الاثنين، 18 فبراير، 2008

عن لؤلؤة تبقى ضائعة


في الثاني من أغسطس لعام 2007 أعلنت مكتبة الكونجرس الأمريكية عن تعيين تشارلز سيميك مستشارا شعريا لها ومن ثم أميرا لشعراء الولايات المتحدة، وفي اليوم نفسه أعلنت أكاديمية الشعراء الأمريكيين عن منحه جائزة والاس ستيفنس التي تبلغ قيمتها مائة ألف دولار تعطى لشاعر أمريكي عن مجمل أعماله. كان يوما لافتا بكل تأكيد في حياة الرجل.
ولد سيميك في التاسع من يوليو من عام 1938 في بلجراد بيوغوسلافيا. عاش طفولته الأولى في خضم الحرب العالمية الثانية التي شهدت مدينته نصيبا وافرا من ويلاتها. هاجر والده إلى الولايات المتحدة ثم تبعه تشارلز وبقية الأسرة في عام 1954. وبعد عام قضته الأسرة في نيويورك، انتقلت إلى شيكاغو حيث أكمل تشارلز دراسته الثانوية ـ في مدرسة أوك بارك التي تخرج فيها من قبل إرنست هيمنجواي ـ ثم بدأ العمل ساعيا فمدققا لغويا في صحيفة شيكاغو صن تايمز، وفي تلك الفترة بدأ كتابة الشعر:
"كنت أنفق الليل في الكتابة، وأذهب إلى العمل بين النوم والصحو، ثم أجرجر نفسي بعد ذلك للانتظام في المدارس المسائية".
نشر أول قصيدة له في عدد شتاء 1959 من "شيكاغو ريفيو". التحق بالجيش في عام 1961 وخدم في كل من ألمانيا وفرنسا. تزوج في عام 1964 من مصممة أزياء تدعى "هيلين دوبين". وفي عام 1967 أتم دراسته الجامعية في جامعة نيويورك، وبعد عام من ذلك صدر ديوانه الأول "ما تقول العشبة" الذي كتب له "وليم ماثيوز" عرضا نقديا قال فيه "لقد وجدت ما تقول العشبة مثيرا... وإنني أتوق إلى قراءة المزيد للشاعر". وفي عام 1969 صدر ديوانه الثاني "في مكان ما بيننا يدوِّن الحجر ملاحظات" والذي استهلت ديان واكوسكي عرضها النقدي له بهذه الكلمات: "لم أستطع بعد أن أحدد ما إذا كان تشارلز سيميك أعظم الشعراء السرياليين الأحياء في أمريكا، أم كاتبا للأطفال، أم كاتبا دينيا، أم مغفلا". كان سيميك آنذاك في الحادية والثلاثين من عمره، وفي بقية مقالها بدت واكوسكي ميالة إلى اعتباره أعظم شعراء أمريكا السرياليين.
بعد عام من صدور الديوان تلقى سيميك عرضا للتدريس في جامعة ولاية كاليفورنيا التي ظل يعمل فيها حتى عام 1973 حينما انتقل للعمل أستاذا مساعدا بجامعة نيو هامشر، والتي لا يزال يعمل فيها حتى اليوم. ومنذ عام 1973 أصدر سيميك أكثر من ستين كتابا بين الشعر والنثر والترجمة. حصل عن بعضها على الكثير من الجوائز الأدبية. كما ترجمت العديد منها إلى العديد من لغات العالم.
منذ أسابيع، أصدر تشارلز سيميك ديوانا جديدا عنوانه "ستون قصيدة"، وبهذه المناسبة استضافته ديبورا سولومون في عمودها الحواري الأسبوعي في مجلة نيويورك تايمز الذي سبق لها أن استضافت فيه أكبر وأهم الكتاب الأمريكيين والعالميين. في هذا الأسبوع نقدم هذا الحوار احتفاء بشاعر مهم لا تكاد اللغة الرعبية تعرفه إلا لماما.


عن لؤلؤة تبقى ضائعة


حاورته ديبورا سولومون


ـ بوصفك أميرا للشعراء في الولايات المتحدة، ما الذي تفعله من أجل زيادة اهتمام الجمهور بالشعر في زمن يصر فيه حراس الثقافة على أن القراءة في طريقها إلى الخروج من المشهد؟
ـ الشعر ليس بحاجة إلى الترويج. فوضعه جيد في هذا البلد. لقد شاركت في أمسية شعرية قبل أيام في كونرود بنيوهامشر، شارك فيها أميران سابقان للشعراء الأمريكيين هما دونالد هول وماكسين كومن، وحضرها سبعمائة وأربعون من الجمهور. وهذا جمع غفير.
ـ شعرك واضح سهل الوصول وذلك غير معتاد، وليس أدل على ذلك من عنوان كتابك الأخير "60 قصيدة"
ـ وأيضا ديواني الذي سيليه في غضون أسابيع قليلة، سيكون عنوانه "ذلك الشيء الصغير"
ـ أليس عنوانا مغاليا في البساطة؟
ـ لا. هو عنوان إحدى قصائد الديوان. وهي قصيدة غريبة مستلهمة من واقعة حقيقية. ففي سبعينيات القرن الماضي، أوقفتني امرأة في الشارع السابع، كانت في الخمسينيات، وكان يوما من أيام الصيف الحارة، وسألتني بعينين دامعتين أن أبحث مها عن لؤلؤة ضاعت منها. ومن ذلك الموقف كانت القصيدة.
ـ أخمن أنك لم تجد اللؤلؤة قط؟
ـ لم أجدها. أتمزحين معي؟ طبعا لم أجدها وإن كنت لا أزال أبحث عنها في جميع شوارع نيويورك.
ـ بوصفك أساسا مهاجرا يوغوسلافي المولد، عاش قصف بلجراد أثناء الحرب العالمية الثانية وشعره مديني الروح، ما الذي يجعلك تعيش في شبه عزلة على شاطئ بحيرة في نيوهامشر؟
ـ حدث ذلك بالصدفة. انتقلت إلى هناك عندما عينت مدرسا في جامعة نيوهامشر عام 1973. بطبعي، لست مفتونا بالطبيعة وإن كنت أعيش في أحضانها. لا تجدين بين قصائدي قصيدة تتغنى بالطبيعة فتجعل مشرق الشمس نموذجا للكمال، أو تسلق الجبال، أو حتى الوجود في الهواء الطلق.
ـ لا توجد مثل هذه القصائد، فأنت تفضل الركون إلى الماضي الملطخ بالدم. كأن تستهل إحدى قصائدك بقولك إن "ذبح الأبرياء لا يتوقف قط"، وإن كان شعرك يقدم نوعا من السلوى أيضا من خلال صوره الحميمية، مثل أمك "في ثوب الاستحمام الأحمر"، أو جدتك "إذ تكوي الثياب" أو العاشق إذ "يقلب الروبيان على الموقد".
ـ يمكننا أن نسميه شعر "الوليمة في زمان الوباء". أنا دائما أشعر وكأنني جالس هنا مع أصدقائي نتناول وجبة شهية، بينما في موضع آخر، غير بعيد عنا كثيرا، يقع أمر ما مفزع.
ـ في أي مزاج تستيقظ في أغلب أيامك؟
ـ مفعما بالحيوية. أستيقظ في الخامسة صباحا، أفتح الكمبيوتر، وأبدأ بقراءة الصحف، وفي غضون نصف ساعة، أكون ممتلئا بالطاقة والغضب وجاهزا لبدء يومي.
ـ هل قرأت عن الاتهامات الموجهة لصبية المدرسة الثانوية في ميدلبيري الذين ذهبوا مخمورين فخربوا منزل روبرت فروست [أحد أهم الأسماء في تاريخ الشعر الأمريكي]؟
ـ كان أمرا مريعا.
ـ نعم، فالأولاد متهمون بإحراق أثاث منزله للاستدفاء، والتقيؤ على أرضية غرفة المعيشة في البيت. هل ترى في هذه الواقعة رمزا لحال الثقافة الأمريكية اليوم؟
ـ لا. في أيام فروست أيضا كانت تحدث أشياء بشعة في الريف. كانت القرى النائية تشهد أعمالا بالغة الفظاعة. هناك قصيدة عن عمود فقري في مخزن إحدى الدور. لم يكن إلا بقايا عشيق سابق لسيدة الدار.
ـ هل ذهبت للإدلاء بصوتك في الانتخابات المؤهلة للترشيحات الرئاسية؟
ـ نعم وصوت لصالح جون إدواردس [ديمقراطي]. أعجبني كثيرا ما قاله، خاصة عن الجشع وكيف أنه سوف يهلكنا، الجشع الأناني الغبي. لقد بددنا ثروة هذا البلد ونسينا فكرة الصالح العام. والآن أعرف أنه لم تعد هناك فرصة أمام جون إدواردس.
ـ هل لاحظت كل هذه الكتب التي تصدر عن "السعادة"؟
ـ إنها صناعة. وصناعة مفزعة. هل الناس بحاجة إلى قراءة كتاب ليتعلموا منه كيف يصبحون سعداء؟ إنها صناعة أمريكية بحتة. هل يمكنك أن تتخيلي أهل نابلوي جالسين في الحافلة أو المطعم وهم يقرأون كتابا عن السعادة؟
ـ بماذا تنصح الباحثين عن السعادة؟
ـ بداية، عليهم أن يتعلموا الطبخ.
عن نيويورك مجازين