الاثنين، 1 أبريل، 2013

لماذا أكره أسطورة الفنان البائس؟



لماذا أكره أسطورة الفنان البائس؟
آل كينيدي





شيء عبثي ومهين أن يفترض البعض ـ أو الكثيرون ـ أن الفنانين يجدون في اليأس والجوع نفعا لا يجده فيهما السباكون مثلا.
المعاناة. هذه إذن كلمة لها علاقة بالفن. أو لعلكم تظنون هذا.
اسمحوا لي الآن أن أخرج عن الموضوع قليلا لأعتذر مرة أخرى عن عدم انتظامي في الكتابة في هذه المدونة. لقد كان سبب هذا الانقطاع الطويل هو اضطراري إلى السفر كثيرا، واضطراري أيضا إلى إنجاز أعمال تأخرت في إنجازها في موعدها بسبب المرض. لقد كنت أبذل مجهودا رهيبا بالنهار بسبب السفر والكتابة، ثم أبذل مجهودا رهيبا أثناء الليل في المزيد من الكتابة. ولكنني الآن لم أعد قادرة. بات جسدي أشد هشاشة من كابوريا، وباتت قدرتي على الاحتمال أقل من قدرتها، وذلك يحد كثيرا من كم الأعمال التي يمكنني إنجازها في فترة الأربع والعشرين ساعة التي أعاني فيها من ألم الـ ، حسن، إنه الألم وحسب، غير مضاف إليه أي شيء. حين يكون الصداع الطاعن هو الذي ينبئني تحديدا بنهاية الوقت المحدد للعمل.
كل ذلك لأقول إنني كنت أبذل كل ما في وسعي لكي أتفادى المعاناة.
إنني أحاول الكتابة منذ ربع قرن على الأقل، ويمكنني القول بكل تأكيد، ومن واقع خبرتي، أن المعاناة إلى حد كبير للغاية ليس لها أي نفع لأي شخص، وهي بالقطع ليست شرطا لازما للإبداع. لو أن فنانا استطاع أن يأتي على شيء مريع فيحيله إلى فن، فذلك لأن الفنان فنان، لا لأن في كل شيء مريع بالضرورة فنا.
ولتجرب أيها القارئ أن تضرب قدمك الحافية بقوة في أقرب جدار إليك. خذ وقتك، يمكنني أن أنتظر ... والآن قل لي عما تشعر به من إبداعية. أراهن أنك لا تشعر إلا بتشوش في عقلك، ووجع في رجلك، أليس كذلك؟
أقول كل ذلك لأنني كنت مؤخرا برفقة منتج سينمائي. (عارفة، هذا لا يدعم كثيرا زعمي بأنني أتجنب المعاناة) لم تكن بيننا أية علاقة مهنية على الإطلاق، ومن ثم فقد راح يدردش عن الحياة والفن بطريقة لا أراها أبدا بين الناس الذين لا توجد بينهم علائق قوية. ومن ثم فقد أبقيت أسناني قابضة وقابضة على حافة فنجان قهوتي، بينما المنتج يحكي لي كل شيء عن ضرورة أن تكون في حياة جميع المبدعين على اختلاف أنواعهم فظاعات كثيرة.
كنتم افتخرتم بي والله وأنا لا أسدد له أية لكمة طوال الحديث. فمن الخطأ ـ على فكرة ـ أن تسدد لكمات للناس. هذا يجعلهم يتألمون، أي يعانون، والمعاناة ليست شيئا لطيفا.
الراحة والنجاح ـ من وجهة نظره ـ مزيج قاتل، سم حقيقي، ففرقة "ذي ستونز" لم تنتج أي أغنية جيدة بعدما اغتنى أعضاؤها، وفان جوخ لم يحقق النجاح إلا بسبب مرضه العقلي، وتعرضه للتهميش الشديد، وقطع الأذن، وفي واقع الأمر ...
لم يجد المنتج السينمائي أية أمثلة أخرى، ولكنه مع ذلك كان على قناعة بأن المرء لو لم يتعرض للألم، لما أنتج شيئا ذا بال. وهو ليس وحده في التمسك بهذا الإيمان. ففي التليفزيون والسينما يصورون الفنانين دائما وهم يلحون على مسألة العذاب هذه. والتغطية الصحفية للفنون لا تكون أشد حماسة مما تكون عليه حينما  تقع يدها على "معركة مع الشياطين" أو محاولة انتحار على أقل تقدير. وذلك يرجع جزئيا إلى أن وسائل الإعلام المختلفة تنطلق من افتراض راسخ بأن الفنون في ذاتها غير مثيرة للاهتمام ـ على الرغم من كل هذه المعارض والحفلات الموسيقية والأغنيات والقصائد والروايات والقصص المصورة وتصميمات التيشيرتات. أما الكآبة ففاتنة، وكلنا نتذكر كيف أننا نستمتع أشد المتعة بالوقت الذي نقضيه مع مكسوري الجناح والمكتئبين، وكيف أننا نجد فيهم جاذبية، ونحصل منهم على دعم عاطفي ووجداني لا حدود له. إنه شيء عبثي ومؤسف أن نفترض أن نحت تمثال يستفيد من الجوع والحزن بينما لا تستفيد منهما السباكة. والحق أنني لا أجد سببا واحدا يحملنا على الظن بأن السباك بطبيعته أقل حساسية من الفنان، أو أن شخصا تفترضون أنه أكثر حساسية من الإنسان العادي لن يتهاوى جسمه بسبب الحزن. الحق أنني أرى من القسوة أن يتصور أحد أن أحدا يستفيد من هذه العقوبات. والهراء الثقافي الذي يربط أداء وظيفة في عالم الفن بخطر التعرض لمثل هذه العقوبات هو في حقيقته ربط سلبي للغاية، إذ هو يفصل الفن عن الناس الذين يمكن أن يستمتعوا به أو يقوموا بإنتاجه.
لو أننا تتبعنا هذه الطريقة في التفكير وصولا إلى نتائجها المنطقية، لكان من المنطقي أن نفترض ضورة وجود فيضان من الفن يقبل علينا قادما من لدى المتقاعدين. فهؤلاء سيجدون إلهاما كبيرا في حياتهم التي يعيشونها تحت خط الفقر حيث يحتضرون في شهور الشتاء الباردة. هذا، أو أن يستلهموا من غضبهم العارم، غضبهم الناجم عن انتمائهم إلى جيل هو الذي أنقذ بريطانيا من النازية وأقام دولة الرفاه، ثم إذا به في نهاية العمر يلقى هذا العذاب على أيدي أعضاء في البرلمان ما هم أكثر من لصوص أنانيين. ولعلهم أيضا لا يخلون من المرض: التهاب المفاصل على الأقل. بوسع طريقة المنتج السينمائي في التفكير، وهي طريقة مثيرة للشفقة في واقع الأمر ـ بوسعها إن نحن أتحنا لها الفرصة أن توحي بأنه لو كانت إنتاجية  "سي إس لويس" قد ازدادات بسبب موت زوجته، وإنتاجية "إريك كليبتن" بسبب فقدانه ابنه، أو إن كان حال بريتن قد تحسن بعد موت أمه، فلا بد أن فقد الأحباب بالموت (الآن قبل الغد) ضمان أكيد للنجاح المهني. إنني كاتبة، ومن أشد المعجبين بتشيخوف وروبرت لويس ستيفنسن، ومن ثم فربما يكون لزاما علي أن أجرب الإصابة بالسل. سيكون ذلك بالطبع أمرا جنونيا ـ ولكن في أية مرحلة يا ترى سنسمع من يقولون إن الجنون أيضا من لوازم الفن الجيد؟
أسطورة الفنان المعاني جزء من أسطورة أكبر تقول إن الغرق في الهوان يفضي بطريقة أو بأخرى بالمساكين و/أو النادرين إلى التطهر والتسامي والرقي من ثم إلى المجد. فمن لم يكن المجد مصيره من هؤلاء فذلك لأنه لا يستحق المجد، إنما هو جدير بالسقوط. وهؤلاء سوف تسحقهم الداروينية الاقتصادية وهم جديرون بهذا السحق. مثل هذه الضغوط لا يمكن ـ بطبيعة الأمور ـ أن تنطبق على اللطفاء ممن يقابلهم ديفيد كاميرون في الحفلات أو الذين زاملهم في المدرسة، لأن هذا الضغط لن يروق لهم. ولأنهم قد ينسحقون تحت وطأته. مثل هذا التفكير يقسم البشر إلى فئتين، فئة الأكثر بشرية وفئة الأقل بشرية. في حين أن الفن يفعل العكس، وفي هذا فيما أفترض سر الإصرار الممأسس على المعاناة الفائقة المقصورة حصرا على الفنانين. فالمعاناة هي التي تجعل الفنانين يلزمون الصمت، مثلما تجعل أي شخص سواهم يضعف ويهن وينكتم صوته.
ومثلما ذكرت في موضع آخر، فإن إبداع الفنانين في الحياة هو الذي يمكنهم من احتمال الأوقات العصيبة. وهم يستخدمون وسوف يبقون يستخدمون صنعتهم لتحويل ما يستطيعون تحويله من آلام الحياة ومخاوفها إلى أشياء حية يمكن تداولها بين الناس. وذلك قد يكون أمرا جميلا ونبيلا، شأنه شأن أي انتصار يحققه أي شخص على الشدائد. ولكنه لا يعني بأي حال أن ثمة من هو بحاجة إلى الهوان والمعاناة.
المشكلة شبه الشخصية التي تواجهني مع أسطورة الفنان والمعاناة تظهر حينما أقابل الشباب من الكتاب والكاتبات وأرى أن أعينهم معلقة بالمعاناة أكثر مما هي معلقة بالكتابة. قد يبدو أن ارتداء الأسود، والاكتئاب والدخول في علاقات معروفة النهاية، قد يبدو تحول المرء إلى شخص لا يود أحد مجاورته في أتوبيس، هو الطريق السريع إلى الناجح في عالم الكتابة. طبعا، ألا يعني وجود الكثير من الكتاب الغارقين في مآس فاتنة والذين يعلو وجوههم الكثير والكثير من الندوب، أليس ذلك معناه أن في الندوب خلاصا لنا، لأنها التي ستوفر علينا بذل أي  جهد ينبغي أن نبذله؟ حسن، الإجابة هي بالنفي. فالحق أنه بدون الجهد والتركيز والتطور، لن تكون لدينا مهارات لنعرض من خلالها ولو غروبا ورديا. ثم إنني ـ قبل كل ذلك وبعده ـ أكره أن أرى الناس تعساء، ورؤية الناس التعساء أمر يبعث فعلا على الحزن. ووجود كاتب حزين وتعيس في حين أنه يكتب كل هذه الأعمال الجليلة والرائعة ثم لا يجد مكافأة من الحياة ... حسن، هذا أمر يتجاوز حدود الإجرام.
لو جلس الكاتب الناشئ فقط، وكتب، فإنه يوما بعد يوم سيصبح نفسه، سيصبح سعيدا، وقد ينتج أشياء يحبها غيره من الناس ويشعرون بسببها بالسعادة. وهناك في هذه الحالة المزيد، هناك بذل الجهد نفسه، هناك إرغام الجمل على مزيد من البريق، هناك التيه وسط أنصاف الأفكار وشعور المرء بأنه أحمق كبير، ووحيد، وخائف ـ إن في ذلك كله من المعاناة ما يكفي الكاتب ويزيد. ثم إنك حينما تعمل جيدا طول النهار، فإنك تتعب. وهذا إحساس عظيم. لأنه لا يأتي إلا ممتزجا بالكرامة. لقد بذلت أقصى جهدك، ولعلك في ثنايا ذلك تعلمت شيئا جديدا، وإذا لم يصادفك النجاح اليوم، فربما في الغد. من يعرف أين أو متى ينتظره الخير. فإلى الأمام.


نشرت هذه الترجمة في جريدة عمان بتاريخ 24 ابريل 2012 ، ونشر الأصل في مدونات الجارديان على الأرجح