الجمعة، 4 يناير 2013

أمن أجل هذا قمنا بالثورة؟



أمن أجل هذا قمنا بالثورة؟
كرستوفر دي بيلاج 
في ظل وضع أقل حساسية من مثيله في مصر، وفي ظل ما يبدو لا مبالاة من الصحافة الدولية، بدأت الثورة في تونس تتفكك. لقد انصرم عامان بالضبط منذ أن قام بائع الفاكهة التونسي "محمد بوعزيزي" بإحراق نفسه في إحدى المدن الإقليمية الصغيرة مما حرك التونسيين باتجاه الإطاحة بالرئيس السلطوي "زين العابدين بن علي"، بل ومما حرك العرب في دول أخرى على الانتفاض ضد طغاتهم. ولكن المزاج المسيطر اليوم على ذكرى واقعة الشهادة شديدة الرمزية تلك هو مزاج انهزامي كئيب. إذ يرى كثير من التونسيين اليوم أن الأهداف التي كانت تتحرك من أجلها الثورة لم تعد الآن في متناول الأيدي.
فما تلك الأهداف؟ التحرك السريع المنتظم من دكتاتورية محلية استمرت خمسة وخمسين عاما (في أعقاب أربعة قرون ونصف القرن من الاستعمارين العثماني والفرنسي) إلى نمط شعبي من الحكم. توحيد الإسلاميين على اختلاف مشاربهم، والنقابيين اليساريين، واللبراليين، والعلمانيين المتفرنسين، كلهم دونما إكراه. معالجة التفاوت الاقتصادي التاريخي بين أبناء الساحل المترفين وأبناء الداخل المهملين. وأخيرا  التقريب بين ثقافتين تونسيتين: ثقافة هي وريثة لحضارات البحر المتوسط يشهد على وجودها العديد من المواقع الأثرية التونسية، وثقافة عربية إسلامية وتونس تفخر باحتوائها على أحد أقدم المساجد في العالم الإسلامية وهو مسجد عقبة في مدينة القيروان المقدسة، كما أن في تونس أيضا حركة إحياء إسلامية متشددة ومزدهرة.
وهذه طموحات قد لا يكون من الممكن الوصول إليها في غضون سنوات قليلة أو حتى جيل واحد، وإن توفرت القيادة المستنيرة ذات الكفاءة. علاوة على أن أن هذه القيادة الممتازة غائبة أصلا؛ إذ لا يمكن وصف الحكومة الائتلافية ـ التي انتخبت منذ أربعة عشر شهرا ـ إلا بوصفها نموذجا لما يعقب الثورات من حكومات "عشاء الكلب" التي تتألف من شتات من الأفكار والمثل والساسة عريضي الخبرة في معارضة الطغيان منعدمي الخبرة في ممارسة السلطة. علاوة على أنني اكتشفت أثناء رحلة لي في تونس هذا الشهر أن التونسيين العاديين يريدون نتائج يعجز الرجال والنساء في هذه الحكومة عن الوصول إليها.
لقد وصلت إلى تونس في ذروة أزمة، فابتداء من السابع والعشرين من نوفمبر بدأت السلطات تستجيب بقوة مفرطة لاحتجاجات من سكان مدينة سيليانة التي تقع على بعد نحو ثمانين ميلا إلى الجنوب من تونس العاصمة. وقد أصيب من جراء اللجوء إلى تلك القوة المفرطة نحو مائتين وخمسين أصيب العديد منهم بالعمى. وتعرض للضرب في ثنايا ذلك أطفال وصحفيون. وزعمت الشرطة أن اثنين وسبعين ضابطا منها قد أصيبوا في تلك الاشتباكات.
كان المتظاهرون يطالبون بإقالة الوالي الذي لا يحظى بشعبية بينهم، وبالعدالة لبعض الموقوفين المحليين، وبالمزيد من الاستثمارات في منطقتهم الفقيرة. ولكن إثارة هذه المطالب المحلية كان في الوقت نفسه سبيلا إلى استهداف الحكومة المركزية. ففي سيليانة ـ ثم في مظاهرات تعاطف معها في أماكن أخرى ـ عاد إلى الظهور شعار "ارحل degage" وهو الشعار الذي وجهه الشعب التونسي لزين العابدين بن علي في يناير من عام 2011. فما كان من الحكومة ـ الخائفة من انتشار أوسع للاحتجاجات والقلاقل ـ إلا أن قبلت مطالب المتظاهرين فتوقفت الحركة الاحتجاجية بعد خمسة أيام من اندلاعها.

مظاهرات ضد الاتحاد العام للشغل والحزب الحاكم السابق في 8/12/2012
زرت سيليانة بينما يجري تنظيفها مما شهدته، فتذكرت أن الانقسام والسوداوية غالبا ما يتبعان نشوة الثورة. لقد أراني الرجال في مستشفى المدينة المركزي رصاصات صغيرة استخرجها الأطباء من أجسامهم، وسألني أحدهم "أمن أجل هذا قمنا بالثورة؟" فأشرت إلى أن لدى التونسيين الآن أداة دستورية للإعراب عن سخطهم على حكومة فقيرة الأداء ـ فلهم أن ينتخبوا حكومة غيرها ـ وأشرت إلى أنه لا بد من منح المزيد من الوقت للحكومة المؤقتة لإثبات نفسها وقدرتها. فاختلف معي الرجال الذين كنت أكلمهم، وقالوا لي إن حياتهم لم تشهد تغيرا يذكر منذ رحيل بن علي وأن البطالة لم تزل على ما كانت عليه من سوء. وقال لي أحدهم "نحن لا نعرف اليوم غير المذلة. فكيف تزعم أنك رجل وأنت بلا عمل؟"
لقد كان الحرمان الاقتصادي والاجتماعي ـ وليس الرغبة في الديمقراطية ـ هو الداعي الأولي للثورة التونسية. ثم انضم إلى الثورة من التونسيين من هم أفضل تعليما وأكثر ثراء فطالبوا بالحرية مثلما طالبوا بالوظائف. وجاءت الجمعية الوطنية المؤقتة التي تم انتخابها في أكتوبر من عام 2011 لتزكي الآمال في تحسين الأوضاع في جميع المجالات وفي أن يفضي تغيير النظام السياسي إلى العدالة الاجتماعية والإصلاح الاقتصادي. ولم يحبط أعضاء هذه الجمعية تلك التوقعات. بل لقد كانوا يؤمنون أنهم يقومون أخيرا بتحقيق حلمهم بعد سنين من التضحية والهوان على أيدي النظام السابق.
وتجسدت روح التضامن في حكومة ائتلافية تشكلت من حزبين من أحزاب يسار الوسط هما "التكتل من أجل العمل والحريات" و"المؤتمر من أجل الجمهورية" بقيادة من حركة "النهضة الإسلامية" القوية. وكان أكثر أعضاء هذه الحكومة أهمية هو زعيم حزب النهضة البالغ من العمر إحدى وسبعين سنة، راشد الغنوشي، وهو المحدِّث الإسلامي الذي يحظى بأنصار في شتى أرجاء العالم بسبب من دعمه للديمقراطية في أحضان مجتمع مسلم متدين. حصلت حركة النهضة على قرابة أربعين في المائة من الأصوات فقدمت رئيس الوزراء الجديد "حمادي الجبالي"، في حين حصل مؤسس حزب "المؤتمر من أجل الجمهورية" منصف المرزوقي على منصب الرئاسة الرفيع.
ولكن توترات حادة نشبت بين الشركاء الثلاثة وباتت اليوم في غاية الوضوح، وليس أقل أسباب ذلك هو الانقسامات بين الإسلاميين والعلمانيين التي كان يرمي ذلك الائتلاف إلى تجاوزها أو التغطية على وجودها. فلقد وقع هجوم على السفارة الأمريكة في تونس أثناء الغضب العالمي في سبتمبر الماضي بسبب فيلم "براءة المسلمين" المسيء للرسول محمد [صلى الله عليه وسلم] والمصنوع في الولايات المتحدة، وفي ثنايا تلك الهجمة التي تلقتها السفارة لقي أربعة مصرعهم وتم اعتقال عشرات السلفيين، وانساق العلمانيون والمحافظون المتدينون إلى حرب ثقافية مستعرة نادى فيها العلمانيون بحقوق الإنسان ونادى الإسلاميون بالشريعة. تراوحت النقاشات لتشمل ارتداء الأفراد للأزياء الدينية في الأماكن العامة، وللفن حينما ينال من الإسلام، وللمجلات حينما تتصدر أغلفتها الأثداء العارية. وقامت مظاهرات، واستضاف الفيسبوك تهديدات وتهديدات مضادة، وبدا أن لدى كل جهة فهمها لماهية الحرية ومعناها.
ومن جراء ذلك التخبط، تعرضت حركة النهضة والغنوشي نفسه ـ الذي ترفع عن السلطة المباشرة محتفظا بالمزيد من القوة من خلف الستار ـ لأضرار بالغة. فالسلفيون يظهرون اشمئزازهم من الغنوشي الذي أبى تطبيق الشريعة وقام بتأييد نسخة من الدستور صارخة العلمانية ـ برغم إشارات هنا وهناك إلى الإسلام لا تخلو من الغموض والإبهام. (هذه النسخة على سبيل المثال لا تأتي على ذكر للشريعة، وتضمن تساوي الحقوق لجميع التونسيين رجال ونساء). ولا يثق فيه العلمانيون نظرا لأنه يشجع على المزيد من تديين تونس ـ التي كانت في يوم من الأيام تحظر الحجاب ـ وشكهم في أنه يعمل على أسلمة المجتمع خفية. وفي الوقت نفسه يبقى المستثمرون بعيدا عن تونس، خائفين من تزايد احتمال وقوع المزيد من القلاقل السياسية، وإحجام المستثمرين هذا يفضي إلى إطالة أمد الركود الاقتصادي الراهن، مما دفع وكالة فيتش إلى تخفيض تصنيف تونس الائتماني في الثاني عشر من ديسمبر الحالي. في الوقت نفسه يتزايد العجز، وترتفع نسبة البطالة، فتصل وفقا للتقديرات الحكومية إلى ثمانية عشرة بالمائة، وترتفع عن ذلك وفقا للتقديرات غير الرسمية. وفي الوقت الذي يحذر فيه الرئيس المرزوقي من أن البلد يقف عند "مفترق طرق"، يعرب لي كثير ممن التقيت بهم من الشباب عن أنهم ضجروا من السياسة.
هذا الضجر من السياسات الديمقراطية هو الذي يفسر صعود السلفيين. هؤلاء الأصوليون سعوديو الهوى الذين يزعمون أنهم يريدون الرجوع إلى نقاء إسلام النبي محمد [صلى الله عليه وسلم] ينقسمون فيما يقال إلى فريقين. فريق يتبنى العنف بوضوح، ومن هؤلاء أنصار الشريعة الذين يعتقد أن نظراءهم في ليبيا هم الذين قاموا بالهجوم على القنصلية الأمريكية في بنغازي مما أسفر عن مصرع السفير كرستوفر ستيفنس. وفريق آخر مثل أعضاء الحزب السلفي الجديد (شبه الشرعي) الذين يقولون إنهم يسعون إلى الوصول إلى السلطة بالطرق الدستورية. غير أن الفارق ـ في حقيقة الأمر ـ غير واضح تماما، وبعض السلفيين علاقتهم قوية بحركة النهضة ذاتها. ولكن هؤلاء ـ وإن تزايد أنصارهم يوما بعد يوم ـ يبقون أقلية. بل إن عددا أكبر من التونسيين ـ في واقع الأمر ـ يعانون من مظالم من الحكومة الراهنة ويبحثون عن القيادة لدى منظمة يسارية علمانية هي "الاتحاد العام للشغل في تونس" وهي الأضخم في تونس.
لقد كان لـ"الاتحاد العام للشغل في تونس" دور كبير في تحويل مدن الساحل الثرية ضد بن علي بعدما بدأت الثورة في الداخل  قبل سنتين، ثم أصبح بعد ذلك قوة المعارضة الرئيسية ضد حكومة الجبالي الائتلافية. والاتحاد هو الذي قام بهندسة مظاهرات سيليانة ودعاها إلى التوقف بعدما قبلت الحكومة بالمطالب. ولقد حظي الاتحاد بمزيد من التعاطف بعدما قامت جماعة موالية للحكومة بمهاجمة أعضاء فيه خارج مقره بتونس العاصمة في الرابع من ديسمبر.
منذ ذلك الحين يقوم الاتحاد العام للشغل في تونس بتمرين عضلاته. فقد أعلن قادة الاتحاد عن إضراب عام في الثالث عشر من ديسمبر لكنهم عادوا فسحبوا إعلانهم بعد مفاوضات مع الحكومة. ولقد أدان الغنوشي وحلفاؤه الهجوم الذي تعرض  له أعضاء الاتحاد ولكن الاتحاد لا يزال يريد منهم اتخاذ خطوة أبعد تصل إلى حل الجماعة المسئولة عن ذلك العدوان. وقد يحدث أن تتجدد خطة الإضراب، ولكن هناك إحساسا بأن كلا الطرفيان يحاولان تفادي المواجهة التي قد تسفر عن الإطاحة بالحكومة ودفع الجيش (وهو مؤسسة تحظى بالاحترام ـ في مقابل الشرطة) للتدخل. ومن المفترض أن تقوم تونس في عام 2013 بالانتهاء من الدستور الجديد وإجراء الانتخابات. فهل هذا التحول عرضة للخطر؟

راشد الغنوشي إماما للصلاة في 19/8/2012
بوصفي غريبا لا علاقة له بالبهجة الثورية أو اليأس ما بعد الثوري، رحلت عن تونس وقد تبنيت رؤية مغايرة لما يبدو أن الأحداث الأخيرة تنذر به. لقد اتخذت تونس خطوات كبيرة مهمة على طريق تكوين نظام سياسي مسئول أمام الشعب وممثل له. والمؤسسات تعمل، وإن يكن عملها بعيدا عن الكمال. وحرية التعبير غير مسبوقة في تاريخ البلد الحديث. ومن المؤكد أن العلمانيين والإسلاميين حريصون أشد الحرص على أن تعكس رؤاهم العالم اليوم، كما أنني تكلمت مع غلاة في كلا المعسكرين ووجدت أنهم يقرون بأن التنازل حتمي ـ على الأقل طالما الأغلبية تعارض توجهاتهم.
هذه المرونة تميز تونس ـ على سبيل المثال ـ عما كانت عليه إيران قبل ثلاثة وثلاثين عاما في أعقاب ثورتها، حيث اقتتلت الجماعات المسلحة طلبا للسلطة وقهرا لخصومها. ومبدأ الديمقراطية أكثر رسوخا في تونس مما كان عليه في إيران، بل وهو أرسخ ـ فيما يذهب إليه البعض ـ مما هو الآن في مصر. فقادة تونس الحاليون لم يحاولوا أن يقوموا بفرض دستور، ولم يحاولوا القيام بتحصين قراراتهم التنفيذية.
وحتى الآن، وبعد تجربة ممارسة الحكم المؤلمة، لا تزال المبادئ التي تبنتها حركة النهضة هي المخطط الأرجح لمستقبل البلد. وذلك يرجع بنا مجددا إلى مؤسس الحركة راشد الغنوشي. وبحسب  الموقع الذي تنظرون منه إليه، سوف تبدو لكم إسلاميته المعتدلة إما التزاما بالدين أو انزياحا عنه،  إما موقفا برجماتيا من الأحداث أو تسليما باستحالة تحقيق جميع الأهداف.
لقد حدث أن وجدت نفسي جالسا بالقرب منه أثناء رحلتي الجوية من لندن إلى تونس (حيث كان في العاصمة البريطانية لتسلم جائزة من مركز أبحاث تشاتهم هاوس)، وفي تلك الرحلة تبادلنا الحديث باللغة الإنجليزية التي أتقنها على مدار سنوات النفي الطوال في بريطانيا، ومن بين ما قال لي إنه يخشى من أن روح التضامن الأولية التي فجرتها الثورة باتت تتبدد. بدا حزينا مما تعرضت له الحكومة من تشويه على يد الإعلام الذي قويت شوكته مؤخرا (وهو الإعلام العلماني في الأغلب) وبسبب من توقعات الشعب المنفصلة عن أرض الواقع. ولكن رؤيته لعالم ملون فيه متسع للرؤى المتنافسة لا تزال فيما يبدو كما هي لم تنل منها الأحداث. فقد قال إن "هناك أكثر من تفسير للإسلام"، وتلك رؤية يمقتها السلفيون.
وقد تبين لي أنه كان يدعو المضيفين على متن الخطوط الجوية التونسية إلى البرجماتية. ففي أثناء مرور عربة المشروبات المغطاة بستار، قال لي إن هناك أنواعا مختلفة من المشروبات الكحولية وإن كل ما عليك فعله هو أن تسأل عن وجودها فيتم تقديمها لك. قال الغنوشي إن "المضيفين غير راضين عن بذلك".
"يقولون لي إنهم مسلمون أتقياء، يصومون ويصلون، ومع ذلك فها هم مرغمون على أن يقدموا الكحوليات. وأقول لهم إن هذا هو حال الدنيا. نحن نعيش في مجتمع أغلب من فيه يشرب الكحوليات. ومن ثم فلزام علينا أن نقبل الواقع".


*نشر الموضوع أصلا في "ذي نيويورك رفيو أوف بوكس" في الثامن عشر من ديسمبر2012، ونشرت ترجمته اليوم في جريدة عمان