الأحد، 16 مارس 2008

هل الأمريكيون أغبياء أم شديدو الغباء؟

كاتبة أمريكية تتساءل:

هل الأمريكيون أغبياء أم شديدو الغباء؟

باتريشيا كوهين .. نيويورك تايمز

في واحد من أكثر تسجيلات الفيديو مشاهدة على موقع يوتيوب الإلكتروني، تظهر كيلي بيكلر ـ وهي الشقراء التي أحبهها الجمهور الأمريكي من خلال برنامج أمريكان آيدول ـ في برنامج مسابقات على قناة فوكس اسمه "أنت أذكى أم تلميذ في الخامس الابتدائي؟". تم اختيار سؤال من منهج الجغرافيا لصف الخامس الابتدائي، وكان هذا هو السؤال الذي يحصل من يجيب عليه على خمسة وعشرين ألف دولار: بودابست عاصمة أية دولة في أوربا؟

رفعت بيكلر كلتا يديها بمجرد أن سمعت السؤال ونظرت إلى سبورة سوداء كبيرة في حيرة بالغة. ثم قالت: "أنا كنت أحسب أن أوربا دولة"، والتزاما بالحذر، اختارت بيكلر إجابة اقترحها عليها طفل متفوق في الصف الخامس. قالت بيكلر"المجر" ثم قالت وعيناها زائغتان: "أهذه دولة؟ أنا سمعت عن تركيا. ولكن المجر؟ هل هذه دولة".

مثل هذا الجهل بالعالم هو الذي حدا بسوزان جاكوبي مؤلفة "عصر اللاعقل الأمريكي" إلى تأليف هذا الكتاب الذي يأتي ضمن عدد من الكتب الأمريكية التي صدرت مؤخرا لتظهر الأسف والحسرة على حال الثقافة الأمريكية. بكتابها هذا تنضم سوزان جاكوبي إلى فريق كبار المسنين العصبيين، مع إريك ويلسن بكتابه "ضد السعادة" الذي يحذر فيه من "هوس الأمريكيين بالبحث عن السعادة" والذي "قد يفضي إلى انقراض فجائي للدافع الإبداعي، مما قد يفضي بدوره إلى فناء كالذي يمكن أن يؤدي إليه ارتفاع درجة حرارة الأرض والأزمات البيئية والانتشار النووي".

وفي هذا الفريق أيضا، "لي سيجل" بكتابه "ضد الآلة: أن تكون إنسانا في زمن الشبكة الإلكترونية"، وفي هذا الكتاب يصب سيجل جام غضبه على الإنترنت التي تشجع على التوحد، وتقلل من قيمة الحوار، وتعلي من القيم التجارية. ويجدر بنا أن نتذكر أن مجلة ذي نيوريببليك قد أوقفت سيجل عن العمل في مدونة تابعة لها، بعد أن اكتشفت أنه يستخدم اسما آخر ليهاجم منتقديه: "أنت شخص لا يرقى إلى ربط حذاء سيجل" أو ليمدح نفسه: "ماذا تعرف أنت عن سيجل؟ سيجل الشجاع، سيجل العبقري".

على أية حال، لا يركز كتاب جاكوبي على تقنية معينة مثل الإنترنت كما في كتاب سيجل، أو عاطفة محددة مثل السعادة كما في كتاب ويلسن، بل يركز كتابها على ما تستشعر جاكوبي أنه عداء عام للمعرفة. تقول سيجل البالغة من العمر اثنين وستين عاما: "إنني أتوقع الهجوم. فقد ينتقدني البعض ولا يرونني إلا عجوزا تقرع الشباب على جهلهم، أو يرونني امرأة علمانية تدافع عن العقلانية العلمية كسبيل للإقلال من شأن الدين".

ولكن جاكوبي سرعان ما توضح أن التهمة لا تقتصر على الشيخوخة أو الأيديولوجية. فهي تعرف أن ديدان الكتب طالما تعرضوا للسخرية على طول التاريخ الأمريكي. وأن الكتاب الليبراليين والمحافظين ـ بدءا من ريتشارد هوفستادتر إلى آلن بلوم طالما بحثوا هذه الظاهرة وقاموا بتحليلها واقترحوا لها الحلول.

يقول المؤرخ الثقافي جاكسن ليرز رئيس تحرير فصلية راريتان: "إن النزوع إلى هذا النوع من البكائيات على الثقافة أساسيٌّ في الثقافة الأمريكية، وإنه غالبا ما يصاحب احتدام المشكلات السياسية أو تجمدها، ففي حالات كتلك، يلتفت الكثيرون إلى القضايا الثقافية".

ولكن سوزان جاكوبي تقول شيئا آخر ـ بل شيئا معاكسا، وهو أن ثمة معاداة للفكر والثقافة، حيث يرى البعض أنه "كلما ازداد المستوى العلمي كلما ازداد ذلك خطورة"، وأن ثمة معادة للعقلانية، حيث يرى البعض أنه لا وجود لما يسمى بالأدلة والحقائق وإنما هي مجرد وجهات نظر، وإن كل ذلك ـ في رأي سوزان جاكوبي ـ قد اختلط معا في مزيج شديد الإغواء، ومن ثم شديد الخطورة. وذلك لأن الأمر لا يتوقف عند حد جهل الأمريكيين بما هو أساسي من المعارف العلمية والمدنية والثقافية، بل إنهم ـ كما ترى سوزان جاكوبي ـ لا يشعرون بأن تلك المعارف مهمة أو ذات قيمة.

تشير الكاتبة إلى استطلاع للرأي أجرته مجلة ناشيونال جيوجرافيك عام 2006 وتبين منه أن قرابة نصف الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و24 سنة لا يرون أنه من الضروري أو المهم أن يعرف المرء مواقع البلاد التي ترد أسماؤها في نشرات الأخبار. وقد تبين من الاستطلاع نفسه وبعد ثلاث سنوات من بداية حرب العراق أن 23% فقط من الحاصلين على شيء من التعليم الجامعي هم الذين يستطيعون تحديد مواقع العراق وإيران والسعودية وإسرائيل على الخريطة.
كانت سوزان جاكوبي ترتدي ثوبا ورديا براقا، وتضع طلاء شفاه مناسبا، وتجلس في معبد المعرفة الكائن في مكتبة نيويورك العامة بالشارع الخامس، فسوزان جاكوبي التي سبق لها أن ألفت سبعة كتب هي زميلة للمكتبة، وفيما هي جالسة هناك في زيها الوردي، واتتها فكرة تأليف ذلك الكتاب، وكان ذلك في الحادي عشر من سبتمبر عام 2001.
وفيما كانت سائرة إلى شقتها، وجدت نفسها غارقة في الأفكار إلى درجة الارتباك، فعرجت على حانة قريبة، وفيما كانت ترشف مشروبها، أخذت تصغي إلى رجلين يرتدياتن سترتين أنيقتين، حيث ظنت لوهلة أنهما سوف يقارنان بين الهجمات الرهيبة التي وقعت في ذلك اليوم وبين التفجير الياباني الذي أدخل أمريكا الحرب العالمية الثانية عام 1941.
قال أحدهما: "ما أشبه ما حدث اليوم بميناء بيرل "

قال الثاني: "وماذا يكون ميناء بيرل هذا؟"

فقال الأول: "ذلك هو الميناء الذي قصفه الفييتناميون، فبدأت على إثر ذلك حرب فييتنام الشنيعة".

في تلك اللحظة قررت سوزان جاكوبي أن تكتب هذا الكتاب. وهي لا تأمل أن يؤدي كتابها إلى ثورة في النظام الأمريكي للتعليم أو يجعل ملايين الأمريكييين يغلقون التليفزيون عندما يبدأ برنامج "أمريكان آيدول" ويتناولون كتب شوبنهاور. ولكنها تريد لكتابها أن يستهل حوارا حول السبب الذي يجعل الولايات المتحدة تبدو على هذا الوضع المزري من معاداة الثقافة والمعرفة. فالمعرفة كما تقول لا تتوقف عند الحدود الأمريكية، والطلبة في البلاد الأخرى يتفوقون على نظرائهم الأمريكيين في الرياضيات والعلوم والقراءات وفقا للاختبارات التي تقارن بين هؤلاء وأولئك.

يرجع السبب جزئيا في ظنها إلى إخفاق النظام التعليمي. فمع أن الناس يقضون في المدارس والجامعات عدد متزايدا من السنوات إلا أنهم ـ كما تقول جاكوبي ـ لا يزدادون معرفة. كما تلوم جاكوبي الأصولية الدينية ومعاداتها للعلم، وتبدي أسفها وحسرتها على استطلاع الرأي الذي أثبت أن ثلثي الأمريكيين يؤيدون تدريس نظرية الخلق اللاهوتية جنبا إلى جنب مع نظرية التطور.

ولا ينجو الليبراليون من تحليل جاكوبي، إذ إنها تشير إلى هجمة اليسار الجديد على الجامعات في ستينيات القرن العشرين، وحصرهم الدراسات الأفروأمريكية في جيتو أكاديمي بدلا من دمجها في المنهج الجامعي العادي.
وبرغم مكانتها العلمية الرفيعة، إلا أن سوزان جاكوبي تقول في كتابها إنها تدرك مبلغ الصعوبة في تغيير ثقافة المتعة الدائمة على مدار الساعة. فقد شاركت هي نفسها منذ بضع سنوات في حملة سنوية لإغلاق التليفزيون لمدة أسبوع،و"لقد أذهلني مدى صعوبة أن ألتزم أنا بذلك".

اندهشت إذن سوزان جاكوبي من مدى اعتمادها على الوسائل البصرية والإلكترونية، وقد جعلتها هذه الدهشة تدرك مدى اتشار ثقافة التشتيت القائمة اليوم ومدى سطوتها على الجميع، بلا استثناء حتى لديدان الكتب.