الاثنين، 9 فبراير، 2009

الشاعر الذي قال للضفادع لا

كريج راين

شاركت عام 1988 في مهرجان شعري في بوبال، حيث كان ثمة ملصق يعلن عن آشبري وجينسبرج وغيرهم من نجوم الشعر العالمي المتوهجة. ولم يظهر منهم أحد، وأغلبهم لأسباب صحية، وسألني نيكانور بارا ـ الشاعر التشيلي اللئيم البالغ من العمر أربعة وسبعين عاما ـ عن الشخص الذي أتواجد "بدلا منه". ولم أفهم سؤاله.
أوضح نيكونار: "أنا هنا بدلا من نيرودا". قلت "ولكن نيرودا مات منذ عشرين عاما". فابتسم نيكانور في ابتئاس وقال "ومع ذلك لا فرق، أنا هنا بدلا من نيرودا".
في المهرجان نفسه، أوضح لي الشاعر السويدي توماس ترانسترومر آلية تحقيق النجومية في الشعر العالمي: في كل بلد، وفي كل وقت، هناك العديد من الشعراء الجيدين، ولكن شاعرا واحدا هو الذي يتم اختياره للتصدير. واعتباطا، بدون أن يكون الأفضل بالضرورة. فلا يمكن للأجانب أن يتذكروا غير اسم واحد من كل بلد أجنبي. في تشيكوسلوفاكيا، يسهل اختيار الأساسي، في النثر: كونديرا وليس سكيفورسكي Skvorecky، في الشعر هولوب Holub وليس هانزليك Hanzlik.
أما في بولندا فالأمر مختلف. هناك ثلاثة شعراء: اثنان حصلا على نوبل هما تشيسلاف مييوش وفيسوافا شمبورسكا وغير المتوج زبيجينيف هربرت. مييوش يكتب الشعر الذي نكاد نتوقعه من الشعراء. نبيل المشاعر، ثابت الأخلاق، شعر نوبل.
بينما نجد في شعر هربرت ما يسميه تي إس إليوت بـ "كَدَر الشعر العظيم". أو اللعنة. وجوديا، وعرضا، وشعريا، هو مغاير، هو شخص غير مناسب للأكاديمية السويدية في استوكهولم. فشعره بما فيه من مواقف مصمَّم لإزعاجنا. وهو حينما يضرب بموقف معاكس، فالهدف من ذلك هو إيلامنا وإيلام نفسه.
كان مييوش مرتدا عن الشيوعية، نجح في حياته في منفاه بكاليفورنيا، حتى عاد في أمان ومجد إلى بلده الأم، كاركاو ولكن ليس قبل أن تأفل الشيوعية. ومثله، سافر هربرت إلى الغرب، لكنه كان يجد نفسه عائدا المرة تلو الأخرى إلى نظام لم يقدم ـ أي هربرت ـ خدمة له قط. لماذا؟ لقد كتب عن قراره ذلك مرتين: في "عودة القنصل" وفي "مستر كوجيتو ـ العودة".
مستر كوجيتو هو الشخصية التي تمثل رفض هربرت للإلهام الشعري: ولذلك أحسبني كوجيتو أيضا. ويدخل في دائرة الإلهام أيضا ما لا يخطر على البال وما يقع على حدود المنطق. في "مستر كوجيتو ـ العودة" يعود هربرت إلى بولندا وهو يعلم "أنه سوف يندم أشد الندم". إنه يريد لغته الأم، لا كتابا يعينه على التعبير عن نفسه بلغة أجنبية. تصيبه استهلاكية الغرب الشرهة بالضجر. فهو مثل فرساريون بيلينسكي، يؤثر القهر على السلام في وسط يتجاهله. و"هو يكترث فقط لجرحه": وبهذه الطريقة يحدد هربرت بلده. إنه يريد أن يعود إلى "منزل فيه كنز الخيبات كلها". وهو يدرك أيضا في غمار دوافعه الممتزجة بضراوة أن به رغبة إلى "السعادة المستحيلة".
ولماذا لم يستسلم هربرت لمثال الشيوعية السامي، مثال المساواة، مثلما استسلم له الكثير للغاية من مثقفي القرن العشرين، مثل مييوش، مثل أراجون، مثل بيكاسو، مثل سارتر؟ أكان ذلك لأنه ـ شأن تبجح برودسكي ـ استشرف مآل النظام منذ أن كان في التاسعة؟ لا، بل لأن الشيوعية خالفت ذائقته. كانت سوقية. وكانت ذائقته متعجرفة وصائبة، كما يسجل في "قوة الذائقة": لا حاجة إلى أي من الخصال النبيلة:
لم يكن في انشقاقنا وإلحاحنا
أي خصلة عظيمة
كان عندنا فقط شذرة من الشجاعة
ولكن الأمر في جوهره
سببه الذائقة
نعم الذائقة
تلك التي فيها من الروح أنسجتها
ومن الضمير غضاريفه.
حينما يُرجع مييوش في "العقل الأسير" تمرده على الشيوعية، فإنه يُرجعه أيضا إلى الذائقة، فهو في نهاية الأمر لم يستطع أن يهضمها. فيصف مييوش حشوا أخلاقيا متراكما، ملأه حتى سد فمه فأعجزه في النهاية عن بلع المزيد من سندوتشات الضفادع التافهة. أما هربرت فيمكنني القول بأنه كان ليؤثر الموت جوعا عن ازدراد سندوتش ضفادع واحد.
ولكن قبل أن تتسرعوا بالتصفيق لهربت وفضيلة الصمود وعدم الاستسلام للغواية، فكروا فيما قاله "مستر كوجيتو عن الفضيلة": "تلك العانس العجوز/ترتدي قبعتها الشنيعة/قبعة جيش خلاصها الخاص" وتفوح منها رائحة النفتلين الخانقة. لا غواية إذن. وفي "عودة القنصل" يتخيل هربرت سيناريو لتسوية محتملة:
علي من جديد أن أتقبل وجهي
بشفة سفلى تعينه على كبح ازدرائه
وبعينين تبقيان على نحو مثالي
خاويتين.
كثيرا ما تتخذ قصائد هربرت السياسية شكل حكايات أخلاقية مقلوبة، فهي حكايات يعاد تهيئتها بحيث تقدر على معالجة ظروف هربرت الخاصة. والحكاية الأخلاقية مأخوذة كقالب من قسطنطين كفافي. فقصيدتان مثل "إيثاكا" و"في انتظار البرابرة" تمثلان النموذج المثمر الذي يتحصن به هربرت. تشتهر قصيدة "في انتظار البرابرة" بنهايتها التي تأتي على نحو مفارق ومقلوب، وإن كان مقنعا من وجهة النظر السيكولوجية. فبعد يوم ضائع في ترقب وضول البرابرة المدمرين، يعي المتحدث كيف أن عقله قد تقولب حول الخطر، وبحلول المساء، يتبين أن هذا الخطر لم يتحقق قط.
أحَب قصائد هربرت إليَّ هي قصيدته "صورة فوتوغرافية" التي تستخدم حكاية ابراهيم وإسحق الإنجيلية لتوضيح الفكرة الشيوعية القائلة بأن الغاية تبرر الوسيلة، وأن مبرر التضحية الآن هو النتاج المحتمل بعد ألف عام:
طأطئ الرأس يا إسحق يا ولدي الصغير
فما هي إلا هنيهةُ ألمٍ وتصبح ما تبتغيه
سنونو ستصبح إن شئتَ
أو سوسنة.
يتصور ابراهيم أنه يحمي براءة ابنه اسحق ويجزيه عنها بالحرية. ويصدق هربرت فيما يتعلق بغواية الأفكار السياسية. فابراهيم لا يعرف أنه يكذب؟ والناس ليسوا أشرارا ولا كذابين. إنهم يتحركون بموجب دوافع نبيلة، بل أنبل ما يتصورون من دوافع. والأكاذيب لا بد أن تكون جميلة وإلا لن نصدقها، واسحق في موته سيكون "جميلا مثل كاتدرائية خضراء يدفئها الفحم".
يا لها من صورة فاتنة. وما أصعب مقاومتها. الحقيقة أن ابراهيم يتحرك تنفيذا لأمر وارد من الأعلى، منصاعا لخطأ أو تاريخ أو إله. وفي موضع ما من القصيدة ثمة لوم من هربرت لأبيه، لعدم هروبه إلى الأمن حينما كان الهروب لا يزال ممكنا. ولكن حتى هذا اللوم لا يأتي إلا من خلال منظور تاريخي طويل، فالصورة الشرفية، صورة الطفل هربرت، قديمة قدم التاريخ نفسه.
بل إن الحب نفسه يظهر عند هربرت مقلوبا. فهو ليس بسيطا لدى الشاعر الذي ينظر في قصيدة "نضج" إلى الأساس الجنسي للحب:
في عش مطوي في الجسد
كان يعيش طائر
جناحاه يخفقان فيلطمان القلب
وذلك ما كنا غالبا نسميه:
قلقا
وفي بعض الأحيان
حبا
وفي قصيدته النثرية "محارة"، يبين هربرت حقيقة لا نصادفها غالبا في قصائد الحب:
"قبالة مرآة غرفة نوم والديّ كانت هناك محارة وردية. تسللتُ إليها على أطراف أصابعي، وفي حركة رشيقة، رفعتها إلى أذني. كنت أريد أن أضبطها وهي متوقفة عن إصدار صوتها الرتيب. فمع أنني كنت صغيرا، كنت أعرف أنك وإن أحببت شخصا كثيرا، فإنك أحيانا تنسى كل شيء عن هذا الحب".
وبالمناسبة، كنت هناك بدلا من تيد هيوز.

عنوان الكتاب: الأعمال الكاملة
تأليف: زبيجينيف هربرت
الناشر: أتلانتيك
السعر: 30 استرليني
ديلي تلجراف

نشر المقال في ملحق قراءات 8 فبراير 2009 الذي يصدر عنجريدة عمان