السبت، 5 فبراير، 2011

أمريكا لا تخاف الإسلام الراديكالي بل الاستقلال


نعوم تشومسكي

ذكرت الجزيرة الأسبوع الماضي أن "العالم العربي يحترق" في الوقت الذي تشهد فيه المنطقة كلها حلفاء الغرب وهم "يفقدون نفوذهم بسرعة". ولقد حدث هذا المد العنيف بسبب انتفاضة تونس الدراماتيكية التي أزاحت دكتاتورا مدعوما من الغرب، وبسبب أصداء هذه الانتفاضة لا سيما في مصر التي سحق المتظاهرون فيها شرطة الدكتاتور القاسية.
لقد قارن المراقبون هذا المد بالإطاحة بالحكومات التابعة لروسيا سنة 1989، لولا أن هناك فارقا مهما، وهو أنه لا يوجد ميخائيل جورباتشوف بين القوى العظمى الداعمة للطغاة العرب. بل توجد واشنطن وحلفاؤها الذين يبقون متمسكين بالمبدأ المستقر القائل بأن الديمقراطية مقبولة طالما هي تراعي الأهداف الاستراتيجية والاقتصادية: لا بأس بها في أرض العدو (حتى حدود معينة)، أما في فنائنا الخلفي، فلا داعي من فضلكم، إلا لو تم ترويضها بصورة صحيحة.
لقد كان للمقارنة في عام 1989 نصيب من الصلاحية: ففي رومانيا بقيت واشنطن تدعم نيكولاي شاوشيسكو، وهو الأشرس بين طغاة شرق أوربا، إلى أن تعذر عليها تبرير هذا الدعم المخلص. فأثنت واشنطن على الإطاحة به، وانمحى التاريخ. هذا هو النموذج المتبع: فرديناند ماركوس [في الفلبين]، جان كلود دوفالييه [في هاييتي]، تشون دوهوان[في كوريا الجنوبية]، سوهارتو [في اندونسيا]، وكثير غيرهم من رجال العصابات المفيدين. ولعل مثل ذلك جار الآن بالنسبة لحسني مبارك، بالتوازي مع الجهود الروتينية الرامية إلى ضمان أن لا ينحرف النظام التالي كثيرا عن الطريق المعتمد. ويبدو أن الأمل الحالي معقود على اللواء عمر سليمان الموالي لمبارك، والذي تم الإعلان عن تعيينه مؤخرا نائبا للرئيس في مصر. وسليمان ـ الذي بقي لوقت طويل على رئيس جهاز المخابرات العامة ـ يحظى لدى الشعب الثائر بمثل ما يحظى به الدكتاتور نفسه من احتقار.
يشيع على ألسن "الحكماء" التغني بأن الخوف من الإسلام الراديكالي يستوجب لأسباب براجماتية معارضة الديمقراطية (وهم أمر غير مرغوب). غير أنها معادلة مضللة، وإن لم تعدم بعض أسباب الوجاهة. لقد كان الخطر بصفة عامة ولا يزال يتمثل في الاستقلال. ولذلك عمدت الولايات المتحدة وحلفاؤها إلى دعم الإسلاميين الراديكاليين بصورة منتظمة، وكان ذلك في بعض الأحيان لتفادي خطر النزعات القومية العلمانية.
والمثال الشائع في هذا المقام هو المملكة العربية السعودية، إذ هي أيديولوجيا مركز الإسلام الراديكالي (والإرهاب الإسلامي). وهناك مثال آخر من القائمة الطويلة يتمثل في ضياء الحق، وهو الأكثر قسوة بين طغاة باكستان، وهو حليف الرئيس ريجان المحبب، وهو الذي نفذ (بتمويل سعودي) برنامج الأسلمة الراديكالية.
يقول مروان معشر المسئول الأردني السابق والمدير الحالي لمركز أبحاث الشرق الأوس في مؤسسة كارنييج "إن الحجة التقليدية التي تتردد داخل العالم العربي وخارجه هي أن كل شيء على ما يرام، وأن كل شيء تحت السيطرة ... وبهذه الطريقة في التفكير، تذهب القوات الراسخة إلى أن الخصوم والأطراف الخارجية الداعية إلى الإصلاح إنما هي تبالغ في تقدير الأوضاع على الأرض".
وهكذا يتسنى استبعاد الشعوب. فالمبدأ يضرب بجذوره إلى الماضي البعيد، ويبسط وجوده على اتساع العالم، لا تستثنى من ذلك الولايات المتحدة. ولئن كانت التحولات التكتيكية ضرورة عند وقوع القلاقل إلا أن العين لا بد أن تبقى دائما مثبتة على تأكيد السيطرة.
لقد كانت الحركة الديمقراطية البهية في تونس مناهضة "لدولة بوليسية، لا مجال فيها تقريبا لحرية التعبير، وفيها مشكلات أكيدة فيما يتعلق بحقوق الإنسان" ويحكمها دكتاتور كره الشعب عائلته بسبب فسادها. وذلك ما قاله السفير الأمريكي روبرت جوديتش Robert Godec في برقية بتاريخ يوليو 1999 نشرتها ويكيليكس.
لذلك يبدو لبعض المراقبين أن وثائق ويكيليكس "ينبغي أن تثير إحساسا بالارتياح بين الشعب الأمريكي لكون المسئولين الأمريكيين غير نيام في مواقعهم"، بل إن هذه الوثائق في واقع الأمر تدعم سياسات الولايات المتحدة حتى ليبدو للمرء كما لو أن أوباما هو بنفسه الذي يقوم بتسريبها (وهذا ما يقوله جاكوب هيلبرن في الناشيونال إنترست).
"على أمريكا أن تمنح أسانجي وساما". هذا عنوان في فيننشال تايمز كتب تحته جدعون راشمان يقول إن "سياسة أمريكا الخارجية تظهر [في هذه الوثائق] سياسة ذكية برجماتية قائمة على مبادئ ... والموقف المعلن الذي تتخذه الولايات المتحدة في أي قضية هو الموقف السري أيضا".
وفق هذه الرؤية، تقوض ويكيليكس حجج أصحاب "نظرية المؤامرة" الذين يتشككون في الدوافع النبيلة التي تزعمها واشنطن.
وبرقية جوديتش تدعم هذه الآراء ـ على الأقل إذا نحن لم ننظر إلى ما هو أبعد. أما حين نفعل، كما يفعل محلل السياسة الخارجية ستيفن زيونس في "فورين بوليسي إن فوكس"، فإنه يتبين لنا أن الولايات المتحدة مدت تونس بمساعدات عسكرية قيمتها 12 بليون دولار، في الوقت الذي كانت فيه معلومات جوديتش بين أيديها. فالشاهد أن تونس كانت خامسة خمسة مستفيدين من المساعدات الخارجية: إسرائيل (بشكل روتيني)، ودولتين دكتاتوريتين في الشرق الأوسط هما مصر والأردن، وكولمبيا ذات السجل القديم والمعيب في مجال حقوق الإنسان وأهم مساعد عسكري للولايت المتحدة في نصف العالم.
يركز هيلبرن على أن الدعم العربي لسياسات الولايات المتحدة يستهدف إيران، حسب ما كشفته البرقيات المسربة. وريتشمان أيضا يمسك بهذا المثال، والإعلام بصفة عامة، يثني على هذه التسريبات. غير أن ردود الأفعال تكشف عن مدى احتقار الديمقراطية بين المثقفين.
ما لا يقال هو رأي الناس ـ وهذا سهل اكتشافه. فبحسب استطلاعات للرأي أعلنها معهد بروكنجز في أغسطس، يتفق بعض العرب مع واشنطن والكتاب في الغرب على أن إيران تمثل تهديدا: 10% منهم يرون هذا الرأي. في المقابل، يعتبر العرب الولايات المتحدة وإسرائيل تهديدين أساسيين (77% و 88% [على الترتيب])
الرأي العام العربي شديد العداء لسياسات واشنطن، لدرجة أن الأغلبية (57%) ترى أن الأمن الإقليمي سوف يتأكد في حال امتلاك إيران لأسلحة نووية. ومع ذلك "كل شيء على ما يرام، وكل شيء تحت السيطرة" (حسب وصف مروان معشر لهذه الخرافة السائدة). الطغاة يدعموننا. أما رعاياهم فيمكن تجاهلهم، إلى أن يكسروا قيودهم، وحينئذ تبدأ السياسات في التغير.
هناك تسريبات أخرى تقدم الدعم للآراء المتحمسة لنبل واشنطن. في يوليو 2009، قام هوجو لورنز سفير الولايات المتحدة لدى هندوراس بإطلاع واشنطن على تحقيق قامت به السفارة في "القضايا التشريعية والدستورية المحيطة بالإطاحة القسرية بالرئيس مانول ’ميل’ زيلايا في 28 يونيو".
خلصت السفارة إلى أنه "لا شك في أن مؤسسات الجيش والمحكمة العليا والبرلمان الوطني تآمرت في الثامن والعشرين من يونيو فيما يشكل انقلابا يفتقر إلى الشرعية والدستورية ضد الجناح التنفيذي". أمر مثير للإعجاب. لولا أن الرئيس أوباما مضى إلى غير ما مضت إليه كل أمريكا اللاتينية وأوربا تقريبا بدعمه النظام الذي جاء بالانقلاب وغضه النظر عن الأعمال الوحشية التي أعقبته.
غير أن أبرز ما يتعلق بتسريبات ويكيليكس هو ربما ما يتعلق بباكستان، وذلك ما استعرضه محلل الشئون الخارجية فريد برانفمان في تروثديج Truthdig.
تكشف البرقيات أن سفارة الولايات المتحدة واعية تماما أن حرب واشنطن في أفغانستان وباكستان لا تزيد معاداة أمريكا في باكستان ضراوة وشدة وحسب، إنما "تخاطر بزيادة القلاقل في باكستان" وتتسبب في خطر كابوسي، وهو أن تقع الأسلحة النووية في أيدي الإرهابيين الإسلاميين.
مرة أخرى، ينبغي لتسريبات ويكيليكس "أن تثير إحساسا بالارتياح ... لأن المسئولين ليسوا نياما في مواقعهم" (بكلمات هلبرن) بينما واشنطن تمشي واثقة الخطوات إلى كارثة.


الجارديان، في الرابع من فبراير

بإهداء رقيق إلى نيبو وعيد الخميسي