الأحد، 21 أبريل، 2013

المعجزة السويسرية؟



ما الذي يمكن أن نستورده منها غير الشوكولاتة

المعجزة السويسرية؟

رولاند بينيدكتر ـ لوكاس كالين

أوربا كلها فيما يبدو ـ من أيرلندة إلى قبرص ـ تعاني أزمة اقتصادية وسياسية. إلا أن ثمة منطقة صغيرة هادئة في قلب القارة: تلك هي سويسرا.

سر سويسرا يتمثل في كونها جزءا من القارة وفي عدم كونها جزءا منها. من ناحية، هي من الدول الموقعة على  معاهدة شينجن، ومن ثم فهي تعهد إلى الاتحاد الأوربي بمهمة حماية حدودها. ولديها اتفاقية تجارة حرة مع دول الاتحاد الأوربي منذ عام 1972. وعليه، فهي ترسل ستين في المائة من صادراتها إلى الاتحاد الأوربي وتحصل على ثمانية في المائة من وارداتها من الاتحاد الأوربي. وهي عضو في منطقة مدفوعات اليورو المنفردة  SEPA، والتي تدمج الصناعة المالية الأوربية، وعملتها مرتبطة ارتباطا ثابتا باليورو منذ عام 2011.  ورغم ذلك سويسرا في الوقت نفسه، لا هي تنتمي إلى الاتحاد الأوربي ولا إلى منطقة اليورو، ومن ثم فهي تضع سياستها المتعلقة بالموازنة وتبقى مستقلة من الناحية السياسية. 

لعل الطريق الوسطي الذي تسلكه سويسرا هو سر هذا البلاء الحسن الذي تبليه. بين عام 2007 والربع الأول من عام 2012، حقق اقتصادها نموا ثابتا بنسبة تتراوح ما بين اثنين وثلاثة في المائة سنويا، مع انكماش متواضع بنسبة 1.9 في المائة في ذروة الأزمة المالية في عام 2009. كما تقلص إجمالي الناتج الوطني بصورة طفيفة في الربع الثاني من عام 2012، لكن التنبؤات تشير إلى أنه سوف يتزايد مرة أخرى بما يزيد على الواحد في المائة في 2013. إضافة إلى ذلك تتمتع الحكومة باستقرار لا يصدق. فالتوازن الأساسي بين الأحزاب في السلطة التنفيذية مستمر لأكثر من خمسين عاما.

ويزداد نجاح سويسرا بروزا في ظل نضال كثير من جيرانها التي لا تزال تعاني ركودا عميقا وتواجه انشقاقات اجتماعية عميقة، وفيها حكومات تقاتل من أجل الحفاظ على السلطة. وهذه الحالة وحدها كفيلة بأن تجعل من السويسريين موضع دراسة دولية. ولكن أحدا لم يقم بدراستها إلى اليوم. إذ يكتفي العالم بدلا من ذلك بالكلام عن "الجزيرة المباركة" الحبيسة داخل القارة، بل في قلبها. وحتى في هذه الحالة غالبا ما تتناول الحكايات مواضيع إشكالية من الناحية الأخلاقية من قبيل الأسرار البنكية أو فرض أشد قواعد العالم القانونية صرامة للشركات المدرجة في سوق الأوراق المالية. ولكن في سويسرا ما هو أكثر من ذلك كله. فثمة من وراء نجاح البلد النسبي نظام سياسي فريد تحسن أوربا صنعا إن هذ تبنت بعضا من عناصره.

إن مشكلات أوربا الاقتصادية والسياسية هي في جذورها ناجمة عن أزمة شرعية فلقد تم إيجاد المنطقة الاقتصادية والعملة المشتركتين في أوربا بدون أن تصاحبهما حكومة فدرالية، والاتحاد نفسه يسيطر على أقل من اثنين في المائة من مجموع إجمالي الناتج الوطني لكل من الدول السبعة والعشرين الأعضاء في الاتحاد الأوربي ومن ثم فهو معطل إلى حد كبير. فقد استبقت الحكومات الوطنية شرعيتها مع التزامها تجاه الاتحاد غير الشعبي قليل الحيلة. وحسبما تبين من الانتخابات الإيطالية الأخيرة، فإن الأوربيين يشعرون بالحرج البالغ بين بيروقراطية مفرطة التعقيد وفراغ في السلطة. وذلك بدوره أدى إلى فقدان الثقة في الأحزاب التقليدية والسياسات التي تتبناها المؤسسات.

ولا شيء من هذا يصدق على الحالة السويسرية، التي تشتهر بديمقراطيتها المباشرة التي تبقى على السياسة والعاصمة والشعب في حالة حوار مستمر. ويمكن القول بإيجاز إن السلطة التنفيذية في سويسرا تتألف لا من رئيس ورئيس وزراء بل من شيء يسمى المجلس الفدرالي الذي يقوم البرلمان السويسري بانتخابه، ويتألف المجلس من سبعة أعضاء ومن الأحزاب الخمسة الرئيسية جميعا، ولا بد من أن يكون للغتين الألمانية والفرنسية تمثيل فيه. ومن ثم فإن التمييز بين الحزب الحاكم والمعارضة غائم، لأن الجميع مشاركون في الجناح التنفيذي للحكم.

ثمة فارق آخر يتمثل في أنه تجري دعوة قرابة الثمانية مليون مواطن سويسري إلى الاقتراع أربع مرات كل عام وذلك فيما يتعلق بالانتخابات الوطنية وحدها. وكثرة هذه التصويتات ترجع إلى حقيقتين: أن التعديلات الدستورية يمكن فرضها على الحكومة من خلال مبادرة شعبية (مائة ألف توقيع في فترة ثمانية عشر شهرا) وأن جميع التغييرات الدستورية لا بد من إجازتها من خلال استفتاء شعبي إلزامي. فضلا عن أن المواطنين السويسريين يمكن أن يبادروا بالدعوة إلى الاستفتاء على أي من أجزاء التشريعات بجمعهم خمسين ألف توقيع في غضون مائة يوم. ولقد حدث في السنوات القليلة الأخيرة أن اقترع السويسريون على تغييرات دستورية تتعلق بالحماية من عنف الأسلحة، واعتماد ما يعرف بالرعاية الصحية المدبرة managed care [وهو المصطلح المستخدم في الولايات المتحدة لوصف جملة من التدابير الرامية إلى تقليل تكلفة الرعاية الصحية]، والحماية من التدخين السلبي، والمطالبة بعرض المعاهدات المبرمة مع الدول الأخرى للاقتراع الشعبي، ووضع قاعدة بألا يحصل أحد في شركة في سنة على أجر يقل عما يحصل عليه أي من المدراء في شهر.

لقد أوجدت النقاشات السياسية المستمرة توازنا نادرا بين المواطنين والحكومة. إذ باتت اللجان الحكومية مدفوعة إلى وضع تشريعات قابلة للحصول على موافقة الرقابة البرلمانية والشعبية المباشرة. كما تنفق الحكومة قدرا كبيرا من الوقت في ترويج قراراتها لدى الشعب. وليس من المدهش في شيء أن تكون جهود صناع القرار الإعلامية موضع مراقبة متكررة، فلقد طالبت فئة تصويتية من الشعب الحكومة بمنع مسئوليها من الترويج، وترك الشعب يتخذ قراره في قضايا معينة بدون أي تأثير من الحكومة. كذلك تخضع أموال الحملات الترويجية ـ لا سيما التي تقوم بها النقابات المهنية ـ للرقابة، كما تقوم أجهزة الإعلام المدعومة من المؤسسات العامة والشعب نفسه بالتوعية فيما يتعلق بتزايد حجم التفاوت في الإنفاق. علاوة على أن القوانين السويسرية تحظر الإعلان السياسي في التليفزيون والإذاعة. وبطبيعة الحال لا يعني هذا أن الشعب مطلع اطلاعا مثاليا: فاستحداث الصحف المجانية، والضغط الذي يمثله هذا على الإعلام المطبوع، وتحويل الأخبار إلى مادة ترفيهية تليفزيونية، كل هذه الأمور تهدد جودة وتنوع المعلومات.

ونتيجة للنظام السياسي السويسري، يظل الدستور في حالة تعديل مستمر من قبل كُتَّابه المواطنين. ولا شك أن التأكيد على حق الشعب الروسي في تغيير الدستور بما يتناسب ومعتقداته الآنية يؤدي بين الحين والآخر إلى تناقضات مع القوانين الأعلى، كما يثير بين الحين والآخر توترات مع منظمات حقوق الإنسان الدولية. فلقد أدت المبادرات الشعبية اليمينية ـ على سبيل المثال ـ إلى حظر مآذن المساجد في سويسرا (وهو ما يتعارض مع ضمان الدستور السويسري لحرية الدين) وإلى قواعد جديدة لترحيل الأجانب الذين تثبت إدانتهم في جرائم (وهو ما يعتقد بتعارضه مع اتفاقيات حقوق الإنسان الدولية). وتبدي المحكمة الدستورية ـ الموكول إليها البت في مثل هذه التناقضات ـ إعراضا واضحا عن الحكم لصالح حقوق الإنسان ضد الديمقراطية المباشرة. ولقد حدث في عام 1990 أن حكمت ضد مواطنين ذكور في إحدى المقاطعات بعدما دأبوا على التصويت ضد حق المرأة في التصويت. ومنذ ذلك الحين، نادرا ما تدخلت المحكمة الدستورية، التي اشتهر إعراضها عن التدخل في قضية قرار مآذن المساجد سنة 2009. في الجانب المقابل، تؤدي عقلية "الشعب هو الملك" في بعض الأحيان إلى إحساس بضعف سيادة القانون.

ومع ذلك، لو أننا نحينا التوتر القائم بين الديمقراطية المباشرة والدولة المؤسسية، فإن نمط الحكم السويسري أفضى إلى إحساس قوي بالتماهي مع النظام السياسي، إذ أنه خلافا لما يجري في الدول الأخرى، من النادر أن تكون الانتخابات وسيلة لمعارضة العاصمة بيرن Bern.

فهل ينبغي لبقية دول أوربا أن تتبنى النموذج السويسري؟ إن نجاح الحكم يستوجب الشرعية. والشرعية تتأتى من خلال احتواء أكبر عدد ممكن من الأصوات، والفعالية السياسية تتحقق عندما يكون الرأي العام هو بالفعل مصدر التشريع. وسويسرا تأتي في مرتبة متقدمة في سجل الفعالية. كما تبلي بلاء حسنا أيضا في سجل الشرعية. فالتحول الذي طرأ مؤخرا على المجال الإعلامي باستحداث الجرائد السياسية المجانية لشريحة كبيرة من الشعب السويسري (هي شريحة المسافرين يوميا من منازلهم إلى أعمالهم) وغيرها من وسائل الإعلام الشعبوية قد نالت يقينا من مكانتها، ولكن تبقى معاناة سويسرا من غياب الشرعية أقل كثيرا للغاية من غيرها من الدول الأوربية.

قد لا تتسنى ترجمة بعض عناصر النموذج السويسري إلى بقية دول أوربا. فسويسرا بالمقارنة مع غيرها دولة صغيرة تتألف من سكان متجانسين إثنيا وثقافيا. (والحق أنها ازدادت تجانسا على مدار القرن ونصف القرن الماضيين باندماج جرى بين ثقافات السويسريين الفرنسيين والألمان والإيطاليين). كما أن البلد يستفيد كثيرا من مآثره الاقتصادية العالمية عالية الأرباح من قبيل صناعات الأدوية، والمعادن، والساعات، والمنتجات الزراعية. وبفضل هذه الصناعات تحظى دولة الرفاه ونظام التعليم بتمويل جيد. في حين لا يتمتع الاتحاد الأوربي بأي من هذا الأرباح. ولكن في سويسرا أربع لغات رسمية، وانقسام ريفي/مديني في كثير من القضايا السياسية لا سيما المتعلق منها بالهجرة ، والاندماج، والتنوع الثقافي.

يقدم النظام السويسري أربع دروس يمكن للمشروع الأوربي أن يستفيد منها. الأول هو أن الصغير جميل. تركيز سويسرا على اتباع نظام الحكم الذاتي الإدري صغير المستوى في مختلف المقطاعات قد يصلح نموذجا لأوربا مكونة من مناطق. وطريقة سويسرا في التعامل مع لغاتها الأربع وأعراق كل واحدة منها مثال للوحدة داخل التنوع التي تسعى إليها أوربا.

الدرس الثاني هو أن تواتر الرجوع المباشر إلى الشعب يمنح الحكومة مزيدا من القبول. إن على أوربا أن تدخل تحسينات دراماتيكية على العلاقة بين الحكومة والشعب إن هي أرادت أن تتجنب المزيد من خسارتها للثقة الشعبية.

الدرس الثالث هو أن التوجه المباشر إلى الشعب لا يمنح الحكومة القبول وحسب، بل ويحمّل المواطنين مسئولية عمل حكومتهم ويجعلهم أكثر ميلا إلى المشاركة.

الدرس الرابع هو أن النجاح في هذا العالم المترابط يعتمد على المزج بين الاندماج والاستقلال. فسويسرا ناجحة لأنها مندمجة في أوربا مع حفاظها على استقلالها.

سويسرا بعبارة أخرى قادرة على أن تكون نموذجا للولايات المتحدة الأوربية التي يعتقد كثير من المعلقين والكتاب من أمثال يورجن هابرماس وأمبرتو إكو وكثير من الساسة من أمثال فرانسوا هولاند وماريو مونتي وأنجيلا ميركل أنها لازمة للتغلب على الأزمة الأوربية. وعلى المستوى ما فوق الوطني، يستطيع النموذج السويسري أن يخلق اتحادا سياسيا بدون فرض قسري للتجانس بين الثقافات والهويات والقوانين. يمكن أن يخضع الاتحاد الأوربي لإدارة مجلس كالذي يدير سويسرا دون أن يكون له قائد فرد. وبدلا من الحكم من أعلى ـ وهو ما لا يزال على بعد سنوات ضوئية من المواطنين الأوربيين ـ  يمكن أن تضع الحكومات عددا كبيرا من القضايا أمام الاقتراع الشعبي المشترك في جميع الدول الأوربية السبعة والعشرين. مثل هذا الاقتراع كفيل بتعزيز مشاعر الانتماء إلى مجتمع واحد، والمصير الواحد، والهوية الواحدة. كما يخلق أيضا ذاكرة تاريخية مشتركة أكثر تماسكا. ولو أن ما تحظى به سويسرا من استقرار وسلام ورخاء هو الهدف، فقد آن الأوان لأوربا أن تقتدي بهذا النموذج.

 

نشر الموضوع أصلا في فورن أفيرز ونشرت الترجمة اليوم في جريدة عمان