الثلاثاء، 8 يناير 2013

دريدا الفيلسوف الضد



دريدا الفيلسوف الضد

تيري إيجلتن


في مايو سنة 1992، اجتمع أساتذة جامعة كمبردج للاقتراع على ما إذا كانوا سيمنحون درجة الدكتوراة الفخرية للفيلسوف الفرنسي جاك دريدا، مؤسس ما يعرف بالتفكيكية. وعلى الرغم من حملة تشويه سريعة وبارعة شنتها المعارضة، تسيد أنصار دريدا الموقف. ولسوف يكون من المثير للغاية أن نعرف كم من هؤلاء الذين حاولوا إغلاق الباب دون اسمه قد قرأ له كتابا واحدا أو حتى بضع مقالات.
الحق أنهم ما كانوا بحاجة إلى ذلك. فلقد كان شائعا أن متعهد توريد اللغو الفرنسي المساير للموضة لم يكن غير أفاق عدمييؤمن أن أي شيء يمكن أن يكون أي شيء وأنه ليس في العالم من شيء إلا الكتابة، وأنه مفسد للشباب لا بد من اعتراض طريقه.ودريدا في مراهقته كان قد شطح هو وأصحابه في الخيال إلى حد التفكير في تدمير مدرستهم بمتفجرات تدبروا أمر الحصول عليها. وكان البعض في كمبردج يرون أنه يخطط لفعل مماثل يستهدف الحضارة الغربية كلها. غير أنه وجد له نصيرا غير متوقع. فعندما قام دوق إدنبره رئيس جامعة كمبردج بتسليم الدكتوراهالفخرية لدريدا ـ في العام الذي شهد انفصال تشارلز وديانا ـ همس في أذنه قائلا إن التفكيكية بدأت تؤثر على عائلته الملكية نفسها.
***
ترى التفكيكية أنه ما من شيء هو نفسه بالكلية. فثمة آخرية معينة تكمن في كل هوية مستقرة. و[التفكيكية]تتشبث في العنصر النافر الكامن داخل النظام، وتستخدمه تبيانا لأن النظام لا يكون مطلقا فيحالة الثبات التي نتخيله عليها. ذلك أن في كل بنية شيئا هو جزء منها لكنه فالت من منطقها.ولا عجب أن يكون كاتب هذه الأفكار يهوديا مشرقيا، سفرديم، من الجزائر الكولنيالية، فهو نصف غريب عن المجتمع الفرنسي نصف منتم إليه. ولو أن الفرنسية لغته، فهو يجيد عامية عرب الطبقة العاملة، فضلا عن أنه يرجع في وقت لاحق من حياته إلى بلده مجندا في الجيش الفرنسي، وتلك مفارقة كلاسيكية لدى ذوي الهوية المنقسمة.
في الثانية عشرة من العمر، يمنع دريدا من الالتحاق بمدرسته، عندما تقرر الحكومة الجزائرية تخفيض حصة التلاميذ اليهود في المدارسـ خشية أن لا تتفوق على حكومة فيشي في معاداتها للسامية. والعجيب أن هذا الإقصاء القاسي على "اليهودي الأسود الصغير العربي للغاية" ـ حسب ما يصف دريدا نفسه ـ  لم يشعره أنه غريب، بل لقد غرس فيه وحتى آخر العمر نفورا من المجتمعات. قبلته مدرسة يهودية، وكره الصبي أن يتم تعريفه في حدود هويته اليهودية. ولسوف تكون الهوية والتجانس [مع المجتمع] من بين ما سيسعى في قابل أيامه إلى تفكيكه. ولكن تلك التجربة غرست أيضا فيه شكا عميقا في التضامن.
لو أنه كان دائما من أهل اليسار فقد كان أيضا خارجا، نافرا من التشدد والتنظيم. ومن ثم فقد كان دوره هو دور مثير الإزعاج، المنشق المحترف، الساخر. وهو في نهاية الأمر من كان يكتب عن "الأحادية المطلقة" للكائن البشري، وكان دائما "المنفصل" المتفاني. فالأعراف والعقائد والحركات الشعبية أميل إلى القهر، بينما الهدم  كامن في الهوامش والانشقاقات. ولكن "عصبة الدفاع الإنجليزية" هامشية [وهي حركة يمينية متطرفة تقاوم انتشار الإسلاموية والتطرف الإسلاموي في إنجلترا]. والإطاحة بالقذافي استوجبت حركة شعبية. واحترام حرية التعبير عقيدة، وحق الإضراب مبدأ.
انتقل دريدا من بيئة متواضعة في الجزائر إلى أرقى ليسيه في فرنسا ومن هناك إلى EcoleNormaleSupérieure التي كانت في ذلك الوقت مؤسسة شديدة الستالينية أكدت فيه عزوفه عن الهتاف مع الحشود. ولو كان دريدا قد أعلن لاحقا أنه شيوعي فما ذلك إلا كما أعلن كينيدي أنه برليني[i]. وعندما اندلعت الثورة الطلابية من حوله في عام 1968، بقي هو في الغالب ملتزما بالأطراف. ولكن الدافع التحرري الذي كان يحرك ثوار ثمانية وستين هو الذي كان دافعه في عمله. لقد كانت السنة السابقة بالنسبة له هي سنة الأعاجيب التي شهدت ظهور ثلاثة كتب هي جميعا من الكتب التي صنعت اسمه وجعلته يحتل موضع الاحترام واللعن في شتى أرجاء الكوكب.
لم يمض وقت طويل على الشاب الصموت غير الاجتماعي ابن المستعمرات حتى صار في صدارة نجوم المجرة الفرنسية، جنبا إلى جنب جان جينيه ورولان بارت وجوليا كرستيفا وموريس بلانشو وغيرهم. بل إن الحكومة الفرنسية وقعت أسيرة سحره، فحينما وصل فرانسوا ميتران إلى السلطة سنة 1981، وجهت دعوة إلى دريدا لإنشاء كلية دولية للفلسفة في باريس.كانت التفكيكية قد أصبحت الصرعة السائدة في كل مكان من سيدني إلى سان دييجو بينما تحول دريدا نفسه إلى سوبر ستار في سماء الفكر.  وسرعان ما ظهر كتاب أمريكي مصور بطله الشرير يدعى "دوكتور ديكونستركتو" [دكتور تفكيكي Doctor Deconstructo] وراحت مجلات الديكور المنزلي تدعو قراءها إلى تفكيك مفهومهم عن الحديقة.
وإنني أشك أن السبب في استمتاع دريدا بالسفر كثيرا في العالم هو أن ذلك كان يتيح له قليلا من الراحة من الحياة الثقافية الباريسية ذات المناخ المزعج الطائفي المؤلم المرهق، وذلك ما تسجله هذه السيرة الرائعة. ولكن ما تفشل السيرة في إبرازه هو مدى ما ربما كان عليه الأستاذنفسه من نزق.
ثمة لحظتان دراميتان تبرزان في حياة دريدا المهنية لاحقا. سفره إلى براج الشيوعية سنة 1981 للمشاركة في منتدى فلسفي سري، وهناك تم اعتقاله واتهامه بتهريب المخدرات. ويبدو أن السلطات رأت في القضاء على الثنائيات الضدية تهديدا للدولة. وتم اعتقالضابط الشرطة الذي دس المخدرات في حقيبة دريدا بتهمة تهريب المخدرات.
بعد ست سنوات، تمزقت حياة دريدا من جديد، وهذه المرة عند الكشف عن أن صديقا له حديث الوفاة هو الناقد باول دو مان Paul de Man كتب مقالات معادية للسامية في الصحافة البلجيكية الموالية للألمان أثناء الحرب العالمية الثانية. وبتأثير من هذه الأخبار، كتب دريدا  مقالة طويلة في الدفاع عن دي مان لا بد أنها تعد من بين أكثر نصوص العصر الحديث وقاحة ومراوغة.
لقد قام بينويت بيترز بالتنقيب في أراشيف دريدا الهائلة وحاور عشرات من أصحابه وزملائه. وجاءت النتيجة سردا محكما مقنعا رائعا نقلته إلى الإنجليزية ترجمة واضحة صافية بقلم أندرو براون. والرجل الذي يظهر في هذا البورتريه هو رجل معذب الروح يعرف بين الحين والآخرانفجارات مباغتة من البهجة، وهو مفكر مدهش في أصالته على قدر غير هين من الغرور ولكنه مع ذلك بذل نفسه تماما لأكثر الدارسين تواضعا.
لقد كان ديريدا أكثر المفكرين إثارة للإعجاب عند الانخراط معه في محادثة شخصية، إذ كان يرتاح تماما إلى عدم الكلام في الفكر والثقافة. ولقد كان من بين آخر السلسال المجيد من الفلاسفة الأضداد (anti-philosophers) ـ ابتداء من كيركيجارد، ونيتشه وماركس وفرويد وأدورنو وفتجنشتاين وفالتر بنيامين ـ الذين ما استطاعوا أن يقولوا ما قالوه إلا باختراعهم أسلوبا جديدا للكتابة وللتفلسف.
وبالطبع ليس جميع ما كتبه دريدا موافقا لذائقة كل الناس. ذلك أنه دأب على عادة مزعجة هي الإفراط في استخدام السؤال البلاغي إعمالا للمفارقة كأن يقول "ما معنى أن أتكلم؟ بل وكيف لي أن أتكلم في هذا؟ ومن هذا الـ ’أنا’ الذي يتكلم عن الكلام؟".
ومع ذلك، لم يكن سدنة كمبردج على صواب. فدريدا ـ الذي مات بالسرطان في عام 2004 وهو يحث أصحابه على التشبث بالحياة ـ لم يكن عدميا. ولا هو كان يريد أن يدمر الحضارة الغربية بإصبع من الديناميت المفاهيمي. كل ما أراده الرجل ببساطة هو أن يجعلنا أقل غطرسة ويقينا ونحن نتحدث عن الحقيقة والحب والهوية والسلطة ظانين أننا نعرف ما الذي نعنيه بالضبط.

نشر في الجارديان أصلا، وفي الدوحة الثقافية يناير 2013


[i]  كان الرئيس الأمريكي كينيدي قد قال في خطبة له في السادس والعشرين من يونيو 1963 "أنا برليني"، أو Ich bin ein Berliner  . كان ذلك في ألمانيا الغربية، وأراد الرئيس الأمريكي التأكيد على دعم بلده لألمانيا الغربية بعد اثنين وعشرين شهرا من إقامة ألمانيا الشرقية سور برلين بدعم من الاتحاد السوفييتي ـ ويكيبديا