الجمعة، 2 نوفمبر 2012

الماركسية الجديدة



الماركسية الجديدة
جورج فريدريتش


مكتبات بالكامل يمكن أن تمتلئ بكتب عن تأثير الإنترنت على حياتنا، وأفكارنا، وطريقتنا في العيش معا. أحاديث لا أول لها ولا آخر ألقيت في موضوع التغير الرقمي، ومقالات لا يدركها الحصر كتبت في محاولة لرصد أثر التغيرات التكنولوجية وفهم عواقبها الاجتماعية. وفي ثنايا ذلك، تزعم برامج التليفزيون أنها تعرِّفنا بالإمكانيات الجديدة والأخطار الجديدة، وتنصحنا بكيفية حماية أنفسنا من وجه الإنترنت الأسود، بكيفية اجتناب شراك العالم الإلكتروني، وكيفية استغلال الفرص التي يوفرها الاستغلال الأمثل.
المنتقدون والحواريون عادة ما يتحدون في تمثيلهم الإنترنت بوصفها شيئا "وقع لنا"، شيئا يزداد نفوذا وقوة وتغييرا لحياتنا بغض النظر عن رغبتنا في ذلك من عدمها. فتكون النتيجة الضمنية هي أننا لا بد أن نتغير لأن الإنترنت يقوم بتغيير العالم.
لكن هل هذا صحيح فعلا؟ ليس من المنطقي، بالطبع، أن نرفض الاعتراف بتأثير التقنيات الجديدة وأن نصر مثلا على أنه من الممكن أن نتسوق الكتب من المتجر القريب بدلا من شرائها من خلال الإنترنت، أو أن نحاول العيش بدون البريد الإلكتروني وتويتر. فآجلا أو عاجلا، سوف يستخدم كل إنسان الإنترنت وسوف يتعلم كيف يحسن استخدامه. ولسوف يعني هذا بالنسبة لمعظم الناس إمكانية الوصول رقميا من خلال الهاتف إلى المعلومات المختزنة.
لا: السؤال الذي أود إثارته أهم. ليست الإنترنت هي التي تغير تفكيرنا وأفعالنا. العكس هو الصحيح؛ فقبل وقت طويل من ظهور بروتوكولات الشبكة والمعمار التواصلي، كان تفكيرنا نحن قد تغير، وذلك هو الذي مهد الطريق لظهور الإنترنت. العقل المتشابك Networked reason ـ بتعبير إيمانويل كانط في "نقد العقل المحض" ـ ليس نتيجة للكمبيوترات المتشابكة. بل إن عقلنا هو الذي تشابك، فأوجد الرغبة في تقنيات متشابكة لإكمال تفكيرنا وتأمينه وتسريعه والوصول به مبلغ الكمال.
فكرة أن الإنترنت تغير تفكيرنا هي صدى متأخر لديالكتيك البنيتين الفوقية والتحتية وقوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج. هي رؤية لوعينا بوصفه محدودا بكينونتنا ـ وتلك فلسفة ظهرت قبل مائة وخمسين سنة من أعمال كارل ماركس الذي زعم أنه يقلب ديالكتيك هيجل رأسا على عقب.
قوى الإنتاج ـ فيما يرى ماركس ـ تشبه تقريبا قوى الطبيعة: تتطور بمعزل عن أفعال الإنسان وأمنياته بطريقة محتومة. والخيار الوحيد المتاح لنا هو أن نتكيف مع هذه العملية التطورية، أن ندركها، ونفهمها، وربما أن نوجهها قليلا إلى هذه الوجهة أو تلك، وأن نستغل الفرص ونتعلم احتمال المخاطرات.
لو أننا طبقنا منطق المادية التاريخية الماركسي، لما كانت تقنيات الاتصال وتقنيات الكمبيوتر الحديثة إلا خطوة في هذه العملية ـ وعليه فلا بد لتفكيرنا أن يتكيف. وإذن فإن أولئك الذين يريدون أن يفسروا تغيرات تفكيرنا في ضوء صعود الإنترنت، إنما هم في أعماقهم يلوذون بالقناعات الماركسية.
ولكننا أيضا نعرف أنه ليس كل تطور تكنولوجي يحظى بالانتشار بصورة طبيعية، حتى وإن كان فعالا ومفيدا وموضع إعجاب. فكثير من الآلات العظيمة لا تزدهر في الأسواق. وكثير من مشاريع الإنترنت فشل. ولو اتبع التقدم التكنولوجي قواعد قوانين الطبيعة، لما كانت فقاعة الـ "دوت كوم" انفقأت.
الرغبة هي الشرط المسبق لإيجاد التكنولوجيات الجديدة، وليس العكس. ونحن في بعض الأحيان نسمع عن ألاعيب تكنولوجية جديدة مصممة لإشباع رغبات لم يكن لها أصلا وجود، ولكن هذا مفهوم خاطئ (أو هو بالأحرى وصف شديد الاصطناعية للرغبات البشرية). طبعا لم يكن هناك من يرغب في الدردشة مع الآخرين عبر الإنترنت قبل ظهور أول غرفة دردشة، ولكن الرغبة في التواصل مع الغرباء بدون كشف المرء عن هويته هي رغبة عميقة ولها جذور فينا. ولولاها لما كانت غرف الدردشة. والحفلات التنكرية كانت تشبع رغبة مماثلة قبل قرون من ظهور غرف الدردشة الإلكترونية وتوفيرها بديلا أرخص وأفضل.
وليس بوسعنا أن نحدد بدقة متى بالضبط ظهر عقلنا المتشابك. ولكن هناك شيئا واحدا مؤكدا: أن هذا العقل المتشابك وجد قبل ظهور الإنترنت بكثير. لعله كان موجودا منذ الأزل. لعل تجلياته الأولى كانت تتمثل في رغبتنا في السفر إلى السواحل البعيدة والعثور على الطرق المفضية من مكان إلى مكان وتعلم اللغات الأجنبية. ولقد كان العلماء في بدايات أوربا الحديثة متصلين ببعضهم البعض، ونشأت بينهم عادة تبادل المعلومات والخبرات، قبل زمان بعيد من ظهور الطرق المعبدة أو أسلاك البرق وشبكات الهاتف التي تؤكد فقط على رغبتنا القديمة في التواصل مع الأماكن البعيدة.
ومثل ذلك في القدم رغبتنا في أن نكون أعضاء مجهولي الهوية في المجتمع ننصب على الآخرين ونخدعهم ونمارس عليهم سلطة ونقيم شبكات نمارس فيها القوة والسلطة والعنف.
جميع الرغبات والأمنيات والغايات تجد لها أرضا خصبة في عالم الإنترنت. وذلك سبب من أسباب نمو الإنترنت، وهو أنها تنطوي على كل الأخطار والمخاطرات والفرص والإمكانيات القديمة. ونخطئ حين نرى هذه الأمور بوصفها أمورا جديدة ومنتجات هي ابنة العصر الرقمي وحده. في حين أنه من المؤكد أن الإنترنت لم توجد هذه الرغبات والأوضاع من عدم ـ بل هي ببساطة أسبغت عليها وجها جديدا.
ولأن الإنترنت تغيرنا بصورة مصطنعة فقط وما هي بجوهرية بالمرة (ولأنها ظهرت لإرضاء رغباتنا القديمة لا لخلق رغبات جديدة)، فليس لزاما علينا إذن أن نتغير. بل إن المهمة الحقة هي أن نتذكر المعرفة القديمة ونجد طرقا لتطبيق القواعد القديمة في البيئة الجديدة. فأسلافنا ما كانوا يصدقون كل قصة يرجع بها الرحالة من أقصى أصقاع الأرض، ونحن لا نصدق كل ما نصادفه في الجرائد اليومية المطبوعة، وكذلك لا ينبغي أن نصدق كل معلومة نصادفها على الإنترنت. إن أسباب الثقة وانعدام الثقة موجودة منذ وجدت الحضارة الإنسانية على الأرض، وهي باقية إلى اليوم ولم تزل صالحة للاستخدام. ولقد كانت أجيال الآباء الغابرة تذكّر أبناءها بضرورة ألا يستقلوا سيارة مع غريب. وعلى آباء اليوم أن يعلموا أبناءهم مخاطر غرف الدردشة الخاصة. فلا جديد تحت الشمس.
قد يبدو معقولا، للوهلة الأولى، أن نظن الإنترنت تغير فعلا طريقتنا في التفكير بل وتغير العالم من حولنا. وفي نهاية الأمر، يبدو سطح تجاربنا اليومية مختلفا اليوم عن أيام ما قبل الإنترنت، فهناك الهاتف الذكي والبريد الإلكتروني .... إلخه.  ولكن الرغبات العميقة ضاربة بجذورها فينا. ولا ينبغي أن يخدعنا الأنبياء الجدد الزاعمون أنهم خبراء "المستقبل الديجيتال" الذين يعرضون أن يرشدونا عبر أزمنة التغير المتقلبة. وهذا أيضا درس نتعلمه من الماضي: الأنبياء الذين يدعون النبوة طالما رسموا سيناريوهات رعب وأشاعوا أنهم على دراية بمعرفة خاصة وأنهم ملاك مفاتيح تفض مغاليق أسرار العالم وإنهم حصلوا على هذه المفاتيح عبر أسفار شاقة ورحلات لا احتمال لغيرهم بآلامها. ولكننا كنا دائما على دراية بمضمون ما يقولون وما هم مستمرون في بثه.
كاتب المقال درس الأرصاد الجوية والفزياء والفلسفة، ويكتب عن التقاطعات فيما بين العلم والثقافة في مدونة خاصة. وهذه المقالة منشورة بتاريخ 16 أكتوبر 20102 في مجلة ذي يوربيان أما ترجمتها فنشرت في ملحق مرايا الصادر اليوم الثاني من نوفمبر 2012 مع جريدة عمان