الأحد، 27 يناير 2013

ما الذي يجري في البنوك الأمريكية؟



ما الذي يجري في البنوك الأمريكية؟

فرانك باتنوي ـ جيسي أيسينجر


كانت للأزمة المالية أسباب عديدة ـ منها الإفراط في الاقتراض، والاستثمارات الحمقاء، والقواعد التنظيمية الخاطئة ـ لكن السبب الجوهري هو الذعر الناجم عن نقص الشفافية. السبب الذي جعل الجميع يعزفون عن إقراض البنوك أو التعامل معها في خريف عام 2008، عندما انهارت "ليمان براذرز"، هو أن أحدا لم يستطع أن يفهم مخاطرات البنوك. لقد كان مستحيلا القطع بما إذا كان أي بنك سوف ينفجر داخليا على حين غرة أم لا ـ من خلال مجرد الاطلاع على إفصاحه.
وعلى مدار السنوات الأربع الماضية، بذل الزعماء والمصرفيون الأمريكيون جهودا هائلة ـ وغير مسبوقة في بعض الحالات ـ بغية إنقاذ الصناعة التمويلية وتحسين أوضاع البنوك وإصلاح القواعد التنظيمية بهدف استعادة الثقة في النظام التمويلي الأمريكي. ولم يفلح ذلك كله. فلم تزل البنوك اليوم أضخم وأقل شفافية مما كانت عليه من قبل، ولا تزال من جوانب كثيرة ماضية في السلوك بمثل ما كانت عليه قبل الانهيار.
انظروا مثلا إلى خسائر التداول التي وقعت لـ "جيه بي مورجان" العام الماضي فحظيت بالتدقيق والتمحيص على نطاق واسع. قبل هذه الواقعة، كان المستثمرون يعدون "جيه بي مورجان" من أفضل المجموعات الاقتصادية الأمريكية أمنا وحسن إدارة. فقد استطاع "جامي ديمون" الرئيس التنفيذي الكاريزمي أن يحافظ على مؤسسته قائمة وأن يعبر بها الأزمة المالية العالمية حتى بدت في مطلع عام 2012 مؤسسة قوية قوتها المعهودة.
كان أحد الأسباب أن البنك التجاري الضخم التابع للشركة ـ أي الوحدة المسئولة عن أعمال الإقراض ـ بدت آمنة وسليمة ورابحة وقوية. ولكن فجأة، أعلنت "جيه بي مورجان" في مايو عن المعادل التمويلي للسكتة القلبية المباغتة: أعلنت عن خسارة مذهلة قدرت مبدئيا ببليوني دولار ثم روجعت بعد ذلك وتم تقديرها بستة بلايين دولار. وقد يزداد الرقم بعد نشر هذه السطور فالمحققون لا يزالون يناضلون من أجل فهم أوضاع البنك.
جاءت الخسارة من ركن مجهول في البنك يطلق عليه "مكتب الاستثمار الرئيسي". وكانت هذه الوحدة تعد مملة وغير مميزة، إذ كان إنشاؤها يهدف إلى تقليل مخاطرات البنك وإدارة فائض النقد لدى البنك. كان ذلك القسم يستثمر ـ والعهدة على "جيه بي مورجان" ـ في أوراق مالية محافظة قليلة المخاطرة من قبيل سندات الحكومة الأمريكية. وجاء تقرير البنك يقول إنه في خمسة وتسعين في المائة من السيناريوهات المحتملة، لا يمكن أن يكون الحد الأقصى لخسارة استثمارات مكتب الاستثمارات الرئيسي إلا سبعة وستين مليون دولار في اليوم. (هذا الإجراء الإحصائي مستخدم على نطاق واسع ومعروف باسم "القيمة موضع المخاطرة"). ولما وجه الصحفيون في الربيع أسئلتهم إلى ديمون حول تقارير صحفية تفيد بأن الشركة خسرت أكثر من هذا الرقم بكثير ـ قبل أن يصبح حجم الخسارة معروفا علنيا ـ تجاهل الأمر برمته قائلا إنه لا يعدو "زوبعة في فنجان".
جيه بي مورجان
ستة بلايين دولار ليس بالرقم اقلادر على أن يهوي بـ "جيه بي مورجان"، ولكنه يمثل خسارة كبيرة. لقد خسرت أسهم البنك ثلث قيمتها في شهرين مع اطلاع المستثمرين على تقارير كارثة التداول. في الحادي عشر من مايو 2012 وحده، أي في اليوم التالي لتأكيد "جيه بي مورجان" خسائره، تهاوت أسهمه بحدة بنسبة تسعة في المائة.
ومع ذلك كله، كانت الواقعة تتعلق بما هو أكثر بكثير من النقود. فها هو بنك طالما اعتبر الأقدر والأحسن في مجال البنوك كله فيما يتعلق بإدارة المخاطرة ولكنه أساء إدارة مخاطره شخصيا. ثم حدث في أثناء إعلان البنك عن موقفه أن كشف أنه لم يتعامل بجدية مع الطريقة التي كان يقيس بها المخاطرة. دون أن يقدم لذلك سببا واضحا. والأدهى من ذلك أن "جيه بي مورجان" ـ في معرض اعترافه بالخسائر التي مني بها ـ كان عليه أن يعترف بزيف أرقامه المعلنة. وتبين أن موردا أساسيا من أرباحه الموثوق افتراضا فيها كان يتمثل في التكهنات عالية المخاطرة التي لا يتم الإفصاح عنها بالقدر الكافي.
ويزداد الأمر سوءا. إذ يقوم المحققون الفدراليون في الوقت الراهن بالتحقيق فيما إذا كان المتداولون قد كذبوا فيما يتعلق بقيم تداول مكتب الاستثمارات الرئيسي في الوقت الذي شهد تدهورها. ولقد قام العديد من حملة أسهم "جيه بي مرجان" برفع دعاوى قضائية كثيرة يدفعون فيها بتضليل البنك لهم من خلال تقديراته التمويلية، بل إن البنك نفسه يقاضي أحد المتداولين السابقين فيه بسبب الخسائر. والظاهر أن "جايمي ديمون" ـ الذي كان من زمرة الزعامات الموثوق فيها في وول ستريت ـ لم يفهم أو لم يستطيع أن يدير بكفاءة الوحش الذي كان عليه هو بالذات أن يديره. ولم يبق للمستثمرين اليوم غير الارتياب في البنك، فيما إذا كان لا يزال على ثباته المعهود، وفيما إذا كان بوسعهم الاطمئنان إلى إفصاحاته الأخرى.
"جامي ديمون" الرئيس التنفيذي لـ "جيه بي مورجان" مدليا بشهادته أمام اللجنة البرلمانية للخدملات التمويلية بشأن خسارة البنك 6 بليون دولار بصورة مفاجئة
ليست فضيحة "جيه بي مورجان" هي الفضيحة الوحيدة في الشهور الأخيرة التي أثارت أسئلة عما إذا كانت البنوك الكبرى آمنة وجديرة بالثقة. فالاتهام موجه الآن إلى أكبر البنوك بالتلاعب في سعر الفائدة المعياري الأكثر شيوعا في العالم ـ وهو مؤشر أسعار الفائدة بين بنوك لندن المعروف بالليبور LIBOR، والذي يستخدم كقاعدة لتحديد أسعار الفائدة على ترليونات من دولارات القروض والاستثمارات. في يونيو، دفع بنك بركليز غرامة ضخمة ليفلت من الاتهام الجنائي الذي كان يمكن أن توجهه إليه السلطات في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة. كما تردد عن العملاق السويسري "يو بي إس UBS " أنه كان قريبا من تسوية مماثلة. وثمة بنوك أخرى ـ من بينها "جيه إم مورجان" وبنك أمريكا ودويتش بنك ـ تخضع لتحقيقات مدنية أو جنائية (أو كليهما) وإن لم يسفر ذلك بعد عن توجيه اتهامات.
يعكس مؤشر ليبور كم تتكلف البنوك حينما تقرض بعضها البعض، ومن ثم فهو مقياس لمدى ثقتها في بعضها البعض. والآن أصبح المعدل مرادفا للتلاعب والتواطؤ. أي أنه لم يعد بوسع المرء أن يطمئن إلى المقياس نفسه الذي ينبغي أن يبين حجم الثقة الموجود داخل النظام التمويلي.
كذلك تتواتر الاتهامات المتعلقة بممارسة البنوك لأنشطة سرية غير شرعية. فقد وجه مسئولون في حكومة الولايات المتحدة اتهامات لبنوك عالمية كبرى بمساعدة تجار المخدرات المكسيكيين على غسيل أموالهم (إتش إس بي سي) وتمرير النقد إلى إيران (ستاندرد تشارترد). ووجه محققون اتهامات إلى بنوك أمريكية بتزييف سجلات الرهونات من خلال أوراق "موقَّعة آليا" [أي: يقوم بتوقيعها موظفون تابعون للبنك]  للإسراع في الإجراءات، وبوضع معوقات غير لائقة أمام المقترضين. ولم يعرف الناس إلا بعد الأزمة المالية أن البنوك دأبت على تضليل العملاء، وتبيع لهم أوراقا مالية تعرف أنها لا تصلح إلا نفاية، بل وفي بعض الحالات تراهن سرا ضدهم.
هاتان الواقعتنان معا دفعتا الثقة الشعبية إلى مستويات أدنى بكثير. وبحسب مركز جالوب لاستطلاعات الرأي، كان ثلاثة من خمسة أمريكيين في سبعينيات القرن الماضي يقولون إنهم يثقون في البنوك الكبيرة "ثقة عظيمة" أو"إلى حد كبير". ولكن هذه الثقة تآكلت عبر العقود التالية. ومنذ أزمة 2008 المالية، انهارت الثقة انهيارا. حتى أنه أقل من واحد من بين كل أربعة أمريكيين هو الذي قال لجالوب إن لديه إيمانا بالبنوك الكبرى ـ وذلك رقم شديد الضآلة. وفي أكتوبر أشار لويس أجويلار من "مفوضية الأوراق المالية والتبادل" إلى بيانات منفصلة تبين أن "تسعة وسبعين في المائة من المستثمرين لا يثقون في النظام التمويلي".
وعندما سألنا دين هولمز ـ رئيس قسم علاقات المستثمرين في شركة جولدمان ساكس ـ عن سبب قلة من يثقون في البنوك الكبرى قال لنا إن "الناس لا تفهم البنوك بسبب نقص الشفافية". (أوضح هولمز لاحقا أنه كان يقصد بكلامه الناس العاديين وليس المستثمرين الذين يتعامل معهم على مدار الساعة) ولا شك أنه محق في أن قليلا من الطلبة والسباكين والأجداد هم الذين يفهمون حقا ما تقوم به البنوك الكبرى اليوم. لقد فقد الناس العاديون إيمانهم بالمؤسسات المالية. وهذه في حد ذاتها مشكلة كبيرة.
لكن مشكلة أكبر منها نشأت ـ وهي مشكلة تهدد بصورة جذرية أمان النظام التمويلي  ـ وهي تتعلق بنوعية كبار المستثمرين الذين يقضي معهم هولمز أغلب وقته. إذ إن هؤلاء أنفسهم يفقدون يوما بعد يوم الثقة في البنوك الكبرى.
بعد كل ما قيل عن "جهود التطهير" التي بذلتها لبنوك، كان يحق للمرء أن يتوقع من كبار المستثمرين أن يقتنصوا أسهم البنوك مستغلين جبن صغار المستثمرين فيشترون بأسعار منخفضة. قامت البنوك بتقليل قيمة الديون المتعثرة، وشهدت وزارة الخزانة بصحة البنوك بعد فترات إجهاد، وقام الكونجرس بتمرير إصلاحات دود-فرانك الخاصة بتنظيم عمل مناطق في السوق التمويلي كانت غير غير منتظمة تقليلا لأثر الأزمات المستقبلية خلال أزمة عام 2008، تخلص كثير من كبار المستثمرين من أسهم البنوك وكان الهدف من هذه الإصلاحات هو أن تنجح في استعادتهم.
والحق أنهم رجعوا، في أول الأمر. يقول كثير من المستثمرين ـ من أمثال وارن بوفيت ـ إن أسهم البنوك كانت منخفضة الأسعار بعد الأزمة، ولا تزال كذلك إلى اليوم. ولا تزال المؤسسات المستثمرة ـ من قبيل الصناديق المشتركة وصناديق التقاعد وشركات التأمين ـ تحوز حصصا لا بأس بها من أسهم البنوك الكبرى. والاحتياطي الفدرالي يحاول مساعدة البنوك على تحقيق قروض وتداولات رابحة، بالإبقاء على أسعار الفائدة منخفضة، وضخ ترليونات الدولارات في الاقتصاد. وقد يكون أسعار الأسهم المنخفضة، والاحتياطي الفدرالي المتعاون والمستعد لمساعدة البنوك في أوقات الشدة حافزا للمستثمرين.
غير أن حدود حماس المستثمرين الكبار واضحة تماما في البيانات. فبعد الأزمة بقرابة أربع سنوات، لا تزال أنصبة البنوك الكبرى منخفضة. وحتى بعد صعود أسعار أسهم البنوك في هذا الخريف، يبقى الكثير منها أقل من "القيمة الدفترية"، الأمر الذي يعني أن تكون قيمة البنوك أقل من القيمة المقررة للأصول المسجلة في دفاترها. وفي هذا إشارة إلى أن المستثمرين لا يصدقون القيمة المقررة، أو لا يصدقون أن البنوك سوف تكون رابحة في المستقبل، أو كلا الأمرين. ولقد قال لنا العديد من المسئولين التنفيذيين في القطاع التمويلي إنهم يرون البنوك الكبرى بمثابة "صناديق كاملة السواد" وإنهم ليس لديهم أي اهتمام بالاستثمار في أسهمها. وقال لنا أحد كبار هؤلاء المسئولين في إحدى كبريات المؤسسات إنه يسمع بانتظام من المستثمرين أن البنوك "غير قابلة للاستثمارuninvestable " وهي أحدث ابتكارات وول ستريت اللغوية.
تلك رؤية متزايدة الشيوع في دوائر كبار المستثمرين. ففي هذا الصيف، كتب باول سينجر ـ الذي يدير صندوق إليوت أسوشييتس الاستثماري الرائد ـ إلى شركائه قائلا إنه "ما من مؤسسة تمويلية كبيرة اليوم يمكن الحصول من بياناتها التمويلية على مؤشر ذي معنى" فيما يتعلق بالمخاطرة. و"آرثر ليفيت" رئيس مجلس الإدارة السابق لـ SEC ـ قال في نوفمبر الماضي بنبرة رثائية إنه ما من دواء من الأدوية المستخدمة فيما بعد 2008 "قد قلل احتمال وقوع الأزمات المالية". وفي حديث قريب مع أحد المسئولين السابقين عن وضع القواعد التنظيمية، أعرب عن مخاوفه من المخاطرات الخفية التي لا تزال تأخذها البنوك، مقارنا البنوك الكبرى بشركة إنرون [عملاق الطاقة التي أفلست في 2001].
كما خلصت دراسة مسحية حديثة لباركليز كابيتال إلى أن أكثر من نصف المؤسسات المستثمرة لا تثق في قياس البنوك للمخاطرة بأصولها. وعندما سئل مدراء الصناديق الوقائية عن مدى جدارة "وزن المخاطرة" بالثقة ـ و"وزن المخاطرة" هي الأرقام التي تستخدمها البنوك لحساب كمّ رأس المال الواجب تجنيبه لاعتبارات الأمان ـ قال نحو ستين في المائة منهم إن جدارتها بالثقة لا تتجاوز 1و2 في مقياس من خمس درجات، مع ملاحظة أن درجة 1 تعني أنها "غير جديرة بالثقة على الإطلاق"، ومع ملاحظة أن أيا منهم لم يعط للبنوك درجة 5.
ولقد أعلن مؤخرا عدد مثير للانزعاج من مسئولي البنوك السابقين أن الصناعة البنكية قد وقعت نهائيا (هذه الدرجة الجديدة من الوضوح تأتي بعدما انتقلوا من الحيتان المالية إلى المتقاعدين الأثرياء). هربرت أليسن ـ الرئيس السابق لميريل لينش والرئيس السابق لبرنامح إصلاح الأصول المتعثرة الذي استحدثه أوباما ـ أصدر كتابا إلكترونيا قاسيا عن إخفاقات البنوك الكبرى. بل إن عددا كبيرا من مسئولي البنوك السابقين دعوا إلى تفكيك البنوك، وزيادة تقييد القواعد التنظيمية، أو العودة إلى قوانين فترى الكساد العظيم التي كانت تفرق بين البنوك التجارية والبنوك الاستثمارية. ومن هؤلاء: فيليب بورسيل (الرئيس التنفيذي السابق لمورجان ستانلي دين ويتر)، وسالي كراوتشيك (الرئيسة التنفيذية السابقة لـ سيتيجروب) وديفيد كومانسكي (الرئيس التنفيذي السابق لميرير لينش) وجون ريد (الرئيس التنفيذي السابق لسيتي جروب). وساندي ويل وهي أيضا رئيسة تنفيذية سابقة لسيتي جروب، وهذه بالذات قضت حياتها المهنية تدفع من أجل الاندماجات، لكنها صرحت هذا الصيف بجرأة بالغة وبتغيير حاد في المواقف عن ضرورة تفكيك البنوك الكبرى.
وإن رحلة بيل آكمان لدالة على نحو خاص. فهو أحد أنجح المستثمرين وأشهرهم في الولايات المتحدة، وقد تنقلت مواقفه من رفض الاستثمار في البنوك، إلى الإيمان بأهمية ذلك، إلى الرجوع مؤخرا عنه بعد فقدان ملايين الدولارات في هذا الطريق. في 2010، اشترى آكمان حصة تصل إلى قرابة بليون دولار في سيتي جروب لحساب برشينج سكوير (وهو الصندوق الاستثماري الذي يديره بقيمة أحد عشر بليون دولار). وقد رأى في أعقاب الأزمة، أن البنوك خفضت قيمة قروضها المتعثرة وباتت أميل إلى المحافظة ولا تعاني من منافسة كبيرة. ولا بد أن تلك بدت بيئة ممتازة للاستثمار. لقد تجنب الاستثمار في البنوك الكبرى على مدار أغلب فترات حياته المهنية. وقال لنا "لمرة واحدة فكرت أنني يمكن أن أثق في قيم دفاتر البنوك".
في الربيع الماضي، قام صندوق بيرشنج سكوير ببيع كامل حصته في سيتي جروب بخسارة وصلت إلى أربعمائة مليون دولار. يقول آكمان: "في السنوات السبع الأولى لبيرشنج سكوير كنت أعتقد أن المستثمر لا ينبغي أن يستثمر في بنك عملاق. ثم بدا لي أن من الممكن الاستثمار في بنك، ففعلت ذلك، وخسرت في ذلك الكثير من النقود".
إن أزمة الثقة بين المستثمرين مهلكة. وهي أقل وضوحا من الذعر المفاجئ، لكن ضررها يتزايد بمرور الوقت. لا يمكن القول إنها تسونامي، فهي لا تكتسح، لكنها لا تتوقف عن الزحف، ترى بين الحين والآخر، ثم تنسى. وسرعان ما تصبح حقيقة من حقائق الحياة. وحتى مع تعافي الاقتصاد، تبقى أزمة الثقة قادرة على استهلاك قواه. إن البنوك عاجزة عن اجتذاب رأس المال. وهي تفقد عملاءها الخائفين أن يتعرضوا فيها للخداع والاحتيال. مسئولوها الكبار يهنون بالتدريج ويضعفون ويفقدون الثقة في أنفسهم وهم يصارعون التركات القاتلة التي أورثتها إياهم الأخطاء السابقة، ونتيجة لذلك فهم لا يقرضون بالقدر الواجب. وبدون ثقة في البنوك، لا يمكن أن للاقتصاد إلا أن يتعثر ويتخبط.
وبالطبع مع تراجع الثقة يزداد احتمال وقوع أزمة مالية. ولعل العاصفة القادمة أن تطيح بالبيت الضعيف من أساسه. سنرى حينئذ مستثمري الصفوة ـ الذين يحركون الأسواق ويسيطرون على التدفق النقدي ـ وهم يهربون خائفين من انهيار السقف. هؤلاء كلما قلت ثقتهم في البنوك، تسارعت وتيرة مضيهم على هذا الطريق: يتوقفون عن الاستثمار، ويجمدون أرصدتهم البنكية، ويضعفون البنية أكثر وأكثر. وإذا بالخوف واقع، وإذا المتاعب التي كان يمكن التعامل من قبل معها، وقد باتت مشاكل وجود.

نشر الموضوع أصلا في ذي أطلنطيك ونشرت الترجمة اليوم في جريدة عمان