السبت، 5 يناير 2013

هل الرب سعيد؟



هل الرب سعيد؟
ليسزيك كولاكوفسكي

تكشف أولى تراجم حياة سيدهارتا ـ أو بوذا باعتبار ما سيكون ـ عن أنه ظل لوقت طويل لا يعي بالمرة وضاعةالظرف البشري. فلقد كان أميرا أنفق سني شبابه في لهو ودعة، تحيط به الموسيقى والملذات الدنيوية. وكان بالفعل متزوجا في الوقت الذي قررت فيه الآلهة تنويره. وفي يوم من الأيام رأى شيخا هدمته السنون، ومريضا يعذبه المرض العضال، ومن بعدهما رأى جثة هالكة. وإذ ذاك فقط استوطنته فكرة وجود الشيخوخة والمرض والموت وكل آيات المعاناة في الحياة التي كان غافلا عنها. فلما رآها آلى على نفسه أن ينسحب من العالم ويصبح راهبا يسير على درب النرفانا.
قد يكون لنا أن نفترض من ثم أنه كان سعيدا طوال الوقت الذي غابت عنه فيه حقائق الحياة الجهمة، وأنه في خواتيم حياته، وبعدما انتهت رحلته الشاقة الطويلة، قد أدرك السعادة الحقةالكامنة من وراء الظرف الأرضي.
هل يمكن وصف النرفانا بأنها حالة من السعادة؟ من يعجز منكم ـ شأن كاتب هذه السطور ـ عن قراءة كتب البوذية الأولى بلغتها الأصلية، لا يمكن أن يبلغ اليقين من ذلك، لأنه لا وجود لكلمة "السعادة happiness " في الترجمات. يصعب كذلك التثبت مما إذا كانت كلمات من قبيل "الوعي" أو "الذات" تناظر معانيها في اللغات الحديثة.يقال لنا إن النرفانا تسوجب التخلي عن الذات SELF. وقد يعد هذا إشارة إلى أنه يمكن أن توجد سعادة ـ بحسب ما يذهب إليه الفيسلوف البولندي هنريك إليزنبرج HenrykElzenbergـ بدون ذات subject ـ فهي سعادة وحسب، لا صلة لها بأي امرئ سعيد. وهو أمر ظاهر العبث. لكن لغتنا عاجزة أبدا عن وصف الوقائع realities المطلقة.
يذهب بعض اللاهوتيين إلى أنه ليس بوسعنا الحديث عن الرب إلا سلبا فنقول إنه ما ليس بكذا. وقد لا يكون بوسعنا ـ بالمثل ـ أن نعرف ما النرفانا؛ فحسبنا أن نعرف ما ليست إياه. غير أنه يصعب علينا الرضا بمجرد النفي: سنود لو نقول ما هو أكثر قليلا. وبفرض أنه مسموح لنا قول شيء عما يعنيه كون المرء في حالة النرفانا، فإن السؤال الأشد صعوبة هو هذا: هل يكون الشخص ـ وهو في هذه الحالة ـ واعيا بالعالم من حوله؟ وإذا لم يكن كذلك ـ أي إذا كان الشخص منفصلا تمام الانفصال عن الحياة الأرضية ـ فإلى أي نوع من الواقع ينتمي؟ ولو أنه يكون واعيا بالعالم الذي نعرفه، فلا بد أن يكون واعيا بالشر، وبالمعاناة. لكن هل من الممكن أن يجتمع الوعي بالشر وبالمعاناة والسعادة المثلى؟
السؤال نفسه يثور بشأن سكان الجنة المسيحية السعداء. أهم يعيشون بمعزل تام عن عالمنا؟ إذا لم يكن الأمر كذلك، ولو أنهم واعون بوضاعة الظرف الأرضي وبالأهوال التي تقع في دنيانا، بمظاهرها الشيطانية، بشرورها وآلامها ومعاناتها ـ فأنى لهم أن يكونوا سعداء بأي معنى مفهوم للكلمة؟
(ينبغي لي أن أوضح أنني لا أستخدم كلمة "السعادة" هنا بأي معنى يتجاوز ما تعنيه "القناعة" أو "الرضا" كأن يقال لامرئ "هل أنت سعيد بمقعدك هنا من الطائرة؟" أو كأن يقول امرؤ "أنا سعيد تماما بهذا الساندوتش". وإن لكلمة السعادة نطاق معاني عريضا في اللغة الإنجليزية، لكن معناها أكثر تحددا في لغات أوربية أخرى ومن هنا تأتي المقولة الألمانية I am happy, aberglücklich bin ichnicht.. [أو أنا سعيد، أنا لست أنا].
تذهب كلتا البوذية والمسيحية إلى أن تحرر الروح soul النهائي هو في الوقت نفسه صفاؤها الأمثل: هو سلام النفس spirit الكامل. والصفاء الأمثل يعادل المنعة المثلى. لكن روحي إن كانت في حالة المنعة المثلى، فلا يكون لشيء عليها تأثير، فلن تكون سعادتي إلا كسعادة حجر. هل نريد بالفعل أن نقول إن الحجر هو التجسد الأمثل للتحرر والنرفانا؟
ولأن كون المرء إنسانا لا يخلو من المقدرة على الإحساس بالعطف، ومشاركة الآخرين فيما يكونون فيه من ألم أو فرح؛ فما كان الشاب سيدهارتا لينعم بالسعادة، أو ينعم ـ بالأحرى ـ بوهم السعادة، إلا نتيجة لجهله. وهذا النوع من السعادة ليس ممكنا في عالمنا إلا للأطفال، بل ولبعض الأطفال: أعني من الأطفال تحديدا من يكون مثلا دون الخامسة ويعيش في كنف عائلة محبة ودونما أن يمر بتجربة تعرض أحد المقربين منه لألم عظيم أو وفاة. ذلك طفل قد يكون سعيدا بالمعنى الذي يعنيني في هذا المقام. ولعلنا لا نكاد نتجاوز سن الخامسة إلا ونكون قد كبرنا كثيرا على السعادة. يبقى لنا بالطبع أن نعرف تجربة اللذة العابرة، أو نمر بلحظات من الدهشة والافتتان العظيم، بل وقد نشعر بنشوة الاتحاد مع الرب والكون، أو نعرف الحب والفرح. ولكن السعادة بوصفها حالة من المنعة تبقى بعيدة عن شواربنا، اللهم إلا في حالة المتصوفة وما أندرها.
ذلك هو حال البشر. لكن هل بوسعنا أن نوعز السعادة إلى الذات الإلهية divine being؟ هل الرب سعيد؟
ليس السؤال عبثيا. نحن تقليديا نرى السعادة بوصفها حالة ذهنية عاطفية. فهل الرب عرضة للعواطف؟ يقال لنا قطعا إن الرب يحب مخلوقاته، والحب عاطفة ـ في دنيا البشر على الأقل. لكن الحب لا يكون مصدرا للسعادة إلا عندما يكون متبادلا، والحب في حالة الرب ليس متبادلا إلا من جهة بعض مخلوقاته لا كلها بأية حال: فالبعض لا يؤمن أنه موجود أصلا، والبعض لا يبالي بوجوده من عدمه، والبعض يكرهه ويتهمه باللامبالاة إزاء ألم البشر وشقائهم. ولو أنه يبالي، ويشعر بمثل ما نشعر به من عواطف، فلا بد أنه يعيش حالة حزن دائمة إذ يشهد معاناة البشر.إنه لم يتسبب في الألم والمعاناة، ولكنه لا حيلة له أمام كل هذا الشقاء وكل تلك الأهوال والأعمال الوحشية التي تجلبها الطبيعة على الناس أو الناس على أنفسهم.
ولو أنه ـ في المقابل ـ منيع تمام المنعة فلا يعكر صفوه شقاؤنا، فهو لا بد أن يكون لا مباليا. ولكن، لو أنه لا يبالي ألبتة، فكيف يكون الأب المحب لنا؟ ولو أنه غير منيع، فهو إذن شريك في المعاناة يشعر بالحزن. وإذن الرب ـ في كلتا الحالتين ـ غير سعيد بأي معنى يمكن أن نفهمه.
نحن مرغمون أن نعترف بأننا عاجزون عن فهم الذات الإلهية ـ كلية السلطة كلية المعرفة العالمة بكل شيء من خلال ذاتها وفي ذاتها غير خارجة عنها غير متأثرة بألم أو شر.
إن إله المسيحيين الحق، يسوعا المسيح، لم يكن سعيدا بأي معنى يمكن أن نعرفه. لقد كان تجسيدا للألم، عاناه، وعرفه، وشارك فيه أصحابه ومات على الصليب.
اختصارا، لا تبدو "كلمة" السعادة منطبقة على الحياة الإلهية. ولكنها لا تنطبق على الظرف البشري أيضا. وليس ذلك فقط لأننا نعاني. بل إن ذلك أيضا لأنه حتى لو لم نعان في لحظة معينة، وحتى لو أننا قادرون على نيل ملذات جسدية أو روحية ولحظات خارج الزمن في حاضر الحب الأبدي، فلا يمكن لنا أن ننسى وجود الشر والشقاء في الظرف البشري. نحن نشارك في معاناة الآخرين، ولا يمكن أن نبطل هاجس الموت أو أحزان الحياة.
فهل لم يبق أمامنا إلا القبول بمبدأ شوبنهاور المقبض القائل بأن مشاعر الفرح ما هي إلى انتفاء مطلق، وما هي ـ على وجه التحديد ـ إلا انتفاء للألم؟ ليس بالضرورة. فما من سبب يدعونا إلى القول بأن ما يطيب لنا من أشياء ـ كالسرور الجمالي (الاستاطيقي aesthetic)، والنشوة الإيروتيكية، واللذة الجسدية والفكرية من شتى الأنواع، والحوار الممتع، وحب الأصحاب ـ لا بد أن تعد كلها سلبا منفيا. تجارب من هذا النوع تقوينا، وتجعلنا أكثر صحة من الناحية الروحية. ولكنها جميعا لا تلك ان تفعل أي شيء حيال الـ malumculpaeأو الـ malumpoenae ـ أعني الشر والمعاناة.
هناك بالطبع من يعدون أنفسهم سعداء لما هم فيه من نجاح: فهم أصحاء وأثرياء، لا ينقصهم شيء، وهم موضع احترام (أو خوف) من جيرانهم. أمثال هؤلاء قد يعتقدون أن حياتهم هي السعادة. وما ذلك إلا خداع للذات، وحتى هؤلاء يحدث ـ ولو بين الحين والآخر على الأقل ـ أن يدركوا الحقيقة. والحقيقة أنهم قاشلون فشلنا جميعا.
وقد يعترض هنا معترض فيقول إننا لو استوعبنا الحكمة الحقة رفيعة المستوى، فقد نؤمن إيمان ألكسندر بوب بأن أي شيء مهما يكن صحيح، أو إيمان ليبنيز Leibniz بأننا نعيش في أفضل عالم يقبل المنطق احتمال وجوده. ولو أننا علاوة على القبول فكريا بمثل هذه الآراء، أي لو أننا علاوة على الإيمان البسيط بأن كل شيء تمام في هذا العالم لأنه خاضع طول الوقت لهداية من الرب، لو أننا علاوة على ذلك نشعر في قلوبنا بأن الأمر كذلك، ونذوق في حياتنا اليومية بهاء الكون وحسنه وجماله، فهل يمكن أن يقال إننا سعداء؟ الإجابة: لا. الإجابة: لا يمكن.
السعادة شيء يمكن أن نتخيله ولا يمكن أن نعرفه. لو أننا نتخيل أن الجحيم والمطهر خارج الخدمة، وأن كل البشر، كل نفس بشرية بغير استثناء، قد خلصها الرب فهي الآن في نعيم مقيم لا ينقصها شيء، وهي الآن راضية منتهى الرضا، دونما ألم أو موت، فبوسعنا أن نتخيل سعادتهم حقيقية وأن أحزان الماضي ومعاناته صارت طي النسيان. حالة كهذه قد نتخيلها، ولكن لا يمكن أن نتذكرها، فهي لم تتحقق قط.ولم تقع عليها عين.

الترجمة إلى الإنجليزية: أجنيسزكا كالاكوفسكا. وقد نشرت في نيويورك رفيو أوف بوكس بتاريخ 20 ديسمبر 2012، وقبل ذلك بأيام على الموقع الإلكتروني، أما الترجمة العربية فهذا أول نشر لها