الثلاثاء، 29 يناير، 2013

اعترافات كوفي عنان



اعترافات كوفي عنان

مايكل إجناتييف

كيف يتسنى لنا أن نفهم المكانة المرموقة التي لا يزال يحظى بها كوفي عنان؟ كيف، برغم الإخفاقات، إخفاقاته الشخصية وإخفاقات المؤسسة التي خدمها خمسين عاما[1]؟ كيف والكاريزما الشخصية ليست إلا جزءا من القصة؟ إن لديه ـ فضلا عن الجاذبية الموفورة في شخصه ـ سلطة منبعها الخبرة. فقليل جدا من الناس هم الذين أمضوا من العمر خمسين عاما حول موائد المفاوضات مع سفاحين وأمراء حرب وطغاة. فلقد جعل الرجل من نفسه مبعوث العالم إلى الجانب المعتم.
وقد استطاع أن يدخل على هذه المفاوضات الجهمة مزاجا تلطيفيا اكتسبه مبكرا فبات له بمثابة طبيعة ثانية رافقته منذ طفولته المبكرة في غانا. كان أبوه ـ هنري ريجينولد أنان ـ يعيش بين عالمين، فهو الموظف الكبير في شركة بريطانية متعددة الجنسيات وهو بالوراثة زعيم قبيلة في دولة كانت في ذلك الوقت تقف على عتبة الاستقلال الوطني. وفي قلب النضال الغاني [من أجل الاستقلال] كانت عائلة أنان تلزم الوسط الحذر، فتساند الاستقلال ولكنها تحرص أن تحافظ على مسافة من الوطنية الثورية بزعامة كوامي نكروما.
من واقع هذه الخبرات أصبح عنان خبيرا في الحذر، بارعا في التعامل مع جميع الأطراف، مخفيا طول الوقت ما بين يديه هو من أوراق. وكانت تلك تركيبة مثالية للأمم المتحدة. عندما تبين لكوفي عنان أن حياته المهنية في غانا تتعارض وتعاقب أنظمة الحكم العسكرية هناك، انضم إلى الأمم المتحدة وقضى حياته كلها في مقريها بنيويورك وجينيف. ومثل باراك أوباما، تعلم مبكرا أن يعيش وسط الانقسامات العرقية وأن يضع نفسه طوال الوقت في موضع العقلاني الواثق المتكيف وسط الجميع، في حين لا ينتمي في نهاية المطاف إلا إلى نفسه.

غير أن المقدرة على القبول بمختلف الأوضاع لا تمثل القصة كاملة. فذلك لا يفسر كيفية استطاعته أن يحافظ على نصوع صفحة سمعته أثناء صعوده من أقسام بيروقراطية الأمم المتحدة السفلية ـ الموارد البشرية والميزانية ـ حيث المجال متسع للمحاباة وسوء الإدارة بل ومشهور بهما. لقد استوجب هذا الصعود نوعا من التهذيب والقسوة في الحرص على السمعة، علاوة على مقدرة حقيقية على النأي بالنفس عن المشاكل. وعلى مدار الطريق كان ينهل من بلاغة المؤسسة الأخلاقية دون أن يسمح مطلقا لواقعها الكئيب أن يقضي على مثاليته. وما كاد يرقى ـ بدعم الولايات المتحدة الأمريكية ـ إلى أعلى مكاتب الأمم المتحدة في عام 1996 حتى أظهر تميزا لا يرقى إليه الشك واستطاع أن يوضح بكل دقة والتزام ما بقي بداخل المؤسسة نفسها من آمال غير مستهلكة. وعندما قبل في عام 2001 جائزة نوبل الممنوحة له وللأمم المتحدة، بدا في أعين الكثيرين أنه التجسيد الأكمل لمثل المؤسسة بين جميع من شغلوا منصب الأمين العام للأمم المتحدة على مدار تاريخها.
ولو أن للمكانة أن تبقى، فلا بد من أن ترصعها الإنجازات التي تحقق منها الكثير تحت إشرافه ـ الأهداف التنموية في الألفية، الصندوق العالمي للايدز، المحكمة الجنائية الدولية، مبدأ "مسئولية الحماية" ـ والتي نثني عليها كثيرا لأنه أنعم عليها بالتشجيع  وبالحد الأقصى من الدعاية. لقد فهم عنان ـ مثلما لم يفهم أمين عام من قبله ـ طبيعة الإعلام المعاصر واستخدم سلطة شهرته الشخصية في إشهار مؤسسته. وفهم أيضا أن العولمة تقوي من لاعبين آخرين جدد بالإضافة إلى الدول ذات السيادة وكان لديه من الفطنة ما جعله يدرك أن على الأمم المتحدة أن لا تبقى مجرد منظمة حكومية بل أن تقيم شراكات مع منظمات غير حكومية، ومع شركات، ومع ذلك الكائن المتكاثر أبدا وهو المجتمع المدني العالمي. لقد فهم أنه في حين يستمد سلطته من الدول الأعضاء التي تدفع الفواتير وتصوت في الاقتراعات، إلا أن مكانته "الأخلاقية" تأتي منا "نحن الشعوب"، من ملايين العاديين الذين نجت المنظمة بفضل إيمانهم بها من عواقب سلسلة طويلة من الآمال الخائبة.
يقلل الواقعيون من شأن الأمم المتحدة باعتبارها "كيانا سياسيا ليست له إرادة مستقلة" ـ على حد تعبير بيري آندرسن ـ لكن تغيب عن هؤلاء القوة المستمدة من المكانة المعنوية[2]. وإن نحن أعدنا صياغة العبارة التي قالها ستالين في البابا لقلنا إن عنان فهم أن الأمم المتحدة لا تعرف الأقسام إنما هي حاملة الآمال، وإن في هذا بالضبط مكمن القوة التي استمتع بها الأمين العام. لقد كان أكثر من نجح بين شاغلي ذلك المنصب منذ "داج هامارسكيولد" في إدخال آمال العالم ضمن دائرة نفوذه الشخصي.
ومع ذلك يبقى ثمة بعض الغموض محيطا بالمكانة التي تحققت للرجل. فلقد تحققت لنيلسن مانديلا وديسموند توتو وأونج سان سوو كفي وفاكلاف هافيل ما تحققت لهم من مكانات بفضل وقوفهم في أوجه الطغاة. أما كوفي عنان فتحققت له مكاناته بفضل حديثه إلى أولئك الطغاة. وإن مكانة تتحقق بهذه الطريقة مقدور لها أن تبقى مسربلة بالغموض وأن تترك من ورائها تركة معقدة.
عنان في باكستان مع وزير خارجية طالبان الملا أحمد متوكل (ذو العمامة البيضاء) وإلى يساره سفير طالبان في باكستان الملا أحمد سلام زائيف ـ مارس 2004.
في فبراير من عام 1998، طار كوفي عنان إلى بغداد وأقنع صدام حسين بالسماح لمفتشي الأسلحة التابعين للأمم المتحدة بالرجوع. وقوبل عند عودته مقابلة الأبطال ووقع العالم كله أسير سحره. وعلى ما كان عليه الرجل من تواضع وبساطة، إذا به يميل إلى الإيمان بسحره ذلك. وإن في عبارة عابرة من مذكراته ما يزيد عن القليل من الكبر حينما يقول إن آثار تصرفاته في فترة توليه الأمانة العامة للمنظمة الدولية كأنت أكثر قوة من مجلس الأمن. والحق أن التهديد المتمثل في الضربة الجوية الأمريكة الوشيكة ـ وكذلك حسن إدارة عنان ـ هو الذي جعل صدام يحسن التفكير، وفي كل الحالات، ما حدث هو أن الحرب أرجئت قليلا، ولم يحدث أن اجتنبت تماما.
أما حينما لا يكون في الأفق أي نذير باستخدام القوة ـ كما هو الحال أثناء زيارته الأخيرة إلى سوريا في أغسطس من العام الحالي ـ فإن دبلوماسية عنان المكوكية لا تنفع في أكثر من أن توفر للولايات المتحدة وروسيا والصين حجة للغياب وذريعة لعدم القيام بأي شيء على الأرض. ولما تخلى عنان عن المهمة الموكلة إليه في سوريا قال إنه لا يمكن لوسيط أن ينجح إذا كان يريد السلام أكثر مما يريده من أرسلوه في مهمته[3]. ولقد كان ينبغي أن يكون على معرفة بهذا الأمر منذ البداية. لكنه في غمار لهفته على تقديم خدماته ـ منطلقا من دافع السياسي العالمي المتقاعد الخائف على مكانته المعنوية من التتبدد ـ لم يكتشف في نهاية المطاف إلا أن هذه المكانة قد يبليها أيضا مجرد استعمالها.
وسلطة عنان المستمرة محيرة أيضا، لأن ماضيه لن يسمح له أن ينعم بالسلام. وعلى حد تعبير "سامنتا باور" القاسي فإن "اسمه سيظل مقرونا في كتب التاريخ بأشهر جريمتي إبادة جماعية في النصف الثاني من القرن العشرين" في رواندا وسريبرنيكا[4]. ولا عجب أن يطلق على مذكراته اسم "تدخلات" فكأنه يدرك أن حياته العامة سوف تظل دائما رهن الدور الذي قام به في عمليات الأمم المتحدة المنحوسة.
في مواجهة هذه الحوادث، رأى عنان وشريكه في الكتاب ومساعده السابق "نادر موسويزاده" أنه عندما يتعلق الأمر بالتحقيق في السمعة، فإن أفضل دفاع ممكن هو الصراحة. ونتيجة ذلك هي استعراض دقيق مفصل وقوي للساعات الأشد صعوبة على عنان. فهما ينقلان النص الكامل للبرقية الشهية جدا الآن ـ وسيئة السمعة أيضا ـ التي أرسلها قائد قوات الأمم المتحدة في رواندا "روميو دالايري" في يناير من عام 1994 إلى مقر الأمم المتحدة طالبا الحصول على تفويض من عنان بالقيام بعمليات عسكرية تستهدف اعتقال بعض من يحتمل قيامهم بارتكاب جريمة الإبادة الجماعية. فتجاهله عنان، ولم يرد عليه هو أو بطرس بطرس غالي الأمين العام آنذاك، ولم يحولا الطلب الذي رفعه روميو دالايري إلى مجلس الأمن.
في دارفور مع امرأتين من ضحايا ميلشيات الجنجويد
يعتقد روميو دالايري وفيليب جورفيتش وغيرهما ممن راقبوا كارثة رواندا عن كثب أن الأعمال العسكرية الوقائية من جانب الأمم المتحدة في ذلك الوقت كان يمكن أن تغير مسار الأحداث الرهيب فلا تنتج كل تلك الأهوال التي حدثت في شهور ابريل ومايو ويونيو مما أدى إلى وفاة ثمانمائة ألف شخص. ورد عنان على هذه الاتهامات ـ الذي لم يتغير على مدار عقد كامل ـ يتمثل في تذكيره أن الأمريكيين خرجوا مرغمين من الصومال بعد وقائع "فجر الصقر الأسود" الكارثية وأن التدخل الذي اقترحه روميو دالايري كان سيلقى نفس المصير الكارثي:
"في برقية روميو دالايري التي طالب فيها بالإغارة، رأينا  مكونات كارثة شبيهة بغارة عيديد الفاشلة في مقديشيو قبل ثلاثة أشهر ـ ولكن بقوة تقل ألف مرة من حيث القدرات العسكرية علاوة على كونها معزولة بصورة تمنع عنها تماما أي تعزيزات".
وفي اعتراف مدهش، يضيف عنان أن قوة روميو دالايري كانت "قوة حفظ سلام، تعمد مرسلوها أن تكون ضعيفة وهشة لكي تحظى بثقة الطرفين". تعمد مرسلوها إذن ضعفها وهشاشتها. وهكذا هي المكانة المعنوية حينما تضلل نفسها بنفسها، وتصور لنفسها أن عدم تسلحها  ضرورة، فحينئذ تجعل من نفسها شريكا للشر في شره.
***
نفس هذا الإيمان المؤسف بقوة الردع ذات النوايا الطيبة هو الذي صاغ سياسة الأمم المتحدة الكارثية بشأن الملاجئ الآمنة في البوسنة. لقد كان كوفي عنان هو المسئول عن قوات حفظ السلام في تلك الفترة، وهو الذي وقف ـ قليل الحيلة ـ يتفرج على الحكومات وهي تطبخ في مجلس الأمن تفويضات وتنشر قوات لا يمكن أن تملك القيام على حماية الملاجئ الآمنة إن هي تعرضت لهجمات مدبرة. يقول عنان إنه اتخذ موقفا صلبا فقال لمجلس الأمن إنه ما من سبيل إلى حماية الملاجئ الآمنة بأي وسيلة سوى إضافة قوة من اثنين وثلاثين ألف فردا. وتجاهل المجلس نصيحته، معرضا المدنيين مرة ثانية للحماية من قبل قوة رمزية لا قوة مفوضة بالقتال وعازمة عليه. ثمانية ألف مدني دفعوا من حياتهم ثمن هذا الوهم المأساوي المتعلق بمكانة الأمم المتحدة المعنوية.
استطاع عنان أن يعيد بناء مكانته المعنوية منذ ما حدث في البوسنة من خلال تحريه الصراحة كلما عمد الآخرون إلى غير ذلك، ومن جملة هؤلاء "الآخرين" رؤساء ورؤساء وزراء. ويعترف في سيرته بارتكابه أخطاء إذ يبين كيف أن بيروقراطية قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة عجزت عن النهوض بالأعباء الثقال المفروضة عليها من قبل حكومات طائشة في نهاية الحرب الباردة. وهو يعترف بالمسئولية إذ يقول في موضع من كتابه:
"بالنسبة للرجل، والمرأة، والطفل، ممن يعتبرون الخوذة الزرقاء هي كل ما يقف بين أمنهم وبين الموت المحقق، بالنسبة لهؤلاء يكون الحديث عن التفويض المحدود والوسائل المنقوصة والمهام المضغوطة ـ مهما يكن دقيقا ـ انحرافا عن الصواب في أفضل الحالات وفي أسوئها يكون خيانة.
الشيء الوحيد الذي لم يفعله في وقته هو أن يصرح للإعلام بشكوكه. لقد اعترف في حوار أجرته معه مؤخرا "تشارلي روز" بأنه كان ينبغي أن يصيح على الملأ باحتجاجه على عزوف مجلس الأمن عن حماية ملاجئ البوسنة الآمنة بنشر قوات قادرة، ولكنه يضيف ببراعة أن تصور الأمانة العامة عن العلاقة العامة في ذلك الوقت كان تصورا "باليا"[5]. فما كان منه إلا أن لزم الصمت. إذ لم يكن يندرج في حدود عمله ـ وهو الموظف المدني الدولي ـ أن يوجه اللوم علنا إلى الحكومات، وهذا ما تلام عليه الثقافة السائدة في الأمانة العامة في ذلك الوقت، ولكن لا بد من الاعتراف بأنه هو نفسه كان متشربا تلك الثقافة أسيرا لها.
تكمن المفارقة الأساسية التي تصبغ حياة كوفي عنان المهنية في أن مكانته الشخصية المرموقة ظلت ناصعة لم ينلها سوء خلال الفترة التي شهدت انحدارا أكيدا في مكانة منظمة الأمم المتحدة نفسها خلال عقد التسعينيات من القرن الماضي، كما شهدت عجزا أكيدا عن الحركة ناجما عن الوعود الأخلاقية التي فشلت المنظمة في الوفاء بها. كما أن رصيده السياسي ارتفع لدي الأمريكيين أيضا.  وعندما قررت الولايات المتحدة في نهاية المطاف أن تفعل شيئا حيال مذبحة البوسنة في أغسطس من عام 1995، كان لكوفي عنان دور مفيد في التغلب على ممانعة الأمم المتحدة لقصف أهداف في صربيا. وفي غضون أسابيع استطاعت القوات الجوية الأمريكية ـ بعون من الكروات ـ أن تقلب الموازين ضد الصرب وتسوقهم إلى المفاوضات في دايتن.
بعدما نجح عنان في أن يكون مفيدا في البوسنة بات مرشحا واضحا عندما أخذت مادلن أولبرايت وبيل كلينتن يبحثان عمن يحل محل بطرس غالي. ومن آيات فطنته أن فهم، مثلما لم يفهم بطرس غالي، أن الأمم المتحدة لا يمكن أن تنجح ما لم تستثمر فيها الولايات المتحدة. فما كاد ينتخب في عام 1996 حتى راح يستخدم نجوميته في ملاطفة الكونجرس واسترضاء صقوره الجمهوريين المناهضين للأمم المتحدة ويكسر الجمود الذي يعتري مساهمة الولايات المتحدة في المنظمة.
يبين لنا "تدخلات" كيف ثبتت لعنان صعوبة أن يرضي أصدقاءه الأمريكيين طول الوقت. فمادلين أولبرايت دفعت ترشيحه بقوة ثم أثارت فيه الذعر بلا رحمة ومن ذلك أنها أيقظته ذات مرة في الرابعة والنصف صباحا لتملي عليه لغة بيان صحفي خاص بالعراق. ذلك أنها ـ حسب ما يقول مهونا من الوضع ـ "لم تفهم أبدا" أنه مسئول أيضا تجاه أعضاء آخرين في المنظمة.
غير أنه كان سياسيا شديد البراعة لكي لا يفهم أن من السياسة الحكيمة في نظر كلينتن وبوش أن يضربا شهرة الأمم المتحدة. ومع ذلك كانت كلتا الإدارتين تلجآن إليه كلما احتاجتا إلى بركاته المعنوية. بل إن الإدارة التي كانت عازمة على غزو العراق بمفردها وجدت نفسها مرغمة على إرسال كولن باول للدفاع عن قضيتها أمام الأمم المتحدة. وإن أحفل صفحات هذا الكتاب بالحيوية لهي الصفحات التي تصف غداء وزراء الخارجية بعد كلمة باول عندما وجد أنه في مواجهة دومينيك دو فيلبان الفرنسي وإيجور إيفانوف الروسي. وبعد ما طمأنهما وعنان بقوله إنه يكره الحرب ـ "فقدت في الحرب أصدقاء، خضت حربين وقدت حربين" ـ أكد باول ختاما أنه لا يقبل "القول بأن الحروب تفضي دائما إلى أسوأ النتائج". وعند ذلك تدخل يوشكا فيشر الألماني قائلا "ونحن خير مثال على هذا".
يقتنص هذا المشهد قمة السياسة مثلما عاشها عنان، ولكنه يجسد أيضا ما الذي تمثله الأمم المتحدة فعليا. هي منبر يرغم الأقوياء على اكتساب الشرعية من خلال إقناع الضعفاء بعدالة قضاياهم. فلقد كان باول لا يزال راغبا في الحصول على تلك الشرعية بعد مرور ستة أسابيع على بدء الغزو عندما جاء إلى مكتب عنان وبصحبته فريق من المتخصصين ليثبت أن الغزاة الأمريكيين وجدوا أسلحة الدمار الشامل المملوكة لصدام. كان وزير الخارجية المأزوم لا يزال يطلب الغفران. قال "كوفي، لقد أثبتوا أني رجل صادق"، ولكن عنان وفريقه أصروا إصرارا صخريا على عدم الاقتناع.
تتحقق المكانة لأولئك الذين يفعلون الصواب في الكبريات. وفي حالة العراق فعل عنان الصواب. فصدام حسين كان قد أوقف جميه برامج تصنيع أسلحة الدمار الشامل منذ عام 1991. ولو كانوا أخذوا بالنتائج التي توصلت إليها الوكالة الدولية للطاقة الذرية ومفتش الأمم المتحدة هانز بليكس ـ خاصة وقد توفر لبليكس وقت طويل لإثبات تلك النتائج ـ لتأكد خلو العراق من أسلحة الدمار الشامل.
لم تسلم سمعة كولن باول قط من العراق الذي أصبح نقطة تحول لعنان أيضا. فقد حارب عنان على مدار خمس سنوات ليبقي الأمم المتحدة في مركز الرقصة الدبلوماسية مع صدام، محاولا في الوقت نفسه أن يضمن أن يكون استخدام القوة ـ إن لزم استخدامها ـ من خلال مجلس الأمن. ولكنه كان قد أوجد سابقة بالتدخل أحادي الجانب وانتهى الأمر، بإعطائه بركاته لعملية الناتو في كوسوفو التي بدأت بدون موافقة مجلس الأمن. والآن، في ظل رفض صريح من مجلس الأمن لغزو العراق، خلص عنان إلى أن الغزو الأمريكي "غير شرعي". ولم تغفر له إدارة بوش قط هذا الحكم. فتجاهلت الأمم المتحدة، وأمعنت في غزوها، وبقي عنان وليس له إلا عزاء هزيل من أنه ومنظمته رفضا أن يسبغا الشرعية على كارثة:
"لقد اتخذت الأمم المتحدة الموقف المستقل الذي يتسق ومبادئها الأساسية. وقد لا تكون لها أهمية كبيرة بالنسبة للعالم ـ ولشعب العراق ـ في الشهور والسنوات القادمة، ولكن الوضع كان سيصبح أسوأ بكثير لو كانت هذه الحرب قد شنت على أساس افتراضات كاذبة مصدق عليها من الأمم المتحدة".
في أغسطس من عام 2003، تعرض مبعوث عنان إلى العراق "سرجيو فييرا دي ميلو" واثنين وعشرين من زملائه لتفجير استهدف مقر الأمم المتحدة في بغداد. وكان ذلك مثلا على عاقبة الثقة فيمن ليس أهلا للثقة. لقد وضع عنان والأمم المتحدة ثقتهما في الحماية الأمريكية ودفع عنان الثمن بفقدانه أحد أقدم أصدقائه وأقرب معاونيه.
في السنة التالية للغزو، ذاعت فضيحة حول "النفط مقابل الغذاء"، وهو برنامج الأمم المتحدة الذي وضع لضمان ألا يستخدم صدام العقوبات الدولية في تجويع شعبه. وفي ظل تواطؤ مسئولي الأمم المتحدة، التهم صدام حسين 8.4 بليون دولار من وراء البرنامج، وحقق بعض مسئولي الأمم المتحدة والوكلاء الأجانب ثروات غير مشروعة من وراء البرنامج الذي كان يرمي في الأصل إلى مساعدة الفقراء العراقيين. وحينما قام عنان بتعيين باول فولكر لكشف حقيقة برنامج النفط مقابل الغذاء، اكتشف الأخير أن شركة كوتكنا ـ وهي واحدة من ألفي شركة مشتركة في البرنامج ـ هي شركة يعمل فيها كوجو عنان، ابن كوفي عنان، واكتشف أن الشركة ظلت تدفع له راتبه حتى عام 2004، برغم أنه توقف عن العمل فيها منذ عام 1998.
وإذا بعنان المدلل من الإعلام الأمريكي والمؤسسة في واشنطن يشاهد في مزيد من الكآبة هذا الإعلام وهذه المؤسسة إذ ينقلبان عليه ويرى المؤتمرات الصحفية إذ تطالبه بالاستقالة. وفي ديسمبر من عام 2004، لحظة أن كانت مكانته ممزقة تمزيقا، وافق عنان على مراجعة ورطته في شقة [الصحفي والكاتب والدبلوماسي الأمريكي] ريتشارد هولبروك في نيويورك. وهنالك قال له "ليس جيلب" من مجلس العلاقات الخاريجة الأمريكي إنه من واقع زيارة قام به لجس نبض مصادره في واشنطن، يعرف أن موقف إدارة بوش من عنان يتمثل في هذا: "هم لن يدفعوك، ولو وقعت، لن يتلقفوك".
نجا عنان بفضل كل مأثرة سياسية له على مدار تاريخه الطويل. صديقه بيل كلينتن ذهب إلى البيت الأبيض وقال لجورج بوش: "لا أظنك تريد دم كوفي عنان على يديك". فقال له بوش "إن اليمينيين من حزبي يريدون تدمير الأمم المتحدة، أما أنا فلا".
وفي السنتين الأخيرتين له في الأمانة العامة، حارب عنان من أجل تنقية صفحته. فتحمل مسئولية الإخفاقات الإدارية الرهيبة بل والسرقة المباشرة في برنامج النفط مقابل الغذاء وقرر أن يستعيد زمام المبادرة السياسية ببدئه محاولة محمومة من أجل إصلاح المؤسسة. أراد توسيع مجلس الأمن وإنشاء مفوضية لإقرار السلام، وبدلا من مفوضية حقوق الإنسان سيئة السمعة شكل مجلس حقوق الإنسان. وكانت جهودا قيمة ولكن أوان الإصلاح كان قد فات. ففي ذلك الوقت كانت الولايات المتحدة قد أرسلت سفيرها الجامح جون بولتن مندوبا لها في المنظمة في إشارة واضحة على سخطها وفي محاولة واضحة لإرضاء جناح بوش اليميني. واكتشف عنان أن مكانته الشخصية قد استنفدت إلى حد يصعب معه إنجاز أي إصلاح ذي شأن. وإذا بالأمانة العامة التي بدأت والآمال تكللها في عام 1996 تنتهي إلى خيبة الرجاء في عام 2006.
وعندما تتذكرون كيف كانت نهاية أمانة عنان العامة، يمكن أن تبدءوا في فهم جوع الرجل إلى البقاء في الأضواء، إلى التوسط من أجل تسوية سياسية في كينيا عقب تنازع على انتخابات في عام 2008، وإلى محاولة العثور مؤخرا على السلام في سوريا. هذه المساعي إلى السلام أكثر من مجرد رغبة وسيط خبير في أن يشغل نفسه. فعلى نحو عميق، وفي ضوء ما رآه الرجل، وما عاشه، وما تحمل مسئوليته، يمكن النظر إلى هذه المساعي بوصفها محاولة من رجل حي الضمير إلى الخلاص.
إن قصة عنان هي حكاية تنبهنا إلى هشاشة المكانة المعنوية في عالم لا تزال تحكمه بعناد مصالح الدول. وإن من الممكن النظر إلى الرجل بوصفه ذا معايير أخلاقية، يروج لأفكار جديدة تتعلق بالسلوك الجمعي والمسئولية المستقلة والمساءلة الجنائية الدولية في عالم تصور لوهلة أن العولمة قد توحدنا وتجمع شتاتنا. ولقد راهن الرجل بمكانته إحلالا للسلام في مناطق الحرب من البوسنة إلى تيمور الشرقية. ولسوف يتحدث مع الطغاة لو أن في ذلك فرصة للسلام. ولكي يحقق هذا، تهيأ للتعايش مع ضيق أفق مصالح الدول وجبن بيروقراطية المنظمة التي كونته تكوينه هذا. ذلك رجل لم يدن أحد مثلما دنا هو من أن يكون صوت الشعوب ولا دفع أحد ثمنا لذلك أعلى مما دفعه هو. ولا يزال العالم بحاجة إلى مثل هذا الصوت، ولكن من يتصدى لهذا الدور سيكون عليه أن يطيل التأمل والتعلم من هذه السيرة الصريحة الشجاعة النادرة.


نشر الموضوع أصلا في "نيويورك رفيو أوف بوكس" ونشرت الترجمة في جريدة عمان


[1]إخفاقات: النفط مقابل الغذاء، رواندا، سربرنيكا، الفضائح الجنسية بين قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، معروضة جميعها من خلال فيلم وثائقي طريف ولاذع وأحادي الجانب كتبه وأنتجه وأخرجه ماتيو جروف وآيمي هوروفيتش بعنوان "الأمم المتحدة وأنا".
[2]انظر "رجلنا" لبيري آندرسن في مجلة لندن رفيو أوف بوكس، عدد 10 مايو 2007 وفيه يستعرض كتاب جيمس تراوب "أفضل النوايا: كوفي عنان والأمم المتحدة في حقبة السلطة الأمريكية" الصادر عن بلومسبيري في 2006
[3]بيان كوفي عنان في جينيف في الثاني من أغسطي 2012
[4]سامنتا باور في كتابها "مطاردة اللهب: سرجيو فييرا دي ميلو والطيران لإنقاذ العالم" الصادر عن بنجوين في 2008.

[5]برنامج تشارلي روز في العاشر من سبتمبر الماضي