الثلاثاء، 3 يونيو، 2008

دلاي لاما ... سفر الخروج

ألكسندر نورمن


أدى موت دلاي لاما الثالث عشر في ديسمبر من عام 1933 إلى صراع دموي على السلطة، انتهى بتتويج دلاي لاما الرابع عشر ـ والمعروف بـ تنزن جياتسو ـ في فبراير من عام 1940، والذي لم يكن على دراية بمكائد السياسة التي تحاك من حوله. غير أن كل ذلك كان على وشك أن يتغير.


في أكتوبر 1949، استولى الحزب الشيوعي برئاسة ماو تسي تونج على السلطة في الصين. وكان من أوائل ما أعلنه ماو بوضوح هو وجوب أن يتصدر "التحرير السلمي" للتبت أولويات النظام الجديد.


بحلول يوليو من عام 1950، كان جيش التحرير الشعبي الصيني قد تقدم مائة ميل في اتجاه تشامدو Chamdo عاصمة خام Kham (شرق التبت). كان أول اشتباك جدي بين الجانبين ـ في دينجو Dengo ـ قد انتهى تقنيا بانتصار أهل التبت. ولكن إذا كان عدد الجيش الصيني في المنطقة يبلغ عشرين ألفا في مقابل خمسة آلاف في جيش أهل التبت فقد كانت النتيجة محسومة سلفا.


في الخامس من أكتوبر، شن جيش التحرير الشعبي هجوما واسعا على تشامدو نفسها، فأرسل ناجبو Ngabo ـ وهو الحاكم الأرستقراطي الرخو على خام ـ برقيات عديدة عاجلة إلى لهاسا Lhasa [عاصمة التبت] يطلب تعليمات منها. ولم يتلق ردا. وفي الخامس عشر من أكتوبر تمكن أحد معاونيه من الاتصال بلهاسا عبر اللاسلكي. وقيل له إنه برغم تلقي برقياته، إلا أنه لم يتم حل شفرتها بعد، وذلك لأن الكشاج [أي مجلس الوزراء] منهمك في حفلات ونزهات نهاية الأسبوع. وبدا واضحا أن ناجبو وحدها في مواجهة سطوة جيش التحرير الشعبي. وبعد يومين من ذلك، تلقى الحاكم الإذن بالانسحاب. غير أنه تعرض للاعتقال في التاسع عشر من أكتوبر، وسقطت خام بين أيدي الصينيين.


وبدأت بذلك فترة من القلق المتوتر بالنسبة لأهل التبت، فقد كان الصينيون في موقع يمكنهم من الهجوم على لهاسا، ولكن الشيوعيين كانوا ملتزمين بالاستيلاء على التبت سلميا، إذ ان المفترض في نهاية الأمر أنها عملية "تحرير"، وفي الوقت نفسه كانت الدولة ترى أن الوقت قد حان لاستثمار سلطة مؤقتة في تنزن جياتسو. وذلك برغم أنه كان في السادسة عشرة من عمره، وبرغم أنه لم يكن مهيأ بعد، إلا أنه لم يكن يملك الرفض.


بإعلان تولي الدلاي لاما الرابع عشر سارعت الجاندن فودرانج [حكومة التبت] بتقديم التماسات إلى بريطانيا والولايات المتحدة والهند للتدخل لدى الصين بالنيابة عن التبت. كما تقدمت بطلب الدعم من الأمم المتحدة. ولم تسفر المبادرات الأربع عن شيء. فكان أن اتخذت الحكومة استعداداتها لنقل الدلاي لاما إلى جنوب التبت على مقربة من حدود نيبال، فوصل إلى دروموين Dromoin في مطلع يناير من عام 1951.


وبدأ جدال متوتر حول سعي الدلاي لاما إلى طلب اللجوء السياسي بالخارج. بدعم من إلسلفادور التي أبدت اهتماما غير متوقع بالتبت، بذلت الحكومة محاولة ثانية لإثارة أزمة التبت في الأمم المتحدة. وفشلت المبادرة، ولكنها نجحت على الأقل في دفع الأمم المتحدة إلى مراجعة موقفها بشأن التبت. وبدأ الأمريكيون يفكرون أنه لو أمكن إقناع زعيم التبت برفض التفاوض مع الصين، فقد يكون جديرا بالدعم والمساندة من باب الوقوف في وجه انتشار الشيوعية الخطير. في تلك الأثناء، بدأت السفارة الأمريكية في الهند في التقرب من الدلاي لاما من خلال شقيقه تاكتسر رينبوتشي Taktser Rinpoche الذي كان من أشد مناصري اللجوء السياسي والمقاومة.


في بداية الأمر رأى تنزن جياتسو أن يأخذ بنصيحة أخيه، لكن أغلبية المسئولين كانوا يعارضون هذا النهج، ولشهور عديدة ظل التبتيون يراوغون، وأخيرا صدرت التعليمات لـ نجابو ـ حاكم خام السابق الذي اعتقله الصينيون ثم أفرجوا عنه ـ بالتوجه إلى بكين لإجراء مفاوضات مع الحكومة الشيوعية.


تركزت المحادثات حول وثيقة تعرف اليوم بـ "اتفاقية السبع عشرة نقطة". وقد أكدت الفقرة الأولى فيها على أن "الشعب التبتي سوف يتحد وينبذ قوى العنف الاستعمارية الموجودة في التبت، وأن الشعب التبتي سوف يعود إلى أسرة الوطن الأم الكبيرة أي جمهورية الصين الشعبية". المدهش أنه برغم ترسيخ الاتفاقية لخضوع التبت للصين إلا أن بقيتها أرضت نجابو لما كان فيها من ضمانات خاصة باستمرار وجود الجاندن فودرانج، والأديرة والأرستقراطية المالكة للأراضي. فوافق نجابو على شروط الصين. ولكنه لم يكن يملك سلطة توقيع الاتفاقية، كما لم تكن بحوزته أختام الدولة اللازمة. ولكن الصينيين تغلبوا على مشكلة الأختام بتصنيع أختام جديدة، دعي نجابوا والمرافقون له إلى إرفاق توقيعاتهم بها، ولم يرفض نجابو ورفاقه وأصبح التبت رسميا جزءا من جمهورية الصين الشعبية، أم الدلاي لاما نفسه فلم يسمع بهذه الأخبار إلا بعد مرور ثلاثة أيام، وعبر بث إذاعي مشوش.
في تلك المرحلة بدأت الولايات المتحدة جديا تتقرب من الدلاي لاما، فلو تبرأ من الاتفاقية، فالولايات المتحدة سوف تقدم له العون العسكري والمالي وسوف تيسر له الخروج إلى المنفى، ولكن القرار الذي انتهى إليه مسئولو التبت جاء على العكس من ذلك، إذ قرروا أن يلتقي الدلاي لاما بمسئولي الصين في درومو Dromo ثم يعود إلى لهاسا. وفي الرابع والعشرين من أكتوبر 1951 صدق تنزن جياتسو رسميا على استسلام التبت بإرساله برقية قبول بشروط اتفاقية السبع عشرة نقطة إلى الرئيس مياو.


وبدأت فترة سبعة أعوام ونصف حاول خلالها الدلاي لاما التوصل مع الصينيين إلى تسوية ملائمة. فبدا أول الأمر أن ثمة أسبابا تدعو إلى التفاؤل، فالقوات الصينية التي وصلت إلى العاصمة التبتية بالأبواق والنفير سلكت سلوكا ملتزما ومسئولا وأبدت احتراما واضحا تجاه أهل التبت. والأهم أنهم لم يأخذوا شيئا دون أن يدفعوا أكثر من قيمته. ولكن الأرستقراطية سرعان ما أساءت استغلال هذه السعة المالية، وكانت تلك الأرستقراطية تسيطر على أغلب التجارة في التبت. ومع ذلك بدأت مشاعر الناس تتغير تدريجيا، وتسبب التضخم ـ الذي لم يعرفه أهل التبت من قبل ـ في ارتفاع أسعار السلع الأساسية.


خلال فترة الدفء تلك، وجهت الحكومة المركزية دعوة إلى الدلاي لاما لزيارة الصين. ومما أدهش الناس أن تنزن جياتسو قبل الدعوة، وكانوا يخشون أن يتعرض هناك للاعتقال. كان يشعر أنه إن التقى بالقيادة الصينية فقد يستطيع أن يؤثر على تفكيرها في التبت. وسافر الدلاي لاما على الطريق الذي أقامه الشيوعيون على عجل بين الصين والتبت، فوصل بكين في عام 1954، وبدا أنه كان محقا في تفاؤله حينما التقى للمرة الأولى بالرئيس ماو الذي أظهر إخلاصا وتعاطفا تجاه التبت. تم اصطحاب الدلاي لاما ومرافقوه في جولة دعائية في الصين رأوا فيها حجم الثورة الشيوعية التكنولوجية. في الوقت نفسه تلقى تنزن جياستو تعريفا بالأيديولوجية الماركسية. ونال الحماس من الزعيم الشاب فبدأ ينظر في أمر إمكانية التحالف بين الشيوعية والبوذية، بحيث تمد الأولى الناس باحتياجاتهم المادية، بينما تمدهم الثانية باحتياجاتهم الروحية. غير أن سذاجة هذا التفاؤل الغر ثبتت في اللقاء الأخير للدلاي لاما مع الرئيس ماو. فالرئيس فيما يبدو أساء فهم حماسة الشاب للحداثة، وتصور أنها تعني ضعفا في التزامه الديني، فما كان منه إلا أن وجه للشاب نصيحة مودة قائلا له "إنما الدين السم".


وفي التبت التي عاد إليها الدلاي لاما في صيف عام 1955، بات واضحا أن الشيوعية الصينية قررت القضاء على المؤسسات الرئيسية التي تقوم عليها حضارة التبت. ففي عام 1956 قامت القوات الجوية الصينية بقصف ليثانج Lithang وهو دير أسسه الدلاي لاما الثالث، وبرر الصينيون هجومهم بالزعم بأن الدير يدعم أهل القبائل المحلية بمقاومتهم. وانتقاما من هذا الدعم، أقام الشيوعيون عروضا عامة مرعبة استعرضوا فيها قوته من وأجبروا الرهبان والراهبات على الحنث بقسم العذرية، بل وقتل الناس. وبرغم أن تنزن جياستو احتج بكتابة رسائل مباشرة إلى الرئيس ماو، إلا أنه لم يتلق ردا على تلك الرسائل.
وعند ذاك بدأ الدلاي لاما يفكر جديا في التبرؤ من اتفاقية السبعة عشر واللجوء السياسي بالخارج، وحبذا لو يكون اللجوء في الهند. وجاءته الفرصة في العام التالي عندما حصل على إذن من الصينيين للسفر إلى الهند لحضور احتفالات بوذاجايانتي Buddhajayanti بمرور ألفين وخمسمائة عام على ميلاد بوذا. فمكنه ذلك من مقابلة بانديت نهرو Pandit Nehruرئيس وزراء الهند، والتثبت بنفسه مما إذا كان هناك أمل في الحصول على دعم من الهند. وفي حيت أوضح نهرو أنه لن يرفض طلب اللجوء السياسي، إلا أنه أصر على أن يعود دلاي لاما إلى التبت ويحاول إنقاذ الموقف.


وعاود الأمريكيون الاتصال بعروض لتقديم الدعم، وكانوا بالفعل قد بدأوا سرا في تسليح وتدريب حركة مقاومة تبتية. ولكن كان من الواضح أن الهند تتبع سياسة استرضاء للصين، وأنه لو لم يلزم الأمريكيون أنفسهم بتقديم دعم عسكري كامل، فلا بديل واضح أمام دلاي لاما إلا الرجوع إلى التبت. كانت علاقات تنزن جياتسو مع المسئولين في الصين قد تحسنت ظاهريا بعد عودته إلى لهاسا في مارس 1957، غير أنه لم تحل نهاية هذا العام إلا وثمة أزمة تتخلق في الأفق. فقد كانت خام وآمدو (المقاطعة الثانية من مقاطعات التبت الثلاث) في ثورة شاملة. وبدأ آلاف اللاجئين يفدون على وسط التبت. وبدأت مقاومة المقاتلين تسبب الكثير من المشكلات للصينيين، من خلال تفجير الطرق والجسور والاعتداء على القوات الصينية. وبحلول بداية عام 1959، كان هناك ما يقدر بخمسين ألف لاجئا يخيمون داخل لهاسا وحولها. وكان المونلام تشينمو [مهرجان الصلاة الكبير] في ذلك العام بالغ الأهمية. إذ كان ينبغي لتنزن جياتسو أن يظهر قبل كبار المسئولين الرهبان ليخوض امتحاناته الأخيرة. وكان جياتسو برغم الاضطرابات الجسيمة يكد في دراساته الدينية، حتى بات يرى مهيأ لخوض النقاشات العلنية المؤلهة لتوليه الإهارام جيشي lharam geshe. وفي واقعة ظاهرها تكريم الدلاي لاما بعد تأهله دعاه الصينيون لحضور حفل راقص تقيمه فرقة رقص مجرية كانت قد وصلت حديثا من الصين. وما أن تناقل الناس نبأ احتمال قيام الحامي العظيم بزيارة العدو في عرينه، حتى تجمهر آلاف الرهبان والحجيج واللاجئين حول قصر نوربولنجكا Norbulingka Palace ، وهو المقر الصيفي للدلاي لاما. كانوا يشكون أن تلك الدعوة ما هي إلا مكيدة لاختطافه، فرأوا أنه لا ينبغي أن يخرج من قصره.
في اليوم التالي، وهو العاشر من مارس عام 1959، توافد آلاف آخرون على قصر البوتالا Potala Palace وهو المقر الشتوي للدلاي لاما، ويقع على بعد ميلين، لإدانة الوجود الصيني. وتطلع الصينيون إلى الحكومة التبتية آملين أن تسيطر على شعبها. ولكنها عجزت عن ذلك. وفي تلك الأثناء، ازداد المحتجون عددا، والاحتجاجات قوة. وبات واضحا أن هدفهم ليس أقل من الجاندن فودرانج نفسها، وكذلك الطبقات الحاكمة، التي ازدادت ثراء على ثراء في ظل الوجود الصيني فلم تفعل شيئا لإنهائه. وساد التبت شلل تام.


كانت السلطة الوحيدة القادرة على تذويب هذا الشلل هي الدلاي لاما نفسه. فإما أن يساند ما كان يتحول بوتيرة متسارعة إلى انتفاضة شعبية شاملة، وإما أن يساند الصينيين ويدعو المتظاهرين إلى الكف عن التظاهر. وكان دلاي لاما عازفا عن الخيار الثاني، ولكنه في الوقت نفسه قدر أن الخيار الأول ليس إلا انتحارا، فقبل بخطة لترتيب رحلة له إلى الهند. وفي السابع عشر من مارس، وبعد مشاورة الوحي، جاءته التعليمات أن اذهب: "اذهب الليلة". فارتدى في ليلته تلك ملابس جندي عادي، وشق طريقه وسط الجموع إلى حيث ميعاد مرتب له مع أخيه الأصغر وأخته وعدد مختار من دائرة مستشاريه الأقربين. وانطلقوا جميعا إلى الجنوب مارين بمواقع قوات صينية لم يخامرها الشك فيهم، قاطعين طريقهم إلى غد مجهول.

مقتطف من الكتاب نشر في صحيفة صنداي تايمز البريطانية في 18 مايو 2008


عنوان الكتاب: حامل اللوتس البيضاء: حيوات دلاي لاما
عدد الصفحات: 352
اللغة: الإنجليزية
المؤلف: ألكسندر نورمن
الناشر: ليتل براون
السعر بحسب صنداي تايمز : 20 جنيه استرليني