحيان. لا أبالي مطلقا بهوكي الجليد على سبيل المثال لأنني لم ألعبه قط ولا أفهمه حقا. وفي حالتي أيضا، أميل إلى التركيز على فرق معينة ومتابعتها. وانغماس المرء في المشاهدة يزداد عمقا حينما يكون اللاعبون مألوفين له فردا فردا، فكل منهم شيء معلوم، وهذه الألفة تزيد المرء قدرة على احتمال الملل، في كل تلك اللحظات السقيمة التي لا يحدث فيها أي شيء من أي نوع.
لا شك أن في الرياضة مكوِّنا سرديا قويا. نحن نتابع التفافات الصراع وانعطافاته لنعرف النتيجة النهائية. لكن لا، ليست بالضبط كقراءة كتاب ـ على الأقل ليس كالكتب التي نكتبها أنت وأنا. لكنها قد تكون على علاقة وثيقة ببعض أنواع الأدب. فكر مثلا في روايات الإثارة، والروايات البوليسية ...
[حالا: اتصال من صديق ينتظرني بالأسفل. أنا مضطر أن أذهب، وسأكمل عندما أعود] وبعد ثلاث ساعات
... التي تبقى دائما نفس الكتب، تتكرر بلا نهاية، آلاف التنويعات البسيطة على نفس القصة، ومع ذلك تجد الجمهور جائعا إلى هذه الروايات جوعا رهيبا. وكأنما كل واحدة هي أداء جديد لطقس ما.
نعم، الجانب السردي هو الذي يبقينا حتى اللعبة الأخيرة، حتى دقة الساعة الأخيرة، ولكنني بصفة عامة أميل إلى النظر إلى الرياضة بوصفها نوعا من الفن الأدائي. أنت تشكو من إحساس الديجافو في كثير من الألعاب والمباريات. لكن ألا يحدث لك مثل هذا عندما تذهب إلى حفل يقدم سوناتا البيانو المفصلة لديك من أعمال بيتهوفن؟ أنت تعرف المقطوعة عن ظهر قلب ولكنك تريد أن تسمع كيف سيكون تفسيرها لدى عازف البيانو هذا بالذات. فهناك عازفو بيانو مشاءون، وهناك عداءون، ثم يأتي من يجعلك تحبس أنفاسك.
لا أعتقد أن حفلين موسيقيين تشابها يوما تمام التشبه، في كل حركة. ربما. ندف الثلج جميعها تبدو متشابهة، ولكن الحكمة السائرة تذهب إلى أن لكل منها فرادتها. أكثر من ستة بلايين إنسان يسكنون هذا الكوكب، ويفترض أن بصمة أصابع كل واحد منهم تختلف عن أي شخص سواه. وفي مئات مباريات كرة القاعدة التي شاهدتها ـ وربما الآلاف ـ هناك في كل واحدة تقريبا تفصيلة صغيرة أو حدث ما لم يمر بي من قبل في أي مباراة أخرى.
الجديد فيه متعة، والمعروف أيضا فيه متعة. متعة تناول طعام يعرفه المرء، متعة الجنس. مهما تكن غرابة الحياة الإيروتيكية للواحد منا، الأورجازم أورجازم، ونحن ننتظره بمتعة منبعها المتعة التي عرفناها فيه والتي منحها لنا في الماضي.
ومع ذلك، يظل المرء يشعر بالغباء بعد أن ينفق يوما كاملا أمام التليفزيون يشاهد الصغار يتدافعون بأجسادهم. الكتب الموضوعة على المنضدة لم تقرأ بعد. لا تعرف فيم مضت الساعات، والأسوأ، أن فريقك خسر. لذلك أقول لك من باريس، وأنا عارف أن عمالقة كرة القدم في نيويورك سوف يلعبون غدا مباراة مهمة وحاسمة ضد فريق قوي من فيلادلفيا، وأنني لن أتمكن من المشاهدة، وأن هذا يملؤني بالندم.
مع سلام هائل لك عابر للمحيطات والقارات
بول
***
26 يناير 2009
عزيزي بول
الظاهر أنك تتعامل مع الرياضة بوصفها مسألة جمالية بالأساس، ومع متع مشاهدة الرياضة بوصفها متعا جمالية بالأساس. وأنا تراودني شكوك إزاء هذا النهج، ولجملة من الأسباب. لماذا تكون كرة القدم بيزينس ضخما في حين لا بد للباليه ـ وهو ذو جاذبية جمالية أرقى بالتأكيد ـ من الدعم؟ لماذا تبقى المنافسة "الرياضية" بين الروبوتات شيئا بغير أهمية؟ لماذا النساء أقل اهتماما بالرياضة من الرجال؟
ما يتجاهله النهج الجمالي هو الاحتياج إلى الأبطال، ذلك الاحتياج الذي تشبعه الرياضة، والذي يكون أمسَّ ما يكون لدى الصبية الصغار فينشئ فيهم حياة فنتازية منتعشة، وإنني أشك في أن تكون بقايا هذه الفنتازيا الطفولية هي التي تضرم في الكبار ارتباطهم بالرياضة.
وأنا حينما أستجيب ـ بقدر ما ـ إلى الجانب الجمالي في الرياضة، تكون لحظات الجمال (الجمال: يا لها من كلمة معقدة!) هي التي أستجيب لها، لحظات الحركات (كلمة أخرى مثيرة) التي لا يمكن أن تكون موضوع تخطيط منطقي بل تبدو وكأنها نوع من البركة التي تحل من أعلى على اللاعبين الفانين، لحظات يتخذ فيها كل شيء وجهته الصحيحة، فكل الضربات في مواضعها، لحظات لا يرغب المشاهدون خلالها حتى في التهليل، إنما هو حمد صامت على أنهم كانوا على ذلك من الشاهدين.
لكن أي رياضي هذا الذي يريد ثناء على جماله في الملعب؟ حتى الرياضيات سوف يلقين عليك نظرة قاسية. الجمال، والجميل: تلك مصطلحات مخنثة.
لو أنني أنظر في قلبي نفسه وأسأل لماذا وأنا في مغرب أيامي لا أزال في بعض الأحيان مستعدا لقضاء ساعات في مشاهدة الكريكيت على الشاشة، لا بد لي أن أقول ـ مهما بلغ هذا من عبث ومن إفراط في الطموح ـ إنني لا أزال أبحث عن لحظات البطولة، لحظات النبل. بعبارة أخرى، أساس اهتمامي أنا أخلاقي أكثر منه جمالي.
عبثي الأمر، لأن أكثر الرياضة الاحترافية الحديثة لا تبالي بالأخلاق: إنما هي تستجيب لتوقنا إلى البطولة بمظاهر البطولة. "صرخنا طالبين الخبز فأعطيتنا الحجارة"[1].
في حوار ما بعد المبارة. نرى ذلك الذي ظل على مدى ساعة أو اثنتين يهددنا بأنه سوف يتركنا ليرتقي وحده إلى مملكة ـ هي أدنى بخطوة واحدة من الجنة ـ يعيش فيها الأبطال، إذا به [في حوار ما بعد المباراة] مرغم على استئناف وجوده البشري المجرد، أي أن يتحلى طقسيا بالتواضع. يجد نفسه مرغما على القول "أيوة، لقد عملنا وتعبنا من أجل هذا، وتعبنا أثمر هذه النتيجة، والفضل لعمل الفريق".
المرء لا يعمل لكي يكون بطلا. أقصد أن ما تقوم به استعدادا للمنافسة البطولية ليس "عملا"، لا ينتمي إلى دائرة الإنتاج والاستهلاك. الاسبرطيون في تريموبولاي Thermopylae  كانوا يتقاتلون معا ويموتون معا، وكانوا أبطالا جميعا، ولكنهم لم يكونوا "فريقا" من الأبطال. فريق الأبطال عبارة لا تستقيم بما تنطوي عليه من تناقض بين الكلمتين.
كل التوفيق
جون
***
بروكلين
2 فبراير 2009
عزيزي جون
أعتقد أننا لسنا مختلفين في هذا. كانت رسالتي من باريس في أغلبها تتناول آراءك أنت في مشاهدة الرياضة على شاشة التليفزيون (وهو موضوع ضيق لا يعدو أن يكون موضوعا فرعيا في الحوار العريض للغاية حول الرياضة بصفة عامة) وعن السبب الذي يجعلنا نختار ـ نحن الرجال الراشدين افتراضا ـ أن نهدر أصيل يوم أحد كاملا في متابعة أنشطة خالية جوهريا من المعنى يقوم بها رياضيون صغار في ملاعب كرة نائية. هذا ما يشيع وصفه بالمتعة المصحوبة بإحساس الذنب، لكنها متعة غالبا ما تتركنا ونحن نشعر أننا فارغون، بل ونشعر بالاشمئزاز من أنفسنا بعدما تنتهي المباراة.
حينما ألقي أوسع نظرة ممكنة، يدهشني أن موضوع الرياضة يمكن تقسيمه إلى فئتين كبيرتين: الإيجابي والسلبي. من ناحية هناك خبرة المشاركة في الرياضة نفسها. ومن ناحية أخرى، هناك خبرة مشاهدة الآخرين إذ يلعبون. ولما كنا بدأنا ـ كما هو واضح ـ بمناقشة الفئة الثانية، فسوف أبذل أقصى جهدي للبقاء حاليا في حدود هذا الشق من الأمر.
المكوِّن الأخلاقي الذي تشير إليه أمر في غاية الحيوية بالنسبة للصغار جدا. فأنت تعبد آلهتك وتريد أن تحاكيها، وكل منافسة هي مسألة حياة أو موت. غير أن هذه الجوانب ضعفت كثيرا في سني المتقدمة هذه، وبت أنزع إلى اكتشاف أنني أتابع المباريات من مسافة أبعد كثيرا، باحثا عن "المتعة الجمالية" أكثر مني ساعيا إلى إضفاء الشرعية على وجودي من خلال أعمال الآخرين. وليس بهدف التأكيد على النقطة، تعال نسقط منظور الشيخ حاليا من حساباتنا. تعال نرجع إلى البدايات ونتذكر ما الذي كان يجري لنا في ماضينا البعيد.
أنت تستخدم كلمة "البطولي" في موضعها الصحيح، بل إن استخدامك لها أمر لا غنى عنه من أجل فهم طبيعة هذا الهوس الذي يبدأ حتميا في فجر الحياة الواعية. لكن ما معنى الكلام عن البطولي فيما يتعلق بالطفولة المبكرة؟ أظن أن الأمر يتعلق في حالة الصبية الصغار بفكرة الذكورة، بتحديد الهوية الجنسية، بتهيئة المرء نفسه لأن يكون رجلا... لا امرأة.
ولقد ربيت طفلين ـ صبيا وفتاة ـ فكان يذهلني (ويسليني تسلية كبيرة في غالب الأحيان) أن أشاهد هويتيهما الجنسيتين إذ تتبديان وهما في حوالي الثالثة. في كلتا الحالتين، كان ذلك يبدأ من خلال محاكاة مفرطة ـ وشديدة المبالغة ـ لما يعنيه أن يكون المرء رجلا أو أن يكون امرأة. في حالة الولد، كان الأمر يدور حول سوبر مان والرجل الأخضر وتقمص الشخصيات الخيالية ذات القدرات السحرية الساحقة. وبالنسبة للفتاة (التي سألتنا وعمرها سنتان عما إذا كان سيحدث لاحقا أن يطلع لها قضيب) كان الأمر يتعلق بأحذية الحفلات، والكعوب العالية المنمنة، والجوبات بالغة القصر، والتيجان البلاستيكية، والهوس باقتناء دمى راقصات الباليه وأميرات الحواديت. تلك بضاعة كلاسيكية ولا شك، لكن لأن الصبية والفتيات يحتاجون لفترة حتى يفهموا أنهم صبية وفتيات، تكون خطواتهم الأولى نحو تحديد الهوية الجنسية متطرفة بالضرورة، وموسومة بالولع بالرموز والحلي الخارجية المرتبطة بجنس كل منهما. ولا يكاد الموضوع ينتهي (في الخامسة تقريبا) حتى ترى الفتاة التي كانت تصر على لبس الفساتين طول الوقت وهي تتقبل بكل سرور أن ترتدي البنطلون دونما خوف من أن تتحول صبيا.
وأنا طفل أمريكي في أوائل الخمسينيات، بدأت تقليد حياة رعاة البقر الذكورية. ومرة أخرى كان الأمر كله يتعلق بالمظاهر الخارجية، الحذاء طويل الرقبة، القبعة، المسدسان المعلقان في جرابيهما. ولأنه ما من راعي بقر يحترم نفسه كان يمكن أن يرضى باسم بول فقد كنت أصر كلما ارتديت زِيَّ غربي المتوحش أن تناديني أمي بـ جون ولا أرد عليها إن حصل مرة ونسيت. (أنت لم يحدث أن كنت طفلا أمريكيا يا جون، أم حدث؟)
ثم حدث ـ لا أتذكر بالضبط في أية لحظة، ولكن من المؤكد أنه حدث فيما بين الرابعة من عمري والخامسة ـ أن استولى عليَّ حبٌّ جديد، وطائفة جديدة من الرموز، وعالم  جديد أثبت ذكورتي فيه: كرة القدم (في نسختها الأمريكية). لم أكن لعبت مباراة قط، ولا أظنني كنت أفهم أي شيء من قواعد اللعبة، ولكن حدث في مكان ما، بطريقة ما (ربما من خلال الصور الصحفية أو التليفزيون) أن استقر في رأسي أن لاعبي كرة القدم هم أبطال العالم الحديث عن حق. ومرة أخرى اقتصر الأمر على المظاهر الخارجية. لم أرد أن ألعب كرة القدم بقدر ما أردت أن ألبس زي لاعب كرة قدم، أن يكون عندي زي اللعب، وحققت لي أمي السمحة دائما أمنيتي واشترت لي الزي. الخوذة، والكتافات، وقميصا ذا لونين، والبنطلون المخصوص الذي يصل إلى الركبتين، وذلك كله مع الكرة الجلدية، فبت قادرا على النظر إلى نفسي في المرآة وتمثيل أنني لاعب كرة قدم. بل إن هناك صورا فوتوغرافية توثق الاستغلال الخيالي لهذا الصبي الصغير في زيه الأصلي، وهو الذي لم يلمس قط كرة في ملعب حقيقي، والذي لم يخرج بزيه هذا خارج نطاق حديقة الشقة الصغيرة التي كان يعيش فيها مع أبويه.
وفي النهاية، بطبيعة الحال، بدأت ألعب كرة القدم، وكرة القاعدة أيضا. وينبغي لي أن أضيف أنني كنت متفانيا تفاني المتعصبين، وكلما كنت أزداد اهتماما بالقيام بهذه الأشياء، كنت أزداد اهتماما بمتابعة أداء العظماء، المحترفين. وقد حكيت لك في البرتغال عن تلك الرسالة المتهورة شبه الجنونية التي بعثتها إلى أوتو جراهام Otto Graham  (أفضل ظهير في تلك الفترة ونجم كليفلاند براونز فريق البطولات) أدعوه فيها إلى حفل عيد ميلادي الثامن، والرد الذي أوضح لي فيه أنه لن يتمكن من الحضور. منذ أن حكيت لك تلك القصة وأنا أفكر فيها، وأبحث عن مزيد من التفاصيل، محاولا أن أصل إلى فهم أعمق لدوافعي في ذلك الزمن. أتذكر الآن بوضوح كيف أنني تخيلت مجيء أوتو جراهام إلى منزلي وذهابي وإياه إلى الفناء الخلفي حيث مضينا نلعب الكرة. تلك ما يقال لها حفلة عيد ميلاد. لم يحضر أي ضيوف آخرين، لا أطفال ولا حتى أبويّ، ليس إلا شخصي ذا الثماني سنوات والخالد أوتو.
أرى الآن ـ بل إنني على أكبر قدر من اليقين ـ أن هذا الخيال ما كان يمثل غير رجاء في أب بديل. ففي أمريكا عقلي الطفل كان يفترض بالآباء أن يلعبوا الكرة مع أبنائهم، ونادرا ما كان أبي يلعب معي، ونادرا ما كنت أجده متاحا بأي من الطرق التي كنت أتخيل أنه يفترض أن يجد عليها الأبناء آباءهم، فدعوت إلى بيتي بطل كرة القدم راجيا الرجاء الخائب في أن يمنحني ما عجز أبي دوما عن منحي إياه. فهل الأبطال جميعا آباء بدلاء؟ وهل لهذا السبب يبدو الأولاد أحوج إلى الأبطال من البنات؟ ألا يعدو تركيز الصغار على الرياضة مثالا آخر للنضال الأوديبي الدفين؟ لا أعرف. لكن جنون جماهير الرياضة وهوسهم ـ لا أقول جميعهم، ولكن عدد هائل منهم على أية حال ـ لا بد أن يكون نابعا من موضع عميق في الروح. ثمة في هذا الصدد ما هو أكثر من التلهي العابر أو التسلية.
لا أعني هنا أن فرويد هو الوحيد الذي يمكن أن يكون لديه ما يقوله في هذه المسألة، لكن لديه ولا شك ما يضيفه إلى حوارنا هذا.
أعرف أنني أرد على ملاحظاتك في الغالب بحكايات عن نفسي. لكن افهم: أنا غير مهتم بنفسي. إنما أقدم لك دراسات حالة، قصصا عن أي أحد.
مع أدفأ الأفكار



[1] وفي إنجيل متى، 7 – 9: أَمْ أَيُّ إِنْسَانٍ مِنْكُمْ إِذَا سَأَلَهُ ابْنُهُ خُبْزًا، يُعْطِيهِ حَجَرًا؟


*هذه الرسائل مأخوذة من كتاب صدر حديثا بعنوان "هنا والآن: رسائل (2008-2011)، وهو كتاب يضم الرسائل المتبادلة بين جيه إم كوتزي وبول أوستر
والأسبوع القادم حلقة أخيرة




[1] وفي إنجيل متى، 7 – 9: أَمْ أَيُّ إِنْسَانٍ مِنْكُمْ إِذَا سَأَلَهُ ابْنُهُ خُبْزًا، يُعْطِيهِ حَجَرًا؟