الجمعة، 13 يناير 2012

متى تعرف أنك تجيد لغة




كان الكاردينال ميزوفانتي قديسا غير معترف بقداسته من الكنيسة، خاصة وأنه لم يأت يوما بمعجزة من النوع الذي يرغم الكنيسة على الاعتراف به ضمن قديسيها، غير أن قدراته كانت استثنائية بكل تأكيد. فقد قيل إن ميزوفانتي كان يتكلم اثنتين وسبعين لغة، وقيل خمسين، وقيل: بل إنه لم يجد إجادة تامة إلا ثلاثين. والحق أنه ما من أحد على يقين تام من الرقم الأكيد، ولكنه بلا شك كان كبيرا. كان الزوار يتوافدون من أربعة أركان أوربا ليختبروه فيذهلهم بمقدرته الفذة على الانتقال بين الألسن بسلالسة مدهشة، وحدث أن حكم على اثنين من المجرمين بالإعدام، ولم يكن ثمة من يعرف لغتهم ليسمع بها اعترافهم الأخير قبل تنفيذ الحكم. فتعلم ميزوفانتي اللغة في ليلة ثم سمع اعترافهما بخطاياهما في الصباح فأنقذهما بذلك من الجحيم. أو هكذا تجري الأسطورة.
في كتابه "بابل .. لا أكثر" يقدم لنا "مايكل إيرارد" أول كتاب جاد عن أولئك الذين أجادوا من اللغات الكثير، الكثير جدا، أو زعموا هذا.  وإيرارد ـ وإن كان تلقى بعض التعليم اللغوي ـ لا يعد من فئة عديدي اللغات (هو يجيد بعض الأسبانية وبعض الصينية) لكنه تعامل مع موضوع كتابه بروح الدهشة، وبشيء مطلوب من التشكك.
فميزوفانتي على سبيل المثال كان رجل كهنوت مرموقا ولد في عام 1744، وفي أغلب المحاورات التي كان يشترك فيها، كان هو في الغالب من يحدد مواضيع الحوار، ومن ثم فقد كان بوسعه أن يعتمد دائما على ألا يخرج من النطاق اللغوي الذي يألفه. ثم إنه كان يعيش في زمن كانت "إجادة" اللغة فيه تعني إجادة القراءة بها والترجمة منها أو إليها، أكثر مما تعاني طلاقة التحدث بها مع أهلها. ومع ذلك، فقد كان ميزوفانتي يتكلم بطلاقة، وكان نطقه الإنجليزية بارعا بشهادة أيرلندي.
ولكي يستكشف إيرارد إمكانية أن يتعلم امرؤ هذا الكم الكبير من اللغات، بحث إيرارد عن ميزوفانتيين آخرين في زماننا هذا. ولا شك أن من التقى بهم مثيرون للاهتمام. فهناك رجل له عقل طفل في التاسعة ولكن ذاكرته مدهشة في استيعاب الكلمات الأجنبية واستخدام النهايات النحوية، ولكنه فيما يبدو لا يستطيع أن يتحرر من سطوة التركيب اللغوي الإنجليزي. وهناك كين هيل، وهو أستاذ لغويات في معهد مساتشوستس للتكنولوجيا مات في عام 2001، وكان يقال إنه تعلم خمسين لغة، من بينها لغات مشهورة بصعوبتها كالفنلندية التي تعلمها وهو على متن طائرة في رحلة متجهة إلى هيلنسكي. ولا يزال أساتذة اللغويات المحترفون يقسمون بمهارته. ولكنه كان يصر على أنه لا يجيد غير ثلاث لغات (هي الإنجليزية، والأسبانية، ولغة وارلبيري ـ وهي لغة في شمال أستراليا) ولا يملك في لغات أخرى إلا أن يتكلم وحسب.
يقول إيرارد إن عديدي اللغات الحقيقيين هم الذين يجيدون أكثر من إحدى عشرة لغة، وأنه برغم الأساطير الشائعة عن البعض، إلا أن من تم اختبار إجادتهم للغات قليلون للغاية. هناك "زياد فضة"، الذي ولد في لبنان ويعيش حاليا في البرازيل، والذي دخل مرة موسوعة جينيس للأرقام القياسية بإجادتة ثمانية وخمسين لغة. ولكنه حينما فوجئ أثناء لقاء تليفزيوني بمتحدثين يسألونه بلغاتهم الأم التي يفترض أنه يجيدها، إذا به يخطئ فهم أسئلة بالفنلندية والفارسية بل والروسية (ومن بين الأسئلة التي لم يفهمها سؤال بالروسية ترجمته: في أي يوم من الأيام نحن؟)، فكان فشلا معيبا لا يزال مخلدا على يوتيوب. لعله كان مزيفا، أو ربما كان يمر بيوم سيئ لا أكثر.
لا بد لعديدي اللغة أن يقوموا بعملية إحماء للغاتهم لبضع ساعات أو لبضع أيام حتى يتسنى لهم استخدامها بأريحية. ولا بد من التأكيد على أن التنقل بين أكثر من ست لغات أو سبع أمر بالغ المشقة حتى على الموهوبين.
فهل يعني هذا أنهم لا يجيدون هذه اللغات؟ هل المعيار الوحيد لإجادة لغة هو حضورها الفوري الشبيه بحضورها لدى أبنائها؟ إلى أي مدى تعد الإجادة الجزئية إجادة؟ هل تعد إجادة القراءة بلغة إجادة لها؟ تنتشر في ثنايا كتاب إيرارد هذه الأسئلة التي يطرحها مرارا وتكرارا وهو يتحسس طريقه عبر كتابه تحسس المراقب اليقظ، لا الأكاديمي المنحاز لنظريته، أو البائع الذي يسوق سلعته.
عديدو اللغات في الغالب أشخاص يتسمون بالانطواء لا الانبساط، وذلك أمر قد يجده البعض مدهشا. ولقد كان ابن كين هيل يقول ذلك عن أبيه دائما، ويؤكد أن اللغات كانت حجابا يختفي خلفه. وهناك ألكسندر أرجويليس الذي تعلم عشرات اللغات لا لشيء إلا ليقرأ بها وكان يقول إن "من النادر أن يجري المرء حوارا مثيرا بالإنجليزية، فما الذي يجعلني أظن أن الوضع سيكون أفضل في لغة أخرى؟" وهناك إيميل كيربس، وكان دبلوماسيا ألمانيا في مطلع القرن العشرين وكان مشهودا له بإجادة عشرات اللغات، ولكنه كان رجلا فظا بأي لغة تكلم. ويحكى عنه أنه رفض أن يتكلم مع زوجته ذات مرة لمدة سبعة شهور لأنها طلبت منه أن يلبس معطف المطر.
ثمة فرضيات كثيرة من شأنها أن تفسر جزءا من موهبة متعلمي اللغة. فمن عديدي اللغات من يبدون أقرب إلى المتوحدين. وتأييدا لهذه الفرضية يشير إيرارد إلى نظرية سيمون بارون كوهين من جامعة كمبردج، التي يذهب فيها إلى أن للمتوحدين "مخًّا ذكوريا متطرفا"  يسعى إلى السيطرة على الأنظمة. وهناك فرضية أخرى تعرف بعنقود السمات المسمى بالـ "جيشفيند جالابوردا" Geschwind-Galaburda. حيث يفترض أن التعرض الجيني غير الطبيعي للهرمونات يسفر عن عنقود من جملة ما فيه الذكورةُ والمثلية والعسر [الاعتماد على اليد اليسرى] وضعف القدرات البصرية الفضائية والخلل المناعي وربما موهبة تعلم اللغات. هذا علاوة على أن مناطق المخ مسئولة عن مهارات مختلفة. فيكون الفص الأيسر أكبر من المعتاد لدى علماء الصوتيات المحترفين. أما الذين تظهر عليهم  سرعة اكتساب المفردات الجديدة فيكون الفص الأمامي لديهم أكبر من المعتاد. ولقد تبين عند تشريح مخ كيرب في معمل بـ دوسلدورف أن فيه سمات كثيرة غير طبيعية.
كان اكتشاف الجين المخي المعروف بـ FOXP2  (والذي يؤدي تغيره إلى التسبب في مشكلات لغوية) قد قوبل بقدر كبير من الإثارة قبل عقد من الزمن. ولكن حقيقة الأمر هي أن أجزاء كثيرة من المخ  تعمل معا من أجل إنتاج الكلام فليس من الممكن إرجاع النجاح في تعلم اللغات إلى مجرد جين واحد أو منطقة بعينها من المخ أو نظرية واحدة. وفي النهاية، لقد كان من أسباب سعادة إيرارد أن التقى بعدد من الشخصيات الفاتنة، وأنصت إلى عدد من الحكايات المدهشة وقام ببحث لم يحاول في أي لحظة فيه أن يصدر أحكاما.
ولكنه يكتشف في نهاية القصة مفاجأة في أرشيف ميزوفانتي: بطاقات. أكوام وأكوام من البطاقات المكتوب عليها بالجيورجية والهنجارية والعربية والألجونكينية وتسع لغات أخرى. وإذن فقد كان أشهر عديدي اللغات في العالم يعتمد على نفس وسائل التعليم التي يعتمد عليها الأطفال في كي جي وان اليوم. والخلاصة؟ قد يكون عديدو اللغات موهوبين، لكنهم ليسوا عباقرة. هم وحسب يستمتعون بما يجده غيرهم من البشر مضجرا ومرهقا. والموهبة والاستمتاع تقودانهم إلى مسير لا يملك الآخرون إلا أن يروه فيهزوا رءوسهم، في إعجاب يخالطه قدر غير بسيط من عدم الفهم.
عن الإيكونوميست

نشرت هذه المادة صباح اليوم في ملحق مرايا الذي يصدر عن جريدة عمان