الاثنين، 8 أبريل 2013

ديزي لاند على الطريقة الماوية



في رد فعل على تضاؤل الاهتمام بأيديولوجيتهم، استحدث زعماء الصين "السياحة الحمراء"، لتكون من ناحية احتفاء برموز الحزب الشيوعي وكبار أعضائه، ومن ناحية أخرى دجاجة تبيض لهم ذهبا

ديزي لاند على الطريقة الماوية

ساندرا شولتس



ماو الأصلي
أهم مزايا "وو يونجتان" أن له شامة على ذقنه تكاد تكون في نفس الموضع الذي كانت لـ "ماو تسيدونج" شامة فيه. يقترب الممثل ـ البالغ من العمر ستة وخمسين عاما ـ من الضمادة التي تغطي الموضع، ثم يسحبها برفق، ويلمس الشامة بطرف إصبعه. كان قد استعان بطبيب لتصغير حجم شامته، فصارت الآن بالضبط في حجم شامة ماو. و"وو" الآن فرح وقد صار شبيها بماو، يتكلم مثله، وعنده مثله شامة قد تكون تذكرته للدخول إلى عالم السينما حيث يقوم فيه بتمثيل دور ماو. فالطلب على أشباه ماو متزايد في الصين، لا سيما في هذه الأيام. يقول وو إن "الناس يكنون مشاعر عميقة تجاه الزعيم".
ماو الصورة
قضى وو موسما مسرحيا كاملا يلعب دور ماو في مسرح ينان المفتوح، وينان مدينة في وسط الصين توصف محليا بـ "مدينة الثورة الصينية المقدسة".
ينان هي المدينة التي انتهت فيها المسيرة الطويلة في عام 1935، عندما تراجع الجيش فكان ذلك علامة على وصول ماو إلى السلطة، وفيها أقام الحزب الشيوعي الصيني مقره في محافظة شانزي. ويستطيع الزوار أن يقوموا كل صباح بمشاهدة عرض عنوانه "الدفاع عن ينان"، لا تنقصه نماذج الدبابات أو الخيول الحقيقية، بل إن نموذج طائرة يسقط فعليا من السماء في نهاية العرض في لحظة تقوم بتسجيلها جميع الهواتف الذكية الحاضرة للعرض.
ذلك ما أطلقت عليه الحكومة الصينية تسمية "السياحة الحمراء"، والتي استحدثتها الحكومة في رد فعل منها على أزمة الهوية التي يشعر بها الشعب الصيني، علاوة على الإحساس بالخواء والاغتراب.
ما الذي ينبغي لشعب الصين أن يؤمنوا به بالضبط في هذه الأيام؟  ومن الذي لم يزل فعلا مهتما بالأيديولوجيا؟ في تعامل إيجابي مع أمثال هذه الأسئلة، قرر الحزب الشيوعي أن يضع تاريخه كله على خشبة المسرح ليحيي ذكرى الثورة لدى الشعب في شتى أرجاء الصين، وليبين للمواطنين الصينيين كافة أنهم أبناء بلد عظيم. كما أنشأت الحكومة "مجموعة التنسيق الوطنية للسياحة الحمراء" وأقامت مؤتمر السياحة الحمراء الذي حضره أحد أعضاء المكتب السياسي للحزب شخصيا.
ولكن ثمة عنصرا واحدا هو الذي يجعل هذا النهج مختلفا عن حملات الماضي المماثلة. فالفكرة ـ هذه المرةـ تتمثل في أن يضحك الشعب الصيني من حزبه السياسي، ويجد التسلية والمتعة في رحاب حديقة الشيوعية. فهم مدعوون إلى تناول لحم الخنزير المطهو على نار هادئة ـ وذلك كان طبق ماو المفضل ـ في بلدة شاوشان وهي محل ميلاد الزعيم. وبوسعهم الشرب من نفس البئر التي يفترض أن ماو قد حفرها بنفسه في رويجن، أو أن يحملوا نماذج مسدسات وهو يستقلون القطار في "حديقة جيش الطريق الثامن الثقافية" حيث يكون بوسعهم إعادة الأمر بشن حرب على اليابان. وهناك أيضا "الألعاب الوطنية الحمراء" وفيها فعاليات من قبيل "تفجير البيت الخشبي" و"رمي القنبلة". تقوم مراكز وفرق التدريب الحزبية بإرسال أعضائها إلى هذه المقاصد في نوع من الإجازات التثقيفية. والنتيجة أن الصين شهدت نصف بليون سائحا أحمر في سنة 2011 وحدها.

المهد الرأسمالي للشيوعية الصينية

جاء رجل الأعمال "وو نينج" إلى ينان ضمن وفد سياحي. ولم يفته فيها إلا "وو" شبيه ماو، وذلك لأن الممثلين الثوريين يحصلون على إجازة في فصل الشتاء. جاء "وو نينج" بموجب دعوة وجهتها إليه حكومة شنغهاي المحلية هو ومجموعة من الباحثين والأطباء والمعلمين، حيث ظلت مجموعة الرأسماليين هذه على مدار خمسة أيام ابتداء من الثامنة والنصف صباحا وحتى السادسة مساء تتعرف على روح ينان وحكمة ماو.
عندما سئل عن أحب أقوال ماو إليه، ابتسم وو نينج، وبلع ريقه، وبقي صامتا، عاجزا عن تقديم إجابة مناسبة. يبلغ وو من العمر اثنين وأربعين عاما، وهو مدير شركة تعمل في مجال التكنولجيا الحيوية. يرتدي معطفا إنجليزيا أنيقا، ويحمل هاتفين ذكيين، ودرجتين علميتين من جامعتين في بريطانيا. وهو ليس الرجل الذي تجد عنده مقولات ماو، ولكنه لا يستطيع الجهر بهذا هنا في ينان. لكنه بدلا من ذلك يكتفي بأن يقول إن "ماو تاريخ". كل صبح تصطف المجموعة جالسة في صفوف طويلة في "الأكاديمية الصينية للقيادات التنفيذية" وهي واحدة من أهم المراكز الصينية لتدريب الكوادر الحزبية. وفي الأصائل يعانون البرد القارس وهم جلوس على مقاعد بلاستيكية براقة ـ بغير مساند ـ في جلسات قراءة في الهواء الطلق يتعرفون فيها على الأساطير والحكايات المروية عن تأسيس الحزب الشيوعي.
كما يتم اصطحابهم لمشاهدة الكهف الذي عاش فيه ماو، والتعرف على الأوضاع الصعبة التي نشأت فيها روح الثورة الصينية أول ما نشأت. هناك سرير خشبي، وحوض، ومكتب، تلك إذن هي جذور الشيوعييين الصينيين.
أما اليوم، فيلتقي موظفو الحزب في ينان في فندق ذي خمس نجوم يديرون فيه أعمالهم من داخل قاعة المؤتمرات الفاخرة ويسترخون في بهوه. وفي حانة الفندق لافتة نصها "المتعة في الرفاهية"، و"إحساس النبيذ الأحمر". والصعوبة الحقيقية التي تواجهها مجموعة وو نينج هي نقص التنوع الموسيقي الغنائي في الأمسيات.
يشعر كثير من أعضاء مجموعة وو أن في ينان قدرا كبيرا من الاستهلاكية. بوسع الزوار أن يشتروا صورا أنيقة لماو، مقطوعة من الجرائد، أو صورا له على القماش، أو نسخة بالحجم الطبيعي من حصان ماو الأبيض تباع بـ 6800 يوان (أو 840 يورو أو 1080 دولار). في مواجهة كهف ماو يدفع أعضاء الحزب البدناء خمسة عشر يوان للفرد (1.80 يورو) لنيل حظوة حشر أجسامهم في الأزياء العسكرية وحمل نماذج الأسلحة، والوقوف أمام الكاميرات.
"أريد فقط الجزء الأعلى من الجسم" هكذا يصيح شخص يرتدي حذاء رياضيا من نايك على الزي العسكري. ويوجه آخر صديقه الواقف أمام الكاميرا "امسك علم الحزب بإحساس". ويستمر الأمر على هذا النحو طول النهار في هذه الديزني لاند الشيوعية.
يقول وو نينج إنه يجد الأمر برمته "شديد الغرابة" لكنه في الوقت نفسه "طريف". ولكن أحدا من أعضاء هذه المجموعة لم يستأجر الزي، ولم يقم بتجربة قبعة ماو من بينهم إلا واحد.

الأكل من الحنين

من المؤكد أن هذا التثقيف الثوري كله يصب في منفعة الاقتصاد الصيني. فبحسب صحيفة الحزب الرسمية، أوجدت السياحة الحمراء ملايين من الوظائف وأقامت آلاف الكيلومترات من الطرق السريعة والمطارات الجديدة. وعما قريب سوف يتسنى للمواطنين الصينيين السفر بالطائرة إلى البقعة الصحراوية التي قامت فيها الصين بإجراء أولى تجاربها على قنبلة نووية سنة 1964.
يكسب الممثل وو يونجتان عشرة آلاف يوان ـ أو ما يعادل ألفا ومئتي دولار ـ في الشهر عن أدائه لشخصية ماو، إضافة إلى مكافأة عن كل يوم عمل فعلي. ولن يكون من السهل استبدال وو، فالمورد المحدود ثمنه كبير، حتى هنا في سوق ماو. ولكن وو لا يحب أن يتكلم عن النقود. وبدلا من ذلك يوضح أن ماو يظهر له في أحلامه وتأويله لذلك "أنه يريدني أن أمثله".
قبل عثوره على دور حياته، كان وو يعمل سائقا، في الجيش في البداية، ثم في أحد المصانع. ولقد تغلب على منافسين له كانا قد تقدما للعب دور ماو في أول لقاء لاختبارهم، وذلك لأن أحدهما كان أطول مما ينبغي، والآخر كان أقصر مما ينبغي لأداء دور ماو الذي كان يبلغ طوله 1.8 مترا.
منذ حصوله على الدور، بات وو يذهب إلى الحلاق كل يوم ليضبط له قصة شعر ماو في مقابل عشرة يوانات في المرة. وهو يدخن مثل ماو، فلا تكاد السيجارة تغادر ما بين سبابته وووسطاه. ويمشي مشية ماو، ببطء وترو، عاقدا يديه من وراء ظهره، مبرزا صدره، شاخصا إلى الأمام، حتى لو لم يكن هذا الأمام أكثر من مسافة قصيرة حتى حمام في مطعم.
أقام وو صورة لماو تلائمه تماما. وكل ما لا يتماشى وهذه الصورة يكتفي وو بأن لا يتحدث عنه بالمرة، برغم أنه لا يتذكر جيدا كيف كان إحساسه كطفل في ستينيات القرن الماضي، عندما قاد ماو البلد كله إلى مجاعة. يتذكر وو كيف كان الجوع يضعف بصره، وكيف كان يأكل لحاء الشجر والجذور.
يقول وو " في حقبة ماو، كان الناس فقراء، لكنهم كانوا أثرياء الروح". وحينما يقوم بأداء دور ماو يجتمع كبار السن من حوله، ويكلمونه عن إحباطهم مما يرونه حاليا من فساد وغياب للكفاءة بين مسئولي الحكومة. ويطلبون منه الحصول على توقيعه، ويدعونه إلى الطعام. والحق أن وو يعيش عمليا على نسوتالجيا الصينيين.

النظر إلى الأمام، التفكير في الخلف

خط الحزب الشيوعي الرسمي هو أن سياسات ماو كانت جيدة بنسبة سبعين في المائة سيئة بنسبة ثلاثين في المائة. ومع  ذلك يبقى مؤسس الحزب جزءا مهما من صورة الحزب نفسه. فصورة ماو تظهر على النقود في الصين، وصورته تتصدر مدخل المدينة المحظورة في بكين.
وبطبيعة الحال  لم تكن الثورة الثقافية مذكورة في المحاضرات الثقافية التي حضرها فوج وو نينج السياحي في ينان. بل إنه هو ورفاقه في الرحلة لم يتكلموا عنها فيما بين بعضهم البعض يقول وو "إننا جميعا نرى أن الثورة الثقافية كانت شيئا سيئا. فلسنا بحاجة إلى مناقشتها".
وعلى أية حال، هو لا ينفق وقتا طويلا في التفكير في الماضي. فـ وو أكثر اهتماما بمعرفة طريقة الحكومة في النظر إلى مستقبل صناعة التكنولوجيا العالية. وبعدما أدى الواجب وقضى أياما في ينان يسجل في كراساته تاريخ الحزب الشيوعي منذ 1935 وحتى 1948، جلس وو ليدردش على العشاء مع مسئولين في حكومة شنغهاي، وكان موضوع الدردشة هو شركته وسياساته.
لو أن هناك شخصا يثير إعجاب وو فهو دينج زياوبينج، الزعيم الحزبي الإصلاحي في الفترة من أواخر سبعينيات القرن الماضي وحتى تسعينياته. ويقول وو إنه مدين لدينج بوجود شركتها نفسها. "فلقد أتاح دينج لجيلنا فرصة التطور" هكذا يقول وو الذي ليس عضوا في الحزب الشيوعي.
في المقابل، يقول وو يونجتانج الممثل "إنها مسئولية كبيرة على عاتقي أن أكون صورة للرئيس ماو". ولكن لعب دوره ليس أمرا هينا طول الوقت. ففي 2011 قام المدونون الصينيون بانتقاد زان تييلين Zhang Tielin  ـ وهو ممثل كان قد وقع عقدا للعب دور ماو تليفزيوينا ـ لحصوله على الجنسية البريطانية. فلقد شعر البعض أنه لا ينبغي السماح لشخص مثل زانج بأن يكون صورة لمؤسس الجمهورية الشعبية. وقالت صحيفة "تشينا ديلي" المملوكة للدولة إنه لا ينبغي السماح لأي شخص تورط في فضيحة من أي نوع كان أن يلعب دور ماو.
لا يزال وو يحلم أن يشق طريقه إلى السينما. ولكن، في أثناء الإجازة الشتائية الحالية، لا يزال قادرا على تدبر أموره من خلال التمثيل في الأفراح. فكل بضعة أيام يتلقى اتصالا من عروسين يريدان منه حضور ماو زفافهما. حينئذ يرتدي زي ماو، ويقف ليقرأ وثيقة الزواج، ويقف بين العروسين لصورة العمر. ويقول إن الناس يستعينون به بسبب "الجو الظريف" الذي يخلقه.
أما في ينان، فيقف عجوز حاملا عودا خارج مدخل نصب الثورة. ذلك الرجل كان في يوم من الأيام مزارعا، واحدا من الذين أراد ماو تحريرهم. وهو الآن متسول، يعيش على ما يجود به عشاق السياحة الماوية.
الترجمة إلى الإنجليزية بقلم إيلا أورنشتين
نشر الموضوع أصلا في دير شبيجل ونشرت الترجمة اليوم في جريدة عمان