الثلاثاء، 19 فبراير، 2013

الخواء الفكري

قمة باريس تثبت أن أوربا بحاجة إلى مفكرين جدد

الخواء الفكري

أولرتش فيختنر


روجوا لها باعتبارها قمة أيقونات مفكري أوربا الثقافية، ومحضر المفكرين القادرين بما لديهم من عقول نافذة على إنارة الطريق تجاه حل أزمة القارة. لكن إذا كان محفل الكبار الأخير في باريس قد أثبت شيئا فهو أن القارة بحاجة ماسة إلى مفكرين جدد.

 

لوقت طويل، كان مسرح روند بوا في باريس حلبة تزلج على الجليد من النوع الذي كان منتشرا في كبريات المدن الأوربية. هنالك كان الرجال يرتدون ستراتهم ويحكمون الربطات حول أعنقاهم والسيدات تخطرن في الفساتين، وتتزلج البرجوازية الباريسية ما طاب لها التزلج مهما تكن هشاشة أوضاع العالم بالخارج. ومر زمان طويل قبل أن يتحول هذا المبنى القائم في شارع الشانزليزيه إلى المسرح الذي لا يزال عليه إلى اليوم. إلى أن احتشد جمع من الناس يوم الاثنين الثامن والعشرين من يناير الماضي على خلفية المعمار الفني الجميل وراحوا من جديد ينزلقون على الجليد، ولو مجازا على الأقل.

كان ذلك في فعالية عنوانها "أوربا أم الفوضى؟" وضم برنامجها  معرضا متكاملا لمشاهير المفكرين. كان في صدارة القائمة الفيلسوف برنارد هنري ليفي الذي استضافته الإذاعة في صباح ذلك اليوم ليقرع الطبول لنفسه ولأصحابه ومن بينهم الكاتب الإيطالي أمبرتو إكو وزميله المجري جيورجي كونراد والصحفي الأسباني خوان لويس سبريان والمحللة النفسية البلغارية الفرنسية جوليا كرستيفا إلى جانب كاتبين ألمانيين هما بيتر شنيدر وهانز كريشتوف بوخ. قال ليفي في البرنامج الإذاعي إنهم جميعا سوف يدقون جرس الإنذار في مساء ذلك اليوم داعين إلى إنقاذ أوربا.

وذلك على وجه الدقة هو ما جرى.

حسن، في الواقع أن ما جرى في ذلك الاجتماع لم يكن بالضبط إنقاذا لأوربا بقدر ما كان إقامة لمراسم دفنها تحت وابل من الصخب والنوستالجيا والتباكي على الماضي المجيد. فلقد تصاعدت فقاقيع الإشارات التاريخية إلى أثينا ("مهد الديمقراطية") وروما ("منبع الدولة الدستورية") من فم ليفي الذي كان يرتدي أحد قمصانه البيضاء التي تمثل علامته التجارية الفريدة والتي يحرص أن يفك أزرارها حتى المنتصف، والتي يكويها له خادمه الخاص في بيته بـ سان جرمان.

أتى الحاضرون في تعليقاتهم على ذكر جوته وهيردر وهوسرل وفولتير وبوشكين وفرويد وأديناور ودي جول، وشومان ودي جاسبري. وفي مواجهة الإفراط في ذكر الأسماء تبين للجمهور أن خير صديق لهم في محنتهم تلك هو الهاتف الذكي وجوجول.

وأمبرتو إكو؟

أوربا ـ حسب ما قال الشعراء والمفكرون ـ وكأنهم قرأوا قبيل الفعالية بدقائق بضع مقالات عنها في ويكيبديا ـ هي رمز التنوير والإنسانية والقيم الإنسانية والفصل بين الكنيسة والدولة. وإن أوربا لتفخر في واقع الأمر ـ حسب ما قال شنيدر في فرنسية مكسرة ـ بـ "أنبل الثقافات في العالم". وأمبرتو إكو؟ قرأ نصا طويلا باروكيا محيرا قوبل بحفاوة هزيلة، وتائهة إلى حد ما. وجيورجي كونراد؟ غمغم بكلام عن "الثنائيات القديمة القاتلة" التي لا تزال مستمرة في أوربا، وعن الصراعات بين الشرق والغرب وبين الشمال والجنوب وما إلى ذلك وما شاكله ولف لفه

الأبيض والأسود

كان قد سبق تلك الندوة بيان وقع عليه سلمان رشدي وأنطونيو لوبو أنطوني وغيرهما من طبقة نبلاء الثقافة الأوربية ونشر في لو موند وإل باييس قبل أيام قليلة. وجاءت الجمل الأولى في البيان تقول إن "اوربا ليست في أزمة وحسب. إن أوربا تحتضر. أوربا الفكرة، أوربا الحلم، أوربا المشروع". ويستمر البيان بنبرة الأبيض والأسود هذه. والأسئلة المطروحة اليوم ـ هي بحسب البيان ـ "الاتحاد السياسي أم البربرية؟" بل وهناك ما هو أدهى: "الاتحاد السياسي أم الموت؟".

غريبة. لقد كان الغرض الاجتماعي من اجتماع المفكرين هو التشريح الهادئ للعالم، لكنهم غفلوا عن ذلك وانهمكوا في مجرد مكلمة. ولقد كان الكلام في حلقة باريس النقاشية وفي البيان متشابها في طفوليته ومبالغاته وامتلائه بالحجج الزائفة. ففي البيان أوربا "تتداعى في كل موضع، من الغرب إلى الشرق، ومن الشمال إلى الجنوب. والشعبوية والشوفينية من كل صنف ولون في صعود".

وهذه بوضوح قارة غير التي يعيش فيها أغلب الأوربيين لا يداخلهم الشك تجاهها. أما سيناريو الويل والثبور وعظائم الأمور الذي يرسمه المفكرون فلا يأتي على ذكر حقيقة مفادها أن الشعبويين المناهضين للأوربية يخسرون أرضيتهم في كل انتخابات برلمانية ذات شأن في شتى أرجاء أوربا، وأحدث مثال على ذلك هو الذي شهدته هولندا. كما أنه لا يغض الطرف عن حقيقة أن الساسة ـ دونما رؤية ربما ولكن بإصرار عظيم ـ قلقون على هذه الأوربا منذ سنين. ولو أن ذلك كله بلا قيمة، فإن هذا السيناريو يتجاهل حقيقة أن دولا بأكلمها قد أعادت صياغة أنفسها وإصلاحها في رد فعل إيجابي على ضغوط الاتحاد الأوربي، وأن اضطهاد روما في فرنسا بات موضع إدانة دولية، وأن قوانين الرقابة على الإعلام تلقى حربا ضروسا في المجر، وأن ناسا كثيرين باتوا قادرين على العثور على عمل .. وكل ذلك بفضل الاتحاد الأوربي.

ويتساءل البيان عن اليورو نفسه، أي العملة التي بين أيدينا، وعما إذا "لم تكن في نهاية المطاف مجرد وهم"؟ حسن، هذا السؤال الخطابي هو في نهاية المطاف سؤال يفتقر إلى الأمانة من الناحية الفكرية، علاوة على أنه وقبل كل شيء سؤال شعبوي. وذلك لأن أعجب جوانب هذه الأزمة، على الرغم من أن العكس هو الذي يُصب صبا على رءوس الناس ليل نهار، هو أن اليورو، أي النقود، ليس في واقع الأمر في أزمة. فهو في جيوب الأوربيين، وبمنتهى البساطة قادر على العمل، ويمثل فعلا وسيلة دفع خالية من أية إشكاليات.

إنما الذي في أزمة بحق فهو النظام والقاعدة اللازمان لدعم استقرار العملة. وذلك هو الذي كان موضعا للجدل منذ سنين، وهو الذي كان ينبغي أن يكون موضعا للكلام في باريس. وهذا هو المجال الذي ينبغي أن يكون للمفكرين فعلا  إسهام في رحابه ـ شريطة أن يكونوا عازمين حقا على الاطلاع على المعلومات اللازمة ـ فتكون كل مقترحاتهم موضع ترحيب. لكن المشكلة أنه ليس لديهم شيء. فلقد شطح ليفي في تلك الليلة إلى درجة القول بأن الأسواق لن تجد أي دور تلعبه على الإطلاق إذا اتسم العالم السياسي بما يكفي من الفطنة. وإن للأمريكيين طريقة في الرد على هذا النوع من الكلام الفارغ إذ يقولون: "ريلي؟ [والله؟!]".

بيانات لا ترى الواقع

لم تأت على ندوة باريس لحظة فانشغل بالعالم الواقعي. لم يعالج حقيقة أن نصف الشعب الأسباني يعاني البطالة، أو أن المستشفياتن في اليونان لا تعالج العائلات ما لم تحصل على المقابل نقدا، إن هي عالجتهم من الأساس. لم يذكر أحد أن الفرنسيين والأيرلنديين والتشيك والبولنديين والبرتغاليين خائفون من الغد ومما سوف يأتي به، وهل سيجدون لأنفسهم عملا، وهل ستسوء الأمور على أولادهم من بعدهم أكثر مما هي سيئة بالفعل. النقاش في باريس لم يكن عن البنوك وأسواق الأوراق المالية والعمل والحياة اليومية ووقائع الحياة نفسها. فلم تمض نصف ساعة إلا ومن المتابعين من ينتظر نهاية الأمسية.

وبالطبع، أمر بسيط للغاية ولا يكلف المرء شيئا أن يسخر من المفكرين وغرورهم. ولكن السخرية في هذه الحالة شهادة على الحب المجروح، وهذا تعبير يقصد به خيبة الرجاء التي استشرت وسط زوار مسرح "رون بوا" بينما الأمسية تمضي في تثاقل. فلو أن عظماء مفكري العصر، وأوسع كتابه انتشارا، وأكثر مفكريه إثارة للإعجاب لا تتوصل عقولهم فيما يتعلق بالأزمة الأوربية إلى أكثر من ذكر جوتة وعصر التنوير وروما بطريقة ما، ولو أن تعليقاتهم تبدو وكأنها مكتوبة لخطبة سياسة انتخابية مثلا ، فلا بد لأوربا أن تكون في حالة مزرية، بل ربما في حالة أسوأ من التي لا تكف عن وصفها صحف الإثارة بصفة يومية.

لقد بقيت مجموعة باريس تؤكد ـ بمختلف التراكيب ـ ما يقوله الساسة الأوربيون منذ عشرين عاما، مستشهدين بصورة شبه حرفية بما نصت عليه معاهدة مساتريخت[i] من أنه: لا بديل لأوربا، دون أن يصدر عن أحد منهم  قول متماسك مفهوم راسخ يبين السبب في هذا. والخيار الوحيد الذي تركوه متاحا هو إطلاق التحذيرات الجهمة مثلما كان من أمر مبادرة المواطنين المفكرين برئاسة برنار هنري ليفي بتعبيرها الآسر : "الوحدة السياسية أو البربرية"، "الوحدة السياسية أو الموت".

ولكن هذا يعني أنهم أيضا ليست لديهم أية فكرة عن السبب الذي يجعلنا اليوم بحاجة إلى أوربا. كل ما يعرفونه ـ شأنهم في ذلك شأننا جميعا ـ هو أنهم ما عادوا راغبين في الأشياء السلبية الكامنة في النظام القديم، ولكنهم يريدون بطريقة ما الإبقاء على جوانبه الإيجابية.

وفي باريس، قام الأسباني سربيان ـ المؤسس المشارك ورئيس تحرير إل باييس العتيد ـ باتخاذ خطوات متردد في هذا الاتجاه، فقال إن المرء قد يتخذ نهجا أكثر "عملية" إلى حد ما مشيرا إلى برنامج إراسموس Erasmus  للتبادل الطلابي بوصفه مثالا يحتذى، قائلا إنه يناصر المشاريع الموجهة للمتدربين وربما للعمال الموسميين بحيث لا تبقى أوربا مجرد شيء لا تعرفه إلا نخبة المثقفين.

الخلاصة: أوربا بحاجة إلى مفكرين جدد

سبريان

سبريان كان الوحيد الذي أتى على ذكر عالم العمل. وما كاد ينتهي من كلمته حتى عاد كانط وشكسبير وشيلر وموتسارت إلى اعتلاء خشبة المسرح. وليس من المرجح أن يتسنى لهؤلاء إنقاذ أوربا. ولكن ذلك لم يكن مطروحا أصلا كهدف للأمسية. فلقد كان متصدرو خشبة المسرح مهتمين باتخاذ وضعية الإنقاذ، ولو كانوا متأخرين عامين أو ثلاثة، ولو أنهم أيضا كانوا دائمي التنبؤ بقرب زوال أوربا.

جوليا كرستيفا

وفي بعض اللحظات كنت تجد نبرة كالتي سادت الثلاثينيات من القرن الماضي وكأنما هناك هتلر جديد على الأبواب. ولكن هذه المخاوف فيما يبدو تفتقر إلى أي أساس، وذلك بالدرجة الأساسية، وحسب ما قالت جوليا كرستيفا ببراعة، لأن فكرة "عقيدة الأمة" تبددت إلى حد أن طبيعتها الإجرامية نفسها قد اختفت.

ولعل من بين ما أسفر عنه لقاء القمة في باريس هو أن أوربا ناجحة وجديدة هي أوربا تحتاج إلى مفكرين جدد، أو مفكرين عازمين على ترك المعارك القديمة ترقد في سلام والنظر أخيرا إلى المستقبل. وأمثال هؤلاء موجودون، والأمر أنهم ربما لم  يتلقوا دعوات إلى الأمسية. شخص مثل جاك أتالي كان ليمثل إضافة إلى النقاش. فهذا الفرنسي الذي كان مستشارا للرئيس السابق فرانسوا ميتيران رجل من رجال القرن العشرين ولكن لديه أفكاره الطازجة المثيرة للاهتمام فيما يتعلق بالقرن الحادي والعشرين. كما أنه قدم واحدة من أفضل النصائح الرافضة لليأس حول الكيفية التي ينبغي أن يتعامل بها المرء مع العالم من حوله.

ففي كلمة له أمام اليونسكو ـ وهي الأخرى منظمة غير غريبة على الإحساس المرهق بالأزمة ـ قال أتالي إنه لم يعد يسمح لنفسه أن ينساق بقوة من التشاؤم أو التفاؤل. فكلاهما ـ بحسب ما قال ـ يمثلان موقفين يليقان بمتفرج في المدرجات، ينتظر من اللاعبين أن يفعلوا، شاعرا بالخوف أو الرجاء المعلق بهم. قال أتالي إننا معشر البشر لسنا متفرجين  وإنما نحن اللاعبون. وأضاف أننا شأن كل اللاعبين الجيدين نكون أفضل حالا إن قاتلنا وعملنا حتى انطلاق الصافرة الأخيرة بدلا من أن نبقى أسرى مخاوفنا وآمالنا.

وكيف يكون رد فعلنا إزاء أولئك الذين لا يكفون عن الكلام إلينا بسيناريوهات الويل والثبور وعواقب الأمور والاستشهاد بجوتة وشكسبير؟ علينا أن نخرج لهم ألسنتنا أو أن نرفع في وجوههم آنافنا.

دير شبيجل في 6/2/2013 ـ الترجمة إلى الإنجليزية لكرستوفر سلطان



[i] ويكبديا: الاتفاقية المؤسسة للاتحاد الأوروبي وأهم تغيير في تاريخه منذ تأسيس المجموعة الأوروبية في نهاية الخمسينات. تم الاتفاق عليها من قبل المجلس الأوروبي في مدينة ماسترخت الهولندية في ديسمبر 1991.