الثلاثاء، 10 يناير 2012

تحيا القصة ... ولو فسبكتها



سكوت برادفيلد
نيويورك تايمز

القصص القصيرة كائنات، قوية، ومرنة، وضئيلة، مثل البكتريا التي لا يكفون عن اكتشافها في أغوار البراكين أو في أعماق المحيطات. بوسعك أن تدفنها في تلك الصفحات المزدحمة بادية الموات التي ترونها في مجلات الأدب الأكاديمية، فتبقى مع ذلك مفعمة بالحياة. لك أيضا أن تملأها بالكائنات الفضائية الهلامية أو العاهرات المسلحات بالمسدسات، فتجد أنها تشتغل في سعادة، وأنها تصمد، وتبقى ويفنى أولئك المغرورون من الفائزين ببوليتزر الذين لم يقدروها حق قدرها (ناهيكم عن لجان التحكيم التي ينتقى أعضاؤها على الفرازة). ذلك أن بقاء القصص لا يتطلب الكثير، ليس أكثر من موقف جدير بالمراقبة، وشخصية جديرة بالمراقبة، وثلاثة مكونات أرسطية سحرية: بداية ووسط ونهاية. وإذا بين يديك بغتة وحش صغير كامل الأوصاف. وإذا هو يتنفس. وإذا هو يتناسل.
ولو أن لنا أن نستنتج أي شيء من مجموعة "لاو بيتش" الأولى الصادرة بعنوان "420 نقرة" فإننا نستنتج أن القصص القصيرة لديها من القدرة على الاحتيال والتكيف ما يجعلها تصمد أمام الفيسبوك، أو لمزيد من الدقة، ما يجعلها تصمد أمام اشتراط الفيسبوك بألا تزيد حجم الـ ستيتس [status ـ حالة] عن 420 نقرة، ففي هذه المساحة التي يخصصها الفيسبوك للستيتس، نشأت هذه القصص جميعا. غير أنها ليست بهذا الصغر إلا من حيث عدد الكلمات فقط، لأن النطاق الذي يتحرك فيه خيال بيتش متسع اتساع شخصيات قصصه. وانظروا مثلا إلى "زوما بيدلي" الذي "جاء إلى لوس أنجلس سنة 2002 مصطحبا جيتاره، وأغنياتٍ، وكلبا قبيحا". أو فيرا (وولي) لامب التي "تلبس لبس الرجال ويمكنها أن تفوق في السباب والشراب والقتال أيَّ ذي بنطلون". ثم إن هناك تلك الكثرة الكثيرة من المتوحدين من رواد الحانات ومقاهي الطرق السريعة، أو ذلك الرجل الذي "استئجر من الباطن لطلاء جسر معلق على نهر ممبوزو في الكونغو" أو ذلك الرجل المغامر الذي يضع نفسه في مركبة فضائية منطلقة إلى المستعمرة العميقة رقم 7حيث يقال له إن "الأمور على ما يرام" وإن بوسعه، بفضل الله، أن يستمر في تدخين المارلبورو. وليس قصر القصة، أو قصرها البالغ في واقع الأمر، بعائق لها عن احتواء حشود من الناس (أو استعراضهم).
قصص بيتش فيها من القوة والخشونة مثل الذي في لحاء الشجر، حتى وهو يكتب عبر تنويعة ملفتة من الأساليب. فهناك القصة التي تأتي على أسلوب ليوبارد/جيم طومسن والتي قد تصادف فيها أبله مجهولا كل ما يشغله أن بين أسنانه ورقة سبانخ في حين أن أحدهم وضع على مقعد سيارته الخلفي جثة إنسان. أو فنان الكولاج الغريب ـ في قصة على طراز جيليان( وبالمناسبة بيتش نفسه فنان كولاج أعماله تزين متاحف وكتالوجات مثلما تزين صفحات كثيرة من كتابه هذا الشبيه بالكتالوج) حيث تستقر سفينة شحن عملاقة في مجمع سكني هادئ، أو رجلا يرتدي سرا، إذ لديه في قبعته عصفور. ولكن أفضل قصص بيتش هي تلك التي تقع في المنطقة السريالية الطريفة والمعتمة التي تفصل ما بين الرجال والنساء. بعض هذه القصص توشك أن تكون حواديت كاملة لما يمكن أن يحدث بعدما يستشعر الرجال النهاية، وعندما يكون الوقت قد فات على القيام بعمل أي شيء:
"
بعدما هربتْ منه، أصبح هو زوجة نفسه، يكوي وهو في ثيابه الداخلية، ينظف الأرفف، ينقل التماثيل إلى منضدة الطعام ثم يعيدها بحرص بعد أن ينتهي من تلميع الرفوف. يرتدي مريلتها، ويغسل الصحون. وأحيانا يجلس في خزانتها ويحرك وجهه بين فساتينها، مثل عشب يشمشم في حقل عالي الحشائش".
يمكن الاستمتاع بـ "420 نقرة" ـ برغم صعوبة ذلك ـ في جلسة واحدة أو اثنتين، ولكن الأثر المتراكم أثر تمتزج فيه الجدية بالهزل بالإقناع. عالم الكتاب بالغ الضخامة، ذلك العالم المؤلف من تلك القصص الضئيلة، تلك السلسلة المتصلة من منمنمات التجارب. وبعض تجارب القصص يسفر عن نتائج جميلة ومدهشة (شأن القصة السابقة الواردة كاملة) في حين يسفر البعض الآخر عن مسوخ مختلطة شبيهة بالمصير المؤسف الذي يلاقيه أندريه ديلامبر في فيلم "الذبابة" سنة 1958.
وفي النهاية، ليس بيتش وحده، وإنما القصة القصيرة نفسها هي التي تخرج منتصرة من هذه الصفحات. فالحقيقة، ولنواجهها جميعا، هي أن القصة القصيرة وإن كثفتها أو أوجزتها أو ضغطتها أو رقمنتها أو فسبكتها ... قادرة على الحياة.
كاتب المقال: قاص وناقد، صدر له أحدث أعماله بعنوان "الذين رأوها عندما مرت".
عنوان الكتاب: 420 نقرة 420 ـ تأليف ورسومات: لاو بيتش ـ عدد الصفحات: 169 صفحة ـ الناشر: هاوتن ميفلن هاركورت ـ السعر: 22 دولار