الثلاثاء، 21 ديسمبر، 2010

ثورة الأدب



ثورة الأدب

إريك أورمسبي*

ترجمة أحمد شافعي

مرة قال الشاعر الفرنسي بول فاليري (1871 ـ 1945) إنه لا يستطيع أن يكتب رواية، لأنه لو فعل ذلك فسوف يضطر عاجلا أو آجلا إلى كتابة جملة من قبيل أن "الماركيزة خرجت في الساعة الخامسة". وكان يتساءل "ما الذي يجعل الماركيزة مضطرة إلى الخروج في الخامسة؟ لم ليس في السادسة أو السابعة؟ بل، في واقع الأمر، ما الذي يجعلها تخرج في الأساس؟ ولماذا تكون ماركيزة في الأصل؟ لم لا تكون دوقة أو غسّالة؟ كانت الطبيعة الاستبدادية للأدوات السردية تضايق فاليري، إذ كانت تحظى بسلطة لم تكن في عمقها إلا زيفا يدعونا إلى معاملة الخيال وكأنه حقائق جامدة.

في كتابه "ما الذي جرى للحداثة؟" يستغل الروائي والناقد البريطاني جابرييل جوزيبوفيتشي جملة فاليري هذه عنوانا لأحد فصول الكتاب، وموتيفة تتحرك في ثنايا الكتاب كله. فالمشكلة التي تمثلها ماركيزتنا دقيقة المواعيد هذه هي ـ حسب ما يلاحظ جوزيبوفيتشي ـ أنها تضرب الإبداع القصصي المتعارف عليه في الصميم. إذ على الرواية ـ كي تقنع قراءها ـ أن تكون ذات حبكة، وحوادث درامية، وزخم سردي، في حين أن هذه الأشياء بالتحديد غائبة عن حيواتنا اليومية، التي نراها جميعا مختلطة مشوشة مفتقرة إلى هذا النظام. وهنا تتميز الحداثة بل إنها تنفرد ـ حسب ما يرى جوزيبوفيتشي ـ باعترافها أن القصص التي نحكيها ـ وبرغم كدحنا كي نملأها تماسكا ومنطقا دراميا ومعنى نهائيا ـ معيبة بصورة لا إصلاح لها، وناقصة، ومنطوية على تناقضات جوهرية.

الحداثة ـ حسب الفهم الشائع ـ حركة شهدها مطلع القرن العشرين، تركت تأثيرا كبيرا على جميع الفنون، وقد اتسمت في آن واحد بالانقطاع عن التراث والاعتمكاد اللاواعي على التراث. ومن بين عظماء الحداثيين بيكاسو وفرانسيس بيكون في الرسم، وسترافينسكي وشونبرج في الموسيقى، وهم جميعا شخصيات في الرواية التي يكتبها جابرييل جوزيبوفيتشي في كتابه هذا. ولكن الشاغل الأكبر لصاحب "ما الذي جرى للحداثة؟" هو الأدب: بروست، وكافكا، ووالاس ستيفنس، وتوماس مان، ومجموعة أخرى كبيرة. ويجدر بنا القول بأن جوزيبوفيتشي مناصر أكيد للحداثة، يراها تراثا قيما، ليس مهددا وحسب، بل إنه منقرض تماما لا سيما في مشهد الإبداع القصصي البريطاني المعاصر المعتم.

الحداثة ـ فيما يرى جابرييل جوزيبوفيتشي ـ شيء شاسع ولكنه أليف، يحتضن بين ذراعيه "الحياة نفسها، ولا أقل من الحياة". وهو يقول إن الحداثة ليست أسلوبا بل "إدراكا للفن ووعيا به في حالته القلقة ومسئولياته غير اليقينية". والحداثة ـ أكثر من ذلك ـ هي نوع من الجحود والنكران المأزوم ـ فهي "رد فعل على تبسيط الذات والحياة الذي جاءت به البروتستنتية وعصر التنوير". وألفة الحداثة تكمن في ذلك الجهد العنيد ـ لا سيما من جانب الروائيين الحداثيين ـ لاسترداد هذه الترددات، والأطنان من الشكوك، والأسئلة القلقة التي تهاجمنا حتى ونحن نحاول أن نقيم من شذرات حيواتنا سردية متماسكة يمكن تصديقها. السردية الحداثية الحقة دائما زخمها مفكك متقطع.

لا يقدم جابرييل جوزيبوفيتشي تعريفا بسيطا واسعا وعمليا للحداثة ـ وهذا أمر عسير في كل الحالات ـ ولكنه يفعل ما هو أفضل من ذلك. إذ إنه ينتزع الحداثة من إطارها الزمني المحدود المتعارف عليه، ليضعها ضمن منحنى تاريخي طويل يبدأ من القرن السادس عشر. وهو باعتماده على مقتطفات منتقاة بعناية ـ وبديعة في أغلب الحالات ـ من نطاق واسع من الكتاب ـ ابتداء من هوميروس وحتى إيريني نيميروفسكي ـ يبين لنا إحداثيات موضوعه؟ وهذا النهج أكثر إنصافا للحداثة بكل تعقيداتها من أي كبسولة حكائية يمكن تقديمها. ولأن جابرييل جوزيبوفيتشي نفسه روائي متحقق، فهو يعرف كيف يصنع سردية قوية وقيمة وإن تشابهت مع نتاج أولئك الروائيين الذين يرى أن الزمن عفا عليهم. وهي أيضا رواية لا يمكن وصفها إلا بأنها مقنعة بصورة قد لا تكون في حسبان الكثيرين.

تكمن أصول الحداثة في التحرر من الوهم، والإفاقة من الضلال، أو هي تكمن، لمزيد من الدقة، فيما سماه الشاعر الألماني فريدرتش شيلر بـ "الانعتقاق من سحر العالم". غير أن جوزيبوفيتشي ـ الذي يحب أن ينقل عن الكتاب بلغاتهم الأصلية ـ يخطئ للأسف إذ يدرج عبارة شيلر على هذا النحو die Entziehung der Welt ليكون معناها "الانسحاب من العالم"، في حين أن الصياغة الصحيحة هي die Entzauberung der Welt. غير أنه حتى هذا الخطأ لا ينال شيئا من حجة جوزيبوفيتشي.

في أواسط القرن السادس عشر، بدا أن اليقينات القديمة، والطقوس العتيقة، وهيراركية ملكوت السماوات والأرض، تتداعى جميعا. وحسب ما يبين جوزيبوفيتشي، فقد أخذ عالم الاجتماع ماكس ويبر عبارة شيللر في مطلع القرن العشرين ليستخدمها في شرح التحول الجذري الذي حدث للعالم بعد حركة الإصلاح البروتستنتية، إذ تحول العالم من فضاء سماوي يحيا بفعل قوة خارقة للطبيعة، إلى سوق صاخب بالمشاريع والإنتاج والفردانية المتفشية.

في عالم انفك من السحر كهذا العالم الذي نعيش فيه الآن، لا تصبح الكتابة أو الرسم أو التأليف الموسيقي بطريقة تقليدية تفترض أن شيئا لم يكن، لا تصبح أمرا مفتقرا فقط إلى المعنى، بل إنها تصبح كذبا صريحا. فلقد تفككت السردية البشرية القديمة تفككا حاسما، ومن الكذب أن يزعم أحد بعكس ذلك. والحداثة هي رد الفعل المأزوم ـ بل إن جابرييل جوزيبوفيتشي يراها رد الفعل الوحيد الصالح ـ على هذا التشظي النهائي للعالم والذات.


يبدأ جابرييل جوزيبوفيتشي قصته بملاحظات بارعة على نقشين شهيرين لألبرخت ديورر (هما "كآبة 1" و"القديس جيرومي في مكتبه" من أعماله في عام 1514 ). كان ديورر يريد للوحتين أن تتكاملا، ولكن "كآبة" في واقع الأمر ـ وحسب ما يرى جوزيبوفيتشي ـ بما فيها ظلال وضربات مربكة باتت تصور حالتنا الراهنة، أما "القديس جيرومي" بما فيها من صفاء ووضوح فتكشف عن كل ما ضاع منا نحن المحدثين. من الواضح أن جوزيبوفيتشي يرى أن تفتت اليقينات السابقة ـ وإن منحنا الكثير من المكاسب ـ تركنا في حلة من العوز والحرمان. بالنسبة لديورر، كان عالم القديس الهادئ المنظم حقيقيا بقدر ما كان حقيقيا عالم الكآبة المعتم الفوضوي. أما بالنسبة للحساسية الحداثية، فلم يعد الصفاء ممكنا، والحقيقة ـ إن أمكن أصلا أن نخطف نظرة إليها ـ أصبحت باعثة على القلق.

يعرج جابرييل جوزيبوفيتشي ـ في تتبعه لمنحنى الحداثة الطويل ـ على رابلياس Rabelais وثرفانتس، وكلاهما فنان من القرن السادس عشر "كانا يعرفان إلى أقصى حد أنهما يعيشان فترة تغير حاسم". وهما، وشخصيات من القرن التاسع عشر مثل الفيلسوف الدنماركي كيركجارد وكذلك ـ وهذا هو المدهش بحق ـ الشاعر الإنجليزي وليم ووردثوورث، يمثلون مؤشرات الحداثة الحقيقية حسب ما يرى جوزيبوفيتشي. ويبرع الكاتب فيما يكتبه عن ووردثورث إذ يبين أن ذلك الشاعر كان يبقى حتى في أعمق لحظات مناجاته للطبيعة "غريبا في أفقها".

ومع القرن العشرين وفنانيه المشاهير، يجد جابرييل جوزيبوفيتشي نفسه في بيته. فسواء هو يناقش فقرة في "دكتور فاوستوس" لتوماس مان أو يقتطف من حوار مع الرسام فرانسيس بيكون، وسواء هو يعتمد على دراسات روزاليندا كراوس لبيكاسو أو ملاحظات مارسل دوشامب على أعماله، تجده محتشدا شعوريا وواضحا إلى أبعد حد. ولو بدا أن تقديره كبيرا لكتاب مثل بورخس وكافكا، فإن أداءه الجيد لا يقل مطلقا عند تعامله مع كتاب أقل شِهرة مثل كلود سيمون الروائي الفرنسي الحاصل على نوبل والذي يعتبره الكاتب ذا تأثير واسع. يتناول الكتاب من رواية "طريق الفلمنكيين" استحضار سيمون الغزو الألماني لفرنسا سنة 1940 وتصويره لـ "المدنيين وقد مضوا في عناد يتسكعون بطريقة غير مفهومة ساحبين من ورائهم حقيبة منبعجة، أو دافعين أمامهم عربة من عربات الأطفال وقد ملأوها بمقتنيات غامضة". في مشهد كهذا تتحد الشفقة والعبث معا، ونشعر بقوة الحقيقة المرة.

موهوب جوزيبوفيتشي بقدرته على إغراق القارئ، ومع ذلك، تبقى ثمة تحفظات. إن من أقل مظاهر الحداثة جاذبية هو ولعها بإبعاد كل ما لا يعجبها وإلقائه في الظلام. ولقد كان تي إس إليوت وإزرا باوند بالذات بارعين في قرارات الحرمان الكنسية تلك. لدرجة أنني عرفت شعراء يرفضون قراءة فرجيل أو ملتن بسبب أحكام التهوين هذه التي أصدرها كبار الحداثيين، وهي أحكام دائما ما تأتي على طريقة قطبية: هوميروس نعم، فرجيل لا، مارفل نعم، ميلتن لا. وبدوره، يخون جوزيبوفيتشي بعضا من نزعته التنظيرية، حين هو يزدري أنطوني باول وفي إس نايبول، وبنكتة واحدة يلغي كليهما إلغاء. في حين أن روايتي "رقصة على موسيقى الزمن" لأنطوني باول، و"بيت للسيد بيسواس" تبقيان من روايات القرن العشرين العظيمة.

يدين جوزيبوفيتشي سرد "فيليب روث" لخلوه من "ذلك الإحساس بكثافة العالم المكتوب عنه والكامن فيما وراء الكلمات، وهو الإحساس الذي نستشعره ونحن نقرأ بروست أو جيمس". ثم إنه يتصور قارئه وقد اعترض قائلا إن "روث كاتب تجريبي!" ومتسائلا في استنكار "أليس التجريب هذا هو هم الحداثة؟". فإذا بجوزيبوفيتشي هيقول في أسى "لو أن هذا هو رد فعلكم، فأنتم لم تستوعبوا كل هذا الذي كنت أقوله". طيب، جائز. ويحار جوزيبوفيتشي في أمر كثير من النقاد الأذكياء، إذ إن "كثيرا منهم درسوا قصائد إليوت، أو روايات فرجينيا وولف" ولكنهم "يخونون موهبتهم" بثنائهم على أعمال يعتبرها "درجة ثانية" مثل أعمال فيليب روث وجراهام جرين وتوني موريسن وجون أبدايك وسلمان رشدي.

لا يقر جوزيبوفيتشي باحتمال أن يكون ثمة عنصر خبيث كامن في أعمال هؤلاء الحداثيين من الكتاب والفنانين والموسيقيين الذين يعجبونه أشد الإعجاب، وأن هذا العنصر هو المسئول عن اندثار أعمالهم. فلعل مرور الزمان أثبت أن الشك في الذات وفي العالم ـ وهو الذي كان يقود عبقريتهم ـ عنصر مهلك نال من المعايير الصارمة التي فرضها أولئك الفنانون على الفن. والكاتب ينقل عن مارسل دوشامب على سبيل المثال دونما اعتراف بأن ألعابه الساخرة الهازلة هي التي أدت ـ بعد عقود ـ إلى الخدع التافهة للمدعين من أمثال دميان هيرست وجيف كونز.

لعل السؤال الحقيقي الذي يثيره كتاب "ما الذي جرى للحداثة؟" هو سؤال عن الطريقة التي يشتبك بها الفن مع الواقع. لقد كان روائيو القرن التاسع عشر يخلقون شخصيات ويضعونها بداخل سردية، وكانت تلك عملية "مستبدة"، فديفيد كوبرفيلد وبيري جوريو مرسومان بمثل صرامة الماركيزة التي تخرج عند الخامسة. ولقد كان بلزاك يحمل عكازا نقشت عليه عبارة نصها "أنا محطم كل العقبات" وكافكا كتب أنه هو نفسه كان ينبغي أن يحمل عكازا ينقش عليه "أنا الذي تحطمني العقبات". فلقد كان كافكا يعرف ـ حسب ما يقول جوزيبوفيتشي ـ أن "الحداثي هو من يعرف أن ثمة أشياء لم يعد يمكن القيام بها"

الحداثة عند جوزيبوفيتشي هي في نهاية الأمر مسألة أخلاقية، وهي مسألة أخلاقية صارمة في أخلاقيتها. ويقول إن السرد التقليدي يخدعنا، يوهمنا بأننا "نحن أنفسنا لن نموت"، وهو "عمليا يمنعنا من اتخاذ موقف واقعي تجاه أنفسنا وتجاه العالم". وأحسب أن هذا ليس رأي جوزيبوفيتشي النهائي، فهو يتراجع قليلا هنا، ولكنه يعود فيدين الرواية التقليدية لأنها تعطي القارئ "انطباعا بأنه يفهم شيئا ما".

أهو بالفعل انطباع زائف ذلك الذي يتكون لدينا حينما نشعر بعد قراءة "الحرب والسلام" بأننا نحس بطريقة ما بمعنى السير وسط الدخان وصرخات الجرحى، في ساحة معركة بورودينو مع بيري الحائر؟ إن جوزيبوفيتشي يحمل بشدة على الواقعية في السرد القصصي، يعتبر إياها وهما خطيرا، وبرغم ذلك نحن لا نزال نتفاعل مع نسخ العالم القصصية، ليس فقط في أوضح تناقضاتها، بل وفي جمالها الحسي الظاهر على السطح. ونحن لا نزال نستمتع بالإيهام بالصدق، وبحكي الحكايات، حتى الحكايات الطويلة، ولو لمجرد أنها تحكي لنا شيئا عن أنفسنا، ولأنها تعرفنا بحقيقة ربما لا نكون قادرين على معرفتها عبر وسيط آخر.

*كاتب بريطاني

عن وول ستريت جورنال

نشر في شرفات اليوم