الجمعة، 19 أكتوبر، 2012

قصتان لـ برايان بيسواس




في الحديقة

كان قد مر عام بالضبط  على اليوم الذي أكملت فيه روايتي. وكانت قد قبلت للنشر في دار جيه جيه آند صانز الشهيرة وكنت مشغولا بإدخال التصحيحات التحريرية النهائية. كنت قد كتبتها رواية رومانتيكية على غرار سادة القرن التاسع عشر، رواية حافلة بالعواطف والمكائد، والجنس والفضيحة، والرعد والدم، ومغايرة كذلك لأعمال ذلك القرن المملة، فراوياتي كانت خاوية على نحو مبهج من أي معنى عظيم. وقد أكد لي الناشرون أنها سوف تكون يقينا من أكثر الكتب مبيعا. ودون أن أعرف السبب وجدتني فجأة مدفوعا برغبة قاهرة إلى الرجوع لغابة الصفصاف التي كتبت فيها مخطوطتي. (ربما السبب أنني أردت أن أكون وحيدا في المكان الذي تبين أنه حديقة إبداعي فأستجمع ثمة أفكاري قبل أن تبدأ المرحلة الجديدة ـ والمحمودمة بلا شك ـ من حياتي). كانت غابة الصفصاف مكان جميلا هادئا فوق تل يشرف على واد تسكنه بضع أسرة من المزارعين. وكنت قد قضيت حياتي في إحدى تلك المزارع، ولكنني انتقلت مؤخرا إلى مدينة إيسيكس  حتى أكون على مقربة من جيه جيه آند صانز وحتى أستعد لجميع حفلات التوقيع وجولات الترويج المرتبة.

أخذت الحافلة إلى الجانب الشرقي من إيسيكس حيث توجد مكاتب شركة السكة الحديدة المركزية. ومن هناك اشتريت تذكرة إلى بلدة ترينيتي القريبة. كانت غابة الصفصاف تقع على بعد ميل من ترينيتي في ضواحي بلدة جالوب ميلز، فلا يستغرق الوصول إليها أكثر من عشرين دقيقة من المشي المعتدل.

عندما ركبت القطار مضيت أتنقل من عربة إلى عربة بحثا عن مقعد. كان القطار مزدحما فلم أعثر على مقعد إلى أن وصلت العربة الأخيرة. وكان الركاب زمرة من البؤساء، من حثالة حثالة المجتمع. في العربة الأولى رأيت كثيرا من الرجال مخمورين، بل لقد كان رجلان يمران بين المقاعد حاملين في أيديهما زجاجتي خمر. في العربة الثانية، مررت بامرأة ذات شعر أصفر وعينين زرقاوين كانت تغازل شابين علنا. كانت ترتدي بلوزة صفراء قصيرة الكمين، وجيبة حمراء تصل إلى كاحليها. وكانت تهذي كما لو كانت نهرا جامحا ولكني لم أميز من كلامها حرفا. هواء العربة الثالثة كان مثقلا بدخان السجائر، إلى حد أنني فعلا كنت لا أستطيع أن أميز يدي التي رفعتها أمامي. عند دخولي العربة الرابعة رأيت رجلا في منتصف العمر ذا لحية محمرة وعينين تتوهجان كفحمتين متقدتين، تحوم من فوقه فتاة، تتحسس بأصابعها النحيلة الطويلة صدره العاري في قميصه المحلول. تنهدت في تقزز. ووجدت عربتي أنا باردة وسخة وأشعة من نور الصباح تتسلل عبر النوافذ فتضيء المقاعد الوسخة بالقاذورات. وقعت تقريبا على الأرض وأنا أهم بالجلوس على مقعدي، فقد كانت شرائح المقعد الخشبية المتهالكة متعفنة. نهضت فنفضت عن نفسي الغبار، وجلست في مقعد في الجانب الآخر من الممر. وثمة وجدتني بجوار شيخ ذي وجه نحيل ضئيل، وعينين كليلتين ضيقتين. كان يرتدي بدلة سوداء، ويضع في حجره صحيفة مطوية باهتمام. حاولت أن أجري حوارا، فعبس في وجهي ثم أشاح عني. قلت له في سري، ما يناسبك يناسبني، وأخذت أنظر من النافذة إلى الريف الجميل المارق جنبي. كنت متضايقا، ولم يكن ذلك بلا أسباب. وكلما سارعت بالخروج من هذا القطار كان أفضل. نظرت في الساعة فإذا بها الثامنة والنصف. على العاشرة أكون في غابة الصفصاف.

أخذ القطار يتوقف كل بضعة أميال فينزل منه نصف دستة من الركاب. لم أر ولو واحدا يصعد إلى القطار. ولا بد أن سهري على تصحيح المخطوطة تمكن مني أخيرا فسرعان ما رحت في النوم. ولم أدر بعد ذلك إلا أني فتحت عيني، فأخذ جفني يطرفان، وأنا أتثاءب وأعتدل. كانت العربة خاوية، وبقع من نور الشمس منثورة على السجادة الحمراء. نظرت في ساعتي فراعني أنها الخامسة وخمس دقائق عصرا! سارعت أمرق في العربات، واحدة بعد واحدة، باحثا عن عامل أسأله، ولكنني فيما يبدو كنت الوحيد المتبقي في القطار.

"متى مررنا بـ ترينيتي؟" هكذا سألت المهندس عندما وصلت إلى القاطرة. كنت أخشى أن نكون قطعنا نصف المقاطعة في ذلك الوقت.

نظر إلي في حيرة وقال وهو يهرش رأسه "ترينيتي؟ ليست هناك محطة باسم ترينيتي على هذا الخط. بل إنني لم أسمع بمكان يحمل هذا الاسم".

نظرت إليه في ارتياب، وقلت "أنا مولود بالقرب من ترينيتي. في بلدة اسمها جالوب ميلز. وأنا أعرف أنها على هذا الخط. وهذه رحلة قمت بها مرات ومرات من قبل. ولا تستغرق أكثر من خمس وأربعين دقيقة في غاية السلاسة. ثم إنني اشتريت في الصباح تذكرة إلى ترينيتي، وبهذه التذكرة ركبت هذا القطار". ورفعت تذكرتي أريه إياها.

نظر إليها وضحك. "هذه تذكرة إلى بلدة تيرون. قاطع التذاكر فهم خطأ. لكن لا يهم، لقد توقفنا في تيرون قبل ساعات عديدة".

لم أدر هل أصدق المهندس أم أكذبه. كنت أعرف أن ترينيتي موجودة، فقد قضيت بالقرب منها عمرا كاملا! ولكنه في المقابل كان على حق، فقد كان ينبغي أن نكون وصلناها من ساعات.

لم تكن تلك أقصى غرابات يومي الغريب. نظرت من النافذة ورأيت أننا نقترب من بلدة أخرى، رأيت سيارات وحافلة. ومارة.  وفتاة على دراجة. صفر القطار ورحنا نهدئ سرعتنا إذ ندخل البلدة. قال المهندس:

"سيدي، هذه بلدة باينام، وهي نهاية الخط. ومهما يكن ما تظنه مكتوبا على تذكرتك، لا بد أن تنزل هنا".

عدت إلى مقعدي، ناظرا إلى المهندس في ضيق وأنا في طريق عودتي، أخذت حقيبتي، ونزلت من القطار، إلى رصيف لم يكن عليه أحد. كانت الخامسة والنصف. والمحطة كانت مغلقة في نهاية اليوم. نظرت إلى السماء ورأيتها رمادية وحزينة.

نظرت فرأيت واحدا من أغرب المشاهد. رأيت رجلا في عربة يجرها حصان تقف محاذية الرصيف. كان شيخا هرما، ذا شعر بني داكن، وعينين مغرورقتين، وفي عنقه ندبة دميمة. كان يرتدي سترة داكنة نحاسية الأزرار وربطة عنق بيضاء. وحذاء برقبة من الجلد. لا بد أنه رآني ناظرا إليه فقد قال: "إلى أين أنت ذاهب؟"

قلت "جالوب ميلز" وأنا أتوقع تماما أنه سينفجر ضاحكا، ولكنه رد ببساطة:

"اركب".

وطرقع بسوطه فانطلق جواده. سرنا بسرعة الضوء فتتمايل العربة من جانب إلى جانب. وكان علي أن أتشبث في مقعدي فلا أقع. كنت أتوقع أن نأخذ الطريق المعاكس لاتجاه القطار الذي أبعدني أميالا كثيرة عن وجهتي، ولكننا توغلنا في الاتجاه الذي كان يسلكه. صحت على السائق في فزع. فالتفت ناحيتي وقد كور يده حول أذنه. صاح "ما الأمر؟ ما الذي قلته؟" كان يبتسم ابتنسامة وحشية وعيناه تلمعان كالبرق. فانزويت في مقعدي.

 واندهشت لما رأيت، ربما بعد خمس عشرة دقيقة، لافتة "جالوب ميلز" تظهر أمامي. بيوت الأسر الصغيرة على أطراف البلدة. منزل مزرعة قديم. حقل شعير. ملأت البهجة قلبي. وبعد دقائق كنا ندخل إلى منطقة وسط البلدة، وعند الطوب الأحمر في الميدان المركزي، توقف السائق. نزلت من العربة ورحت أعدل ثيابي وأنا أتفحص نفسي. كانت ثيابي في حالة مزرية.

قلت وأنا أخرج محفظتي "كم؟". ولكنني حينما نظرت لم أجد له أثرا. لا، بل كان له أثر، ولكن بعيد، في آخر الأفق. رأيت العربة وهي تمرق في البعيد على الطريق الترابي، وارتعدت من مرأى السائق الغول في البعيد.

تركت الميدان متجها إلى شارع البلدة الرئيسي، ولم تمض عشرة دقائق حتى كنت عند أطراف البلدة، مشرفا على الوادي. رأيت بيوتا جميلة بيضاء منثورة في الأفق، وبستانا هائلا من شجر البرتقال، ومرعى تسرح فيه الأبقار والخيول. نظرت يسارا فرأيت أنني عند أسفل تل. وتلك هي اللحظة (الأولى) التي تكشف لي فيها كل شيء في ذلك اليوم. لقد تركتني أحداث ذلك اليوم فاقدا الاتجاه. ففي تلك اللحظة فقط أدركت أن ذلك هو الوادي الذي كنت أقصده، ذلك هو الوادي الذي كنت أعرفه تمام المعرفة. وملأني إحساس بالسلام والسكينة.

منقطع الأنفاس من فرط الإثارة، رحت أجري وقلبي يخفق بقوة، صاعدا التل. كنت راجعا إلى مكان الاكتشاف، المكان الذي غير مجرى حياتي وكان يوشك على تغييرها مرة أخرى، يطغى عليّ إحساس بالدهشة والروع، وصلت إلى قمة التل، عبرت حافة غابة الصفصاف، وهناك، في المركز بالضبط، وقعت على الحديقة المذهلة. رأيت نباتات كنت أعرفها تماما: أقحوان، وخشخاش، ونرجس. وزهور ونباتات لم أرها من قبل، زهور قرمزية وطحالب برتقالية فسفورية، وبراعم زرقاء، وسراخس خضراء.

لم يكن المكان كعهدي به. أشجار الصفصاف المحدقة بالمكان كانت كدأبها ـ وهنالك الصفصافة التي كتبت تحتها رائعتي ـ لكن الحديقة نفسها تغيرت من مكان بسيط إلى مكان شرس الجمال. مشيت عبر الحديقة، والعشب تحت قدمي يانع مغر ـ متأملا في عجب المشهد المحيط بي، غامرا نفسي بالروائح المخدرة تفوح من آلاف الأزهار، ومن بستان البرتقال، ومن الشجر المزهر، ومن الورد الفواح. وفي ذلك الحين حدث أن شعرت أنني أفقد وعيي. حاولت أن أتشبث في ذلك الواقع الغريب الذي وجدت فيه نفسي، ولكنني لم أنجح، وسرعان ما غلبني نوم عميق. ورأيت حلما: رأيت أنني طاف في الفضاء أنظر في السماوات. رأيت مذنبا ينساب ببطء بجواري. وعلى غير توقع، استدار ناظرا باتجاهي. سحبني المذنب بذنبه فرحت أتفادى جزيئات الغبار والثلج، وشعرت بالجاذبية تشدني بنعومة. سافرت ببطء في أرجاء الكون. لم أكن خائفا. رأيت عوالم أخرى تمر بجواري: مجرات، وسدائم، وغيوما هائلة من غبار طاف. وبغتة تبدد كل ذلك وصرت وحدي في فراغ أسود. طغى علي الإحساس بالوحدة واليأس، كما يغمر الموج رجلا يغرق. تهت في الفراغ، لم تكن هناك علامات توجهني، ولا مكان أستريح فيه. نظرت في الفراغ ورأيت أنه يتحول إلى حمرة الدم. ثم أدركت أن ما أراه ليس الكون بل حافة الخلق، وأنني أندفع عبر المكان والزمان، مثل سهم باتجاه هدف ناري. ولما عبرت نهاية الزمن (وهي أيضا بداية) وجدت نفسي في دوامة من اللون والنور ومن أعماق الدوامة صعدت رؤية وفي تلك الرؤية ظهرت أمامي سلسلة كلمات (مكتوبة بالدم داخل منظار هو حلمي)، كانت الكلمات في ذاتها خاوية من المعنى، ولكني لما قرأتها معا تعذبت من دلالتها التي رحت أأأأأحاول أن أفهمها.

ما عرفته بعد ذلك أنني أستيقظ في يوم جديد، والشمس تشرق على الوادي. تثاءبت واعتدلت. كانت الحديقة هادئة ووادعة، والهواء نقيا وساكنا. أدركت في ذلك الوقت أنني لن أرجع مطلقا إلى إيسيكس، وودت لو أقضي بقية حياتي هنا، وسط ما أحببت ومن أحببت. على جيه جيه آند صانز أن تروج لكتابي بدوني. وهذا كلام لا غبار عليه. أنا شخصيا لم يعد يهمني الكتاب في شيء.

نظرت إلى وادي شبابي وتنهدت وقد أدركت أنني وصلت إلى نهاية الرحلة.

ولا يوجد بعد هذا ما أحكيه.

الدنيا حلوة، ومليئة بالسحر. ومن لا يصدق أنها كذلك ميت.

 

 


غرفة في نهاية العالم

هناك في نهاية القاعة باب. تفتحه فترى بابا ثانيا. تفتحه فترى الثالث. وتفتح هذا الباب فلا تندهش حينما ترى الرابع. وتظل تخطو متقدما فاتحا الأبواب. وتفعل هذا لوقت طويل، طويل للغاية. وفي ثنايا هذه العملية تدرك أن كل باب مطلي بلون مغاير. وليست لديك أدنى فكرة عن سبب هذا، ولكنك تجده مثيرا للاهتمام. وبعد فترة تدرك لا أن لكل باب لونه المختلف وحسب، بل أن الألوان تتابع بحسب ترتيب ألوان الطيف: أحمر، برتقالي، أصفر، أخضر، أزرق، بنفسجي، وأن كل لون أشد سطوعا، وأكثر إشعاعا، من سابقه. وهذه في حقيقة الأمر ظاهرة مثيرة للاهتمام. ولا يخطر لك مطلقا أنك قد تتوه وأنه خير لك أن تعود أدراجك، وجميل أن هذه الفكرة لا تخطر لك، لأنك لو التفت وراءك لما وجدت ثمة أبوابا، وأنها تذوب إلى لا شيء بمجرد أن تعبرها. وأخيرا تصل إلى ما تعتقد أنه لا بد أن يكون الباب الأخير. باب مطلي بالأبيض الساطع بل شديد السطوع إلى حد أنك تضطر أن تغطي عينيك فلا يعميهما السطوع وأنت تفتح الباب. تتوقع أن ترى غرفة مهيبة، فأنت تعرف من واقع تجاربك أن الأبواب، جميع الأبواب، تفضي إلى غرف، ولئن كان لامرئ أن يعبر كل هذه الأبواب وصولا إلى غرفة فلا بد أن يكون سبب ذلك هو أنها في حقيقة الأمر غرفة رفيعة الجلال عظيمة الشأن، فإن لم تكن غرفة فربما باب آخر، ومن ثم فأنت واقع في متاهة لا خروج لك من براثنها، ولكنك ترى لا غرفة ولا بابا. لا ترى أي شيء. فراغ. خواء. وتحار. وتأخذ نفسا عميقا، تدرك أنه قد يكون نفسك الأخير، وتجتاز الباب. فلا يحدث شيء (وهل كنت بصدق تتوقع أن يحدث شيئ؟). فقط يظهر لك باب آخر، فتفتحه، وتجتازه هو الآخر.
 



نشرت الترجمة في ملحق مرايا الصادر مع جريدة عمان بتاريخ اليوم 19 أكتوبر 2012