الجمعة، 4 يناير 2013

زها حديد: كل شيء قابل للاستنساخ في الصين



بعد السطو على المعمارية العالمية هناك
زها حديد: كل شيء قابل للاستنساخ في الصين

كيفن هولدن بلات


وانج جينج سوهو

تعد "زها حديد" على نطاق واسع نجمة من الرائدات في كوكبة العمارة الطليعية، ولكن المعمارية المقيمة في لندن تحولت مؤخرا إلى سوبر ستار في الصين أيضا، حيث تشع تصميماتها في مدارس العمارة ومكاتب التصميم في طول وعرض الجمهورية الشعبية. وخلال زيارة قامت بها مؤخرا إلى الصين، احتشد نحو خمسة عشر ألف فنانا ومعماريا في محاضرة ألقتها بمناسبة افتتاح مجمع "جالاكسي سوهو" المستقبلي، وهو واحد من أحد عشر مشروعا تقوم بتصميمها في الصين. ولكن الغرام بتصميمات حديد الحاصلة على جائزة "بريتسكر للعمارة التجريبية"، والذي بلغ ذروته منذ افتتاح أوبرا جوانجزو المذهلة الذي قامت بتصميمه، وصل الآن إلى حد الانفجار، حيث يعمل فيلق من قراصنة المعماريين والإنشائيين حاليا على إقامة نسخ طبق الأصل من المشاريع التي تقيمها حديد في بكين ولكن في جنوب الصين.
الأدهى من ذلك ـ حسب ما قالت حديد في حوار معها ـ أنها صارت مضطرة الآن إلى مسابقة هؤلاء القراصنة لتكمل مشروعها الأصلي أولا.
المشروع الجارية قرصنته حاليا هو مشروع "وانج جينج سوهو" وهو مجمع من ثلاثة أبراج تماثل الأشرعة المتمايلة، ولكنها منحوتة من الحجر، ومكسوة بشرائح من الألومنيوم شبيهة بالأمواج، بحيث يبدو المجمع وكأنه طاف على سطح الأرض حال مشاهدته من السماء.
"زانج زين" ـ وهي البليونيرة الصينية المهتمة بإنشاء سوهو والتي كلفت حديد بتصميمه ـ هاجمت بشدة المصممين القراصنة أثناء افتتاح جالاكسي قائلة "حتى أثناء قيامنا بتنفيذ واحد من مشاريع زها، يجري استنساخه في تشونجكينج" وهي مدينة ضخمة تقع قرب الحافة الشرقية لسهل التبت في جنوب الصين. وأضافت البليونيرة أن القراصنة في جنوب الصين يعملون في هذه المرحلة بوتيرة تفوق في سرعتها إقامة مشروع سوهو الأصلي الذي من المخطط له أن يكتمل بحلول العام 2014.

نسخ من كل شيء

أصدرت زها حديد خطابا مفتوحا تطلب فيه المساعدة على مقاومة عملية التزوير الضخمة الجارية وجاء في خطابها قولها "إن الجميع يقولون إن الصين بلد عظيمة القدرة على التقليد وإن كل شيء قابل فيها للاستنساخ".
جالاكسي سوهو
والقرصنة شائعة في الصين، بل هي السائدة هناك، حيث ثمة نسخ مقلدة من كل شيخ من أجهزة الآيبود والآيباد التي تباع علنا، بل إن هناك متاجر متخصصة في بيع نسخ مزورة من أجهزة آبل، وقد انتشرت هذه المتاجر انتشارا كبيرا بسبب ازدهار تجارتها. ومع أن لدى الصين ـ ولو ورقيا على أقل تقدير ـ قوانين لحماية الملكية الفكرية، إلا أن التطبيق الفعلي لهذه القوانين محدود للغاية.
غير أن "يو يونتينج" ـ وهو محام مقيم في شنغهاي قام بتأسيس جريدة إلكترونية معنية بقضايا الملكية الفكرية ـ قال إن قانون حماية حقوق الملكية الفكرية في الصين يحمي حقوق العمارة أيضا. وقال "يو" إنه درس قضية استنساخ مشروع حديد مضيفا أن "النسختين المتنازع عليهما متشابهتان إلى حد بعيد".
وانج جينج سوهو وكأنه طاف على سطح الأرض
وتنبأ "يو" بأن "لدى سوهو فرصة كبيرة في الفوز بالدعوى القضائية في هذه الحالة. ولكن حتى لو حكم القاضي لصالح سوهو، فإن المحكمة لن تجبر أصحاب المبنى المقلد على تقويضه. ولكنها قد تحكم بدفع تعويض".
زها حديد ليست أول غربية ترى تصميماتها المعمارية مسروقة في الصين. ففي العام الماضي، أصيب سكان قرية "هالشتات" النمساوية الجبلية الصغيرة بالذهول وهم يكتشفون بالمصادفة أن بعض المعماريين الصينيين  قاموا بتصوير منازلهم ـ التي اعتبرتها اليونسكو جزءا من التراث العالمي ـ واستنساخها في موقع في جنوب الصين.
ولقد قال "هانز جورج كايزر" ـ وهو ممثل النمسا في المجلس الدولي للآثار والمواقع الأثرية وهو إحدى الجهات التي تستشيرها اليونسكو في شئون حماية التراث ـ إن سكان هالشتات أصابهم حزن شديد حينما رأوا تراثهم وقد تم استنساخه في النصف الآخر من العالم.

في سهولة الفوتوشوب

ولكن كيف قام المعماريون الصينيون المتورطون في استنساخ البلدة النمساوية بهذه المهمة؟ الظاهر أنهم استخدموا برامج كمبيوتر معينة في عمل نسخة ممنتجة من القرية النمساوية ثم قاموا بتحويل هذه النسخة إلى نسخة ثلاثية الأبعاد. ولم يبق إلا البحث عن موضع ملائم لإنشاء القرية، وقد وجدوا ضالتهم في موقع يوجد بين تلال تكسوها الجليد وبحيرة شاسعة.
وانج جينج سوهو من الداخل
واحتج سكان هالشتات على السرقة الواضحة، لكن صرختهم الاحتجاجية الأولية تلك لم تلق مصيرا إلا التلاشي، فقد قال كايزر إنه لم يجد أي قاعدة لدى اليونسكو تمنع استنساخ التراث العالمي.
يقول المعماري الهولندي "ريم كولهاز" الذي قام بتصميم برج CCTV  السريالي المستقبلي إن التوسع العمراني الفائق الذي تشهده المدن الصينية أفرز معماريين كل ما لديهم من عتاد لا يزيد عن لابتوب يقومون من خلاله بالقص واللصق، وتظهر على إثر ذلك بنايات ما كان لها أن تكون موجودة. في كتابه "تغيرات" يطلق كولهاز على أمثال هؤلاء "معماريي الفوتوشوب" فـ"الفوتوشوب يتيح لنا عمل كولاجات من الصور الفوتغرافية وهذا هو جوهر الإنتاج المعماري المديني في الصين ... لقد أصبح التصميم اليوم في سهولة الفوتوشوب، حتى على مستوى المدن الكاملة".
برج CCTV  
"ساتوشي أوشاشي" مدير المشاريع في شركة "معماريو زها حديد" والمسئول عن تنفيذ مجمع سوهو الجاري تقليده حاليا يقول "إنه من الممكن لقراصنة تشونجكينج أن يحصلوا على بعض الملفات الرقمية، وقد يتسنى لهم إنتاج مبنى مشابه لو توفرت لهم المقدرة التقنية ولكن ذلك لن يكون إلا اعترافا بأصالة المشروع الأصلي".
وعند الاتصال باحد المسئولين عن المشروع الذي يجري تنفيذه في جنوب الصين رفض التعليق نهائيا على القضية.
سرعة البرق
قالت زها حديد إنها تتخذ موقفا فلسفيا تجاه مسألة تقليد تصميماتها: فلو أن الأجيال المستقبلية لهذه البنايات المستنسخة أظهروا نزعات ابتكارية "فسوف يكون ذلك أمرا مثيرا للغاية".
يقول "أوشاشي" المعماري المقيم في بكين إن جيلا كاملا من المعماريين الصينيين في الألفية الجديدة قد تأثر بتصميمات حديد وعمد إلى استلهامها وتنبأ بظهور طبقة جديدة من المعماريين القراصنة الذين سيركزون بصورة كبيرة على البنايات التجريبية الرائدة في العالم وقال "لو أن ثمة شخصا يحب زها بحق، فمن المحتمل أن نرى المزيد من تصميماتها في شتى أرجاء الصين".
فضلا عن أن القدرة على التقاط الصور والأفكار بل والنماذج ثلاثية الأبعاد للتصميمات المعمارية من خلال الإنترنت لن تسمح فقط بمجرد وجود فرق عمل مكونة من معماريين في الصين وآخرين في لندن مثلا ومعنية بتطوير العمارة التجريبية، بل إنها ستسمح أيضا بالمزيد من عمليات القرصنة لناطحات سحاب  بل ولمدن بأكملها وبسرعة الضوء.
فهل يمكن أن يأتي اليوم الذي تمتلئ فيه كبرى المدن الصينية بنسخ مقلدة من تصميمات حديد؟ هل يمكن أن يأتي يوم يكون فيه في كل مدينة صينية نسخة من أوبرا جوانجزاو البديعة؟
يقول أوهاشي "أنا على يقين من أن ثمة معماريا الآن يعمل على محاكاة دار أوبرا جوانجزاو".



عن ديرشبيجل

 نشر في شرفات في ديسمبر 2012