الثلاثاء، 13 نوفمبر، 2012

الزائر



الزائر
جون بيرنسايد*

"إن لي في منزلي هنا قدرا كبيرا من الصحبة، لا سيما في الصباح حينما لا يتصل بي أحد". هذه الملاحظة التي أبداها "هنري ديفيد ثورو" حول تجربته مع العزلة تعبر عن كثير من الأفكار الشائعة بيننا عن مسألة الوحدة، ومزاياها الظاهرة. لقد قال ثورو ببراعة في كتابه الكلاسيكي "والدن"، الذي أصدره سنة 1854 ساردا فيه حكاية الفترة التي قضاها وحده في غابات ماساشوستس، إنه ذهب إلى الغابة "ليعيش الحياة في عمقها، ويمتص من الحياة نخاعها". وبالمثل، حينما آوي إلى العزلة، أكون راجيا من ذلك أن أجدد الاتصال مع عالم أقرب إلى البرية، أكثر من إنساني، فتزداد بذلك حياتي امتلاء، وأعيد اكتشاف ما يسميه إنجيل توما بـ "ذلك الذي كان، من قبل أن يأتي إلى الوجود".
لقد كان من الخطوات الأساسية على "طريق" الفلسفة الطاوية أو "درب"ـها (و"الطريق" هي الترجمة الحرفية لكمة "طاو") أن يذهب المرء إلى البرية ويلقي بنفسه عاريا في غمار ما يجده فيها، سواء وجد فيها آلام سان أنطوني، أم انفصال السادة الطاويين. بوحدتنا في البرية، نبطل القناعات التي بها يدور المجتمع، نتحرر من الساعة ـ على وجه الخصوص ـ ونتخفف منها، وذلك عامل من أهم العوامل. ننفتح على الآخر، متخففين من الأعراف والعادات: ففي البرية قد تتحدث إلينا الحيوانات، وقد يرشدنا الطير إلى الماء أو النور، وقد تغدو لنا الريح جلدا على الجلد. بل، وقد نعثر، في البرية، على أجسامنا الحقة، مفعمةً بالحياة خفيةً عن أعين الخلق، ولكن ذلك كله لا يتأتى لنا ما لم نتحرر، لا من قيود الساعة والتقويم والأعراف الاجتماعية وحسب، بل ومن الآمال الخفية في بعض الأحيان، والتوقعات، وكل ما نصل إلى البرية مثقلين به.
تغرينا العزلة، أو هي تغري كثيرين منا، بكونها "مكانا للتطهر" على حد قول الفيلسوف الإسرائيلي مارتن بوبر. وقد يكون ما نطمح إليه من سفرنا إلى ذلك المكان هو لذة الابتعاد البسيطة، والتخفف من وضاعة دورة الحياة اليومية وما فيها من فساد. البقاء وحيدا بالنسبة لي هو البقاء عاقلا في عالم مبعثر صاخب، هو الحصول على ما يسميه عازف البيانو الكندي جلين جولد بـ "محصلة العزلة الرفيعة"، ولكن البقاء وحيدا يعني لي أيضا انفتاح فضاء للإبداع، ومنح نفسي فرصة لما يكفي من الهدوء اللازم لي حتى أرى ما هو واقع بعد حين وأنصت إليه.
سارة مايكوك

هناك من الناس أولئك الذين ينزعون إلى أن يكونوا سكانا عابرين في البرية، أولئك الذين لا يطيلون المكوث. وهؤلاء ما أن يجددهم مس من التأمل والوحدة، حتى يسارعوا راجعين في لهفة ليخوضوا غمار معركة الحياة اليومية. أما أولئك المقيمون الملتزمون بالبرية فهؤلاء يسعون إلى ما هو أكثر. ومع ذلك، وحتى إذا كانت العزلة التأملية تمنحهم لمحة من الجليل (أو حتى السماوي الإلهي إن كانوا من هذا النوع)، فإنما في أعقاب ذلك، تثور، على الفور، الأسئلة. ماذا الآن؟ ما غرض العزلة؟ من الذي تخدمه العزلة؟
عندما يصطحب المرء نفسه إلى البرية في سياق مسعاه الروحي فهذا أمر، وعندما يبقى هناك في ظل نوع من النشوة الجدباء أمر آخر. والمتصوف الأنجلوأمريكي توماس ميرتن يذهب إلى أنه "ما من وبال أشد على المرء في حياته الروحية من انغماسه في اللاواقع، وذلك لأن الحياة تصان فينا وتزدهر من خلال علاقتنا الحيوية مع الواقع الخارجي من حولنا ومن فوق رءوسنا. وحين يصبح اللاواقع علف حياتنا، فمصير حياتنا التضور جوعا". ويقول إن إن المرء إن مارس العزلة فكانت بعضا من حياته على الطريق الروحي لا مهربا من الفساد أو تعبيرا عن نفور من البشر "فعزلة المرء سوف تثمر في الأرواح ثمارا هائلة لم تقع عليها الأعين على الأرض". وهذه ملاحظة يبديها كذلك "رالف والدو إمرسن"، صديق ثورو وأستاذه. فهو يرى أن العزلة جوهرية في الطريق الروحي لكننا "بحاجة إلى هذه العزلة مثلما نحن بحاجة إلى تجلياتها ونحن في الشوارع والأماكن ... فالأمر لا يتمثل في رؤسية عدد أكبر من الناس أو عدد أقل، وإنما الأمر في التعاطف الذي يربيه فينا هذا الأمر أو ذاك".
غير أن ثورو كان يشعر بقوة بما في المجتمع من فساد سياسي، وقيام على الربحية، واستعباد للبشر. وكتابه الصادر بعد وفاته سنة 1865 بعنوان "كيب كود" Cape Cod  هو ـ ولو جزئيا على الأقل ـ إعراب عن الفزع والحزن، وعن الرغبة في أن يدير ظهره للمجتمع الأمريكي. ولكنه على مدار الجزء الأكبر من حياته ظل يتبع مبدأ إمرسن الأساسي، حسب ما يتذكر في والدن:
"هنالك أيضا، ومثلما في كل مكان، كنت أحيانا أنتظر الزائر الذي لا يجيئ. ويرد في الفيشنو بورانا أنه ’’على صاحب البيت أن يلزم عند حلول المساء فناء بيته، ويقضي هناك من الوقت مثل ما يستغرقه حلب بقرة، أو أطول من ذلك إن شاء، في انتظار وصول الضيف’’. كنت كثيرا ما أمارس واجب حسن الضيافة ذلك، فأنتظر، وأنتظر، وأقضي من الوقت ما يكفي لحلب قطيع من البقر، ثم في النهاية لا أرى الرجل القادم من جهة المدينة".
لعل "الزائر الذي لا يجيء" هو نفسه الرجل القادم من جهة المدينة، أو ربما هو وافد آخر، أشد غموضا، وربما أقل وداعة وطيبة. ولقد حذر ميرتن من أن البرية مكان للتيه بقدر ما هي مكان للعثور. "أولا، الصحراء هي مكان الجنون. ثانيا، هي مأوى الشيطان المطرود ... لـ ’يهيم في أماكن القحط’. وإن الظمأ يصيب البشر بالجنون، والشيطان نفسه أصابه الجنون بسبب نوع من الظمأ إلى مكانته المفقودة ـ وإنه ما تاه إلا لأنه أحاط بظمئه نفسه وأغمض عينيه عما عداه".

كارل ماركس يعبر عن هذه الفكرة بطريقة أخرى. ففي كتابه "مساهمة في نقد فلسفة الحق عند هيجل" الصادر سنة 1844 يقول "ما الفارق بين تاريخنا في الحرية وتاريخ الخنزير في الحرية إذا لم يكن من وجود للحرية إلا في الغابة؟ ثم إننا نعرف جميعا أن غاية ما تفعله الغابة هو أنها ترد إليك صدى ما تصيح به فيها". لقد كان ماركس يرى في الدين ـ وفي الحياة الروحية كلها ضمنيا ـ "أفيون البشر"، ولكن النقطة المهمة هي ضرورة الحذر من أخطار تفكير الغابة. فمثلما في كل حدوتة أو خرافة من خرافات القرون الوسطى، تمتلئ الغابة بسكان من التنانين، ولكن قليلين من هؤلاء هم أبناء المكان حقا. والبقية إنما يجيء بهم الحاج نفسه، الباحث عن العزلة، الذي ما خرج في المبتدأ إلا طالبا النقاء بمنتهى حسن النية.

إذا لم تقدنا العزلة مرة أخرى إلى المجتمع، فما هي إلا طريق روحي مغلق، وما هي إلا استغراق من الذات في الهروبية، وذلك ما عرفه ميرتن وإيمرسن وثورو والسادة الطاويون جميعا. قد نقع في غرام حرية الخنزير البري، بل لقد نحسده عليها، ولكن طالما بقي الآخرون مستعبدين أو جياعا أو أٍسرى الأعراف الاجتماعية، فإنه لزام علينا أن نرجع لنفعل كل ما نقدر عليه تحريرا لهم مما يرسفون فيه من أغلال. ذلك أن الكليشيه القديم صحيح: لا يمكن أن أنعم بالحرية وسواي مستعبدون، لا يمكن أن أسعد حقا، وغيري أشقياء. وبغض النظر عن مدى قرب كوخ عزلتي البري من الجليل أو الإلهي، يبقى لي جنة جدباء للخواء والغضب ما لم يفض بي ويهيئني للرجوع فالمشاركة الفاعلة في العالم الاجتماعي. وثوروـ وهو أيقونة التأمل الانعزالي، عاد في نهاية المطاف ليكون مساندا لقضية إبطال العبودية. وفي ثنايا قيامه بذلك أرسى مبادئ العصيان المدني التي سوف يستلهمها غاندي من بعد ومارتن لوثر كينج وحركات المقاتلين الأحرار المناهضة للإمبريالية في شتى أرجاء العالم.
لقد كتب جون دون يقول إنه "ما من إنسان جزيرة، ما من إنسان مكتمل بذاته". وذلك قول كثيرا ما يقتطف وحده، ولكن أثره الأتم يأتي من سياقه التأملي كله إذ يكتب:
"كل إنسان إنما هو قطعة من القارة، جزء من التيار. فلو أن قطعة من الطين جرفها البحر، فقد نقصت أوربا، بمثل ما تنقص لو أن ما انجرف رأس بحري، بمثل ما تنقص لو أن ما انجرف ضيعة يملكها صديقك أو تملكها أنت. إن في موت أي إنسان انتقاصا مني، لأنني جزء من الإنسانية، ولذلك لا تسل أبدا لمن تدق الأجراس، إنما الأجراس تدق لك أنت"
تلك واحدة من كبريات مفارقات العزلة، أنها لا تهبنا مهربا، ولا جنة، ولا مقاما نحمي فيه بعجرفة سلامتنا الشخصية إذ نعرض عن العالم بما فيه من خبث ومساوئ، إنما هي مرجع إلى العالم، ودافع جديد إلى التواجد فيه. فضلا عن أن العزلة قد تنفخ الروح في إحساس جديد بمعنى الصحبة، أو أنها تخلق هذا الإحساس بالصحبة خلقا، ومع الصحبة تحيي فينا اللطف وكرم الضيافة بما يتجاوز أقصى ما تصل إليه التربية على الأخلاق القويمة. ذلك أنه مهما يكن ما أنا إياه، ومهما يكن ما أنجزت في حياتي أو لم أنجز، فإن حياتي نفسها تبقى رهنا بالتهيؤ أبدا للزائر الذي لا يجيء، والذي قد يصل في أي لحظة، قادما من جهة الغابة، أو من جهة المدينة. 

 نشر أصلا في مجلة أيون ونشرت الترجمة صباح اليوم الثالث عشر من نوفمبر 2012 في ملحق شرفات



* جون بيرنسايد شاعر اسكتلندي ربما يمكن التعرف إليه قليلا من خلال كلمة ألقاها مطلع العام الحالي بمناسبة فوزه بجائزة إليوت ومن خلال حوار معه