الأربعاء، 29 أغسطس، 2012

رسالة من على الحدود السورية


رسالة من على الحدود السورية
ستيفن فرانكلن



تركيا ـ يايلاداج (الحدود السورية)

يلوذ "ياسر جاني" بشريط ضيق من الظل، يريد أن يفر إليه من الهجير ومن الزحام ومن المستقبل المليء بالقلق. ولكن الشجرات القليلة المنتصبة هنا خارج مخيم اللاجئين السوريين لا توفر له أي شيء من هذا الذي يريده، وهو ما يبدو جليا على وجهه.
يقول "ياسر جاني" السوري، قصير القامة، الذي لم يتجاوز بعد منتصف العمر إن "أغلب الناس هنا يائسون". كان "ياسر جاني" أستاذا للعلوم في مدرسة ثانوية قبل أن يهرب نهاية العام الماضي هو وزوجته وولداه الصغيران وأمه وشقيقه. يقول "إن الناس فقدوا بيوتهم، وأعمالهم، ومالهم، ولا يعرفون أي شيء عن المستقبل الذي ينتظرهم". ويضيف بلا مواربة "وأنا مثلهم في كل ذلك".
في الوقت الذي تغلي فيه سوريا، يعيش سوريو الشتات في عالم يقتسمه الإيمان واليأس، والرفض والقبول، وما بين هذه النقائض من درجات عديدة. لاعب كمال الأجسام الشاب الذي امتلأت بطنه بثقوب من رصاص الجنود السوريين يلوك الآن أحلامه القديمة، بينما الزوج الذي قتلت زوجته وهي حبلى في شهرها السابع أثناء محاولتهما الهروب يجمده الفزع. وكل يوم تزداد ضخامة شبح المزيد والمزيد من المقتلعين من جذورهم والمصابين بالجراح في أرواحهم في العالم العربي.
هناك بالفعل ما يربو على مائة وعشرين ألف لاجئ مكدسين في مخيمات في تركيا وفي لبنان وفي العراق وفي الأردن، وآلاف أخرى من الذين يتدبرون أمور أنفسهم في هذه البلاد. وهناك عدد أكبر من السوريين المتأهبين فيما يبدو للانضمام إلى صفوف الهاربين من بلدهم مع ازدياد الصراع ضراوة في المدن الكبرى في سوريا.
دكتور مصطفى، طبيب نفسي سوري يعيش الآن في المملكة المتحدة ويرفض التصريح باسمه بالكامل، يتخوف من الندوب التي لا امحاء لها، والتي سوف تدوم طويلا بعد التوصل إلى أي حل للأزمة. هو الطبيب النفسي الوحيد هنا، ولذلك فهو مرغم على التنقل من مخيم إلى مخيم، متفقدا حالات اللاجئين المصابين بالذعر، موزعا الأدوية، محاولا قياس المدى الذي وصل إليه عمق المشكلة.
"ياسر جاني" واحد من هؤلاء اللاجئين العائشين على التخوم ما بين اليأس والرجاء. وعلى الرغم مما يشعر به من إحباط بشأن قضاء السنة الأخيرة في هذا المخيم الصغير المزدحم الذي يشكو فيه من نقص احتياجاته اليومية، إلا أنه يساعد في إدارة فصول للتدريس للاجئين الصغار. يقول إن ذلك هو غاية ما يقدر عليه.
وبالمثل، هناك "أحمد حسون"، 56 عاما، الذي يعيش نفس الروتين اليومي، الذي لولاه لما وجد لحياته في أنطاكية أي معنى. وأنطاكية مدينة كبيرة في جنوب تركيا تجمع فيها الكثير من السوريين. هو محام من إدليب في شمالي سوريا التي استعر فيها القنال مؤخرا، يرتدي قميصا نظيفا، وبنطالا داكنا مكويا بعناية، ويجلس في  هذا الصباح في شقته شبه الخاوية التي يعيش فيها مع أبنائه، ثم يتوجه منها إلى مكتب يعمل فيه مع عشرين من المحامين السوريين اللاجئين. أما زوجته فلا تزال في سوريا.
لا يحصل على أجر لقاء عمله. لا هو ولا أي من المحامين. لكنهم يجتمعون يوميا، ويلتقون بالعملاء، ويدونون مذكرات دقيقة، وهدفهم أن يعدوا سجلا مفصلا ودقيقا بالانتهاكات التي تعرض لها السوريون في ظل نظام الأسد. يقولون إنهم يرجون أن يقدموا هذا السجل إلى المحكمة الجنائية الدولية أو إلى محكمة في سوريا عندما يرجعون. وهم يتعاونون في ذلك مع محامين داخل سوريا أيضا.
من بين عشرات اللاجئين الذين يترددون على المكتب بصفة يومية ليرووا حكاياتهم أوحكايات آخرين يخجلون من روايتها بأنفسهم ـ ومن أولئك النساء اللاتي تعرضن للاغتصاب ـ أو يصعب عليهم ذلك من هول ما رأوا بأنفسهم من أحداث، ومن واقع ذلك كله وضعوا ملفا بما يزيد على ثلاثين نوعا من التعذيب، وبما لا يقل عن ألف وخمسمائة حالة اغتصاب، بعضها كانت حالات اغتصاب جماعي.
تبين السجلات أن الجلادين السوريين يستخدمون مع الضحايا عصيا معدنية وخشبية، وغالبا ما يستخدمون الكهرباء أيضا. كما يستخدمون الأحماض، وليس نادرا أن يموت الضحايا بسبب الحروق أو الجراح، بحسب ما يقول حسون.
ويضيف أن الجنود الذين يتم القبض عليهم حال هروبهم "يلقون الإعدام الفوري إما بالرصاص أو بالذبح بالسكاكين".
وفي حين يتذكر أحد المحامين من رفاق حسون أنه رأى رجلا يموت من الضرب في الشارع على أيدي الجنود السوريين، يقول حسون في هدوء "أشعر بالرعب حينما أسمع أمثال هذه القصص".
أغلب حكايات التعذيب التي يسجلها حسون هي التي وقعت للدكتور "محمود شيخ ابراهيم" طبيب الأطفال، 38 عاما، الذي لم يكن يرغب في مغادرة سوريا حتى بعد أن أقضى ثمانية شهور في السجن.
"وضعوني في زنزانة صغيرة لمدة ثمانية وعشرين يوما وكانوا يحققون أربع مرات في اليوم، وكانت كل جلسة تحقيق تستمر لساعة أو اثنتين. أو يجعلوني أقف لساعات. يضربونني. باستخدام عصي خشبية ومعدنية. كنت أسمعهم وهم يغتصبون النساء والفتيات في الغرف المجاورة".
عندما خرج ابراهيم من السجن ورجع إلى بيته في اللاذقية، ظل مثلما كان، يكلم مرضاه وزملاءه وأي شخص يقابله عن انتهاكات النظام السوري. يقول "لم أكن خائفا". إلى أن حدث ذات يوم وهدده ضابط ذوو رتب عالية بأن حياته نفسها أصبحت مهددة. فرحل في اليوم التالي مباشرة، وكان ذلك منذ تسعة أشهر. ومنذ ذلك الحين وهو يعمل مع مقاتلي جيش سوريا الحر الذين يفدون مصابين إلى تركيا.
يلتزم ابراهيم بالعمل مع المقاتلين ويتبعهم إلى داخل الأراضي السورية عنما يخوضون معركة كبيرة هناك. وقد طلب منه أبوه ألا يشاركهم في هذا، خوفا على حياته، ولكنه لا يزال مصرا على المشاركة. يقول إنه طبيب، وإن الطبيب يعالج الجرح بعد الجرح بعد الجرح، والجراح لا تنتهي.
يقول بتوتر وهو يشيح بذراعه ويرفع من حدة صوته "أحدث نفسي وأنا أعالج الجنود بأن بشار الأسد هو الذي يمسك السكين ويتسبب في كل هذه الجراح".
وشأن د. ابراهيم، تعرف "د. خولة صاوة" الكثير عن اللاجئين واحتياجاتهم الطبية، لأنها تعمل في تنظيم المساعدات الواردة من الأطباء السوريين المغتربين مثلها هي شخصيا. يصل المغتربون السوريون إلى هذه المنطقة في موجات قادمة من أوربا ومن الولايات المتحدة ومن العالم العربي. يقضون أسابيع ثم يرحلون. وكثير منهم يرجعون مرة أخرى.
تعمل صاوة أيضا في توفير الاحتياجات الطبية المطلوبة داخل سوريا. تعمل صيدلانية في مستشفى بالولايات المتحدة، وقد حضرت إلى جنوب تركيا خمس مرات في مثل هذه المهمة. وهذه المرة أحضرت معها ولديها.
ولدت صاوة في سانت لويس بالولايات المتحدة، وانتقلت في طفولتها إلى سوريا بصحبة أبويها السوريين. وعندما وضعت الحكومة أباها في السجن، ظلت الأسرة تنتظر الإفراج عنه اثني عشر عاما.
صاوة الآن نائبة رئيس الفرع التركي لاتحاد منظمات الإغاثة الطبية السورية، وهي تقوم مؤخرا بتخزين الاحتياجات الطبية في مخازن صغيرة ثم تجد طريقة لتهريبها إلى داخل سوريا.
تقول إن "الاحتياجات كبيرة للغاية. فنحن نهرب ما قيمته مائة ألف دولار من المستلزمات الطبية فإذا بها تنفد في أيام قليلة".
في مخزن المستلزمات الطبية ـ وهو عبارة عن شقة في الطابق تحت الأرضي في بناية مجاورة في حي ريحانيلي ـ يقومون الآن بتفريغ شحنة من الضمادات الماصة للدم. تقول صاوة إن رجل صناعة أمريكيا تبرع بما قيمته خمسمائة ألف دولار من المستلزمات الطبية.
من واقع زيارات إلى المخيمات ذات الإدارة التركية والعيادات التي أقامها الأطباء السوريون، باتت صاوة تعرف آلام اللاجئين وإحباطاتهم.
تقول إن الوضع يزداد صعوبة على أولئك الذين يرفضون العيش في المخيم بسبب أوضاعه الصعبة أو بسبب العزلة، فهؤلاء يتدبرون أمور أنفسهم وينتهي بهم الحال إلى استئجار شقق أو السكنى مع عائلات أخرى. وفي بعض الأماكن تضاعفت الإيجار إثر توافد اللاجئين.
تقول صاوة "إنهم جميعا غير شرعيين، وليس لأي منهم حقوق". وسرعان ما تنفد نقودهم ويكتشفون أنهم لا يمكن أن يلجأوا إلى المستشفيات التركية لأنهم غير مسجلين لديها. "قبل ثوان كانت معي على الهاتف امرأة أبلغتني أنهم في المستشفى رفضوا فحص طفلها".
لكن أشد السخط هو الذي يشعر به أطول الناس مقاما في المخيمات حسب ما تقول صاوة. هذا السخط يظهر في مشجارات، وفي شكاوى من الأوضاع داخل المخيمات. الحق أننا شهدنا ثلاث نزاعات في مخيمات اللاجئين بسبب مطالبة سوريين بثلاجات وأطعمة وماء. لدرجة أن الأمن التركي اضطر إلى استخدام الغاز المسيل للدموع وإطلاق الرصاص في الهواء تهدئة للثائرين.
ولكن صاوة رأت أيضا كيف ناضل اللاجئون من أجل التكيف مع الوضع ومع المستقبل ومن أجل مساعدة بعضهم البعض على ذلك. فتح بعض منهم متاجر صغيرة في المخيمات ليتكسبوا منها ما يعينهم على الحياة. وفي العيادات المزدحمة، ترك المرضى الأكبر سنا أسرَّتهم وناموا على الأرض مفسحين إياها للوافدين الجدد.
في مخيم يايلاداج، حيث قضت النار على عروسين حديثي الزواج كانا قد وصلا قبل أيام قليلة، يبدي "ياسر جاني" تخوفاته على الصغار الذين يحتاجون مزيدا من الطعام والثياب، والمراهقين الذين ينبغي أن يذهبوا إلى المدارس. كما يبدي تخوفاته على النساء اللاتي صار حتما عليهن أن يتعاملن مع هذا الوضع الذي يخلو من القدر الكافي من الخصوصية، ويمتلئ بالمصاعب.
بعد نشوب حريق المخيم، تكلم المسئولون الأتراك عن نقل اللاجئين إلى مخيم آخر بعيدا عن الحدود السورية. ولكن وصول أكثر من ألف لاجئ دفعة واحدة أرجأ الكلام عن هذا النقل، خاصة في ظل الاحتياج إلى إقامة مخيمين آخرين على الأقل. وهكذا بقي المخيم هنا مفتوحا.
يبدي جاني مخاوفه من نقص النقود، ومن المستقبل. ولكن في يوم آخر، وفي ظل مناخ مختلف، يتخوف من عدم قدرته على التقاط أنفاسه. يقول إنه في أكثر الليالي لا يستطيع النوم بسبب الحرارة. ولكنه يضيف "ومع ذلك أحاول أن أجعل حياتي أفضل".

كتب هذا التقرير بدعم من مركز بولتزر للكتابة عن الأزما، ونشر في "إن ذييس تايمز" ونشرت ترجمته في جريدة عمان بتاريخ 18 أغسطس 2012