الاثنين، 18 فبراير 2008

كيف أصبح الجهاد مهنة من لا مهنة له

عن الإيكونوميست

الإرهابيون بشر مثلكم ومثلي، أو هذا على الأقل ما يقول به مارك سيجمن. لعل من المريح أن نظن الإرهابيين مجرد حفنة من الشباب المختل نفسيا أو المهووس جنسيا ممن تلقفتهم المدارس الإسلامية فخربت أدمغتهم. ولكن سيجمن ـ وهو كبير زملاء معهد بحوث السياسة الخارجية في فيلادافيا ـ يقوض هذه الخرافات وما شاكلها من خلال سرده المزعج لتطور القاعدة من تنظيم يرأسه أسامة بن لادن إلى حركة جهادية لا مركزية.
سيجمن من أشد المناصرين لما يسمى بنظرية "الأخوة" في تفسير الإرهاب. فقد تساءل الرجل لوقت طويل عما يجعل شبابا متعلمين جيدا، ومنتمين إلى الطبقة الوسطى، وذوي خلفية ثقافية علمانية في الغالب، وذوي زوجات وأطفال، ما الذي يجعل منهم في النهاية تفجيريين انتحاريين؟ وانتهى سيجمن إلى أن التحول إلى الراديكالية يمثل عملية جماعية لا فردية، وهي عملية تمثل القرابة والصداقة فيها مكونات أساسية.
تتكون هذه العملية ـ أي عملية التحول إلى الراديكالية ـ من أربع خطوات. تتمثل الخطوة الأولى في شرارة البداية، وتكون غضبا أخلاقيا، غالبا ما يتعلق بواقعة حدثت للمسلمين في العراق أو فلسطين أو الشيشان أو سواها. في الخطوة الثانية يصبح هذا الغضب جزءا من سياق أكبر يسميه سيجمن بـ "المسرحية الأخلاقية" وفيها يُرى الإسلام والغرب متحاربين. في الخطوة الثالثة ينصهر العالمي والمحلي فتصير مظاهر الظلم الجيوسياسي والخبرات الشخصية مثل التمييز أو البطالة شيئا واحدا. وأخيرا ينضم الفرد إلى خلية إرهابية تصبح بالنسبة له أسرة بديلة تترعرع فيها الرؤية الجهادية للعالم وتجهز الوافد الجديد للشهادة. وإذا كان كثير من المسلمين يمرون بالخطوات الثلاث الأولى، فإن نفرا قليلا منهم هم الذين يخطون الرابعة.
تتوفر لسيجمن مؤهلات غير عادية، فهو ضابط سابق بالمخابرات المركزية الأمريكية، وهو طبيب نفسي، واستشاري في شئون مقاومة الإرهاب. وقد أصدر النسخة الأولى من نظريته قبل ثلاثة أعوام في كتاب مهم بعنوان "فهم الشبكات الإرهابية"، ولا يزال إلى الآن يرمي إلى وضع دراسته لهذا النوع الجديد من الإرهاب على أسس علمية راسخة. ولكن القاعدة ازدادت تعقيدا فازدادت مهمة تحليلها صعوبة بالتبعية.
في كتابه الجديد، اتسع عينة الميليشيات التي يدرسها سيجمن من 172 إلى خمسمائة. وفيه، يولي أهمية أكبر لأوربا التي أصبحت ـ بعد تفجيرات مدريد ولندن وبعض آخر من أعمال الشغب ـ جبهة جديدة، وفي الكتاب فصل كامل مخصص للإنترنت. ويذهب سيجمن إلى أن أغلب التفجيريين الانتحاريين اليوم منقطعو الصلة بالقاعدة الأصلية (التي يخلع عليها لقب "القاعدة المركزية")، ولكنهم جزء من ظاهرة لامركزية أكثر اتساعا يسميها "حركة القاعدة الاجتماعية". ويشكك سيجمن فيما تردد كثيرا على مدار العام الماضي عن انبعاث جديد لـ "القاعدة المركزية" ويقلل من أهميته. وفي المقابل، يرى أن ما ينبغي له أن يثير قلقنا هو ظهور الجهاديين المستقلين الذين يشعرون بالغضب بسبب حرب العراق والذين يتجمعون من خلال الإنترنت.
وشأن كثيرين، يرى سيجمن أن حرب العراق قد أسبغت الشرعية على فكرة أن الغرب الجشع في صراع مع الإسلام. وما لم يتحقق النجاح في دحض هذه الفكرة، فلن تجد أمريكا نفسها في مواجهة مجرد حفنة من الإرهابيين، بل في مواجهة قسم كبير من العالم الإسلامي، وهذا ما سيزيد الصراع توترا، وطولا، ويصل به إلى نتائج كارثية. ويميل الكاتب إلى أن شن حملة ذهنية عاطفية موفقة هو الذي سيشد من أزر المعتدلين ويسلب الجهاديين أمجادهم، وفي النهاية "تنتهي صلاحية الجهاد اللامركزي، ويقضي نحبه مسموما برسالته الملوثة". ويا له من استنتاج متفائل، يصعب القبول به في ضوء كل ما جرى وما يجري.
ثمة أرضية مشتركة كبيرة بين سيجمن ودانيال بايمن ـ وهو خبير في شئون مقاومة الإرهاب في جامعة جورج تاون ومعهد بروكنجز وسبق له أن عمل ضمن اللجنة الوطنية للهجمات الإرهابية على الولايات المتحدة (والمعروفة بلجنة 11/9). فبايمن أيضا يلوم إدارة بوش لغياب استراتيجية منسجمة لديها، ولإقصائها غير الضروري لحلفائها، ولفشلها في استمالة قلوب المسلمين وعقولهم، ولسقوطها المريع في العراق. ويعتقد كلا الكاتبين أن على الأمريكيين فيما يتعلق بحرب الأفكار أن يركزوا على القسوة الجهادية بدلا من محاولة تلويث صورتهم ـ أي صورة الأمريكيين. ويعتبر كلاهما أن أوربا باتت ميدان المعركة الرئيسي، ويشكان كثيرا في إمكانية أن تكون الدمقرطة أداة لمقاومة الإرهاب، بل إن سيجمن يستبعد تماما أن يكون فيها أي نفع.
يذهب بايمن إلى وجوب أن تعمل أمريكا على تحسين أدائها على خمس جبهات: الجيش، حرب الأفكار، الاستخبارات، الدفاع الوطني، والإصلاح الديمقراطي وإن يكن بطريقة مختلفة قليلا. وإذا كان الكثير من السياسات التي يطرحها سيجمن يبدو منطقيا، إلا أن كثيرين سوف يرفضون مناصرته للقتل المستهدف على الطريقة الإسرائيلية. غير أنه في حين نجد سيجمن واضح التعبير، نجد بايمن في الأغلب مترددا وبعيدا عن التركيز، ومفتقرا إلى طريقة رزينة في عرض أفكاره.
نادرا ما يكون خبراء مقاومة الإرهاب مدركين لتعقيدات الإسلام الحديث. ولذلك فعلى كل من يريد دليلا جيدا إلى راهن الإسلام السياسي ـ الذي لا تمثل القاعدة إلا طيفا من أطيافه ـ أن يقصد باحثا أمريكيا شابا هو بيتر ماندفيل الأستاذ المساعد بجامعة جورج ميسون والذي أصدر كتابا بعنوان "الإسلام السياسي العالمي". ويمثل كتابه ذلك سردا محكم المعلومات لأصول الإسلام واستراتيجيات الأسلمة ونشأة الهامش الراديكالي والتنافس على السلطة بين النخب الإسلامية وتأثير العولمة على السياسات الإسلامية. هو كتاب يشكل دراسة حقيقية تتجاوز الأفق الضيق المؤقت الذي لا تظهر فيه سوى القاعدة. وبما أننا اليوم مشغولون للغاية بالجهاد العالمي، فسيكون كتاب بيتر ماندفيل هذا رفيقا جيدا ونحن نقرأ كتاب سيجمن أو كتاب بايمن.