الأربعاء، 20 فبراير، 2008

ما الذي قصفته إسرائيل في سوريا؟

ما الذي قصفته إسرائيل في سوريا؟

سيمور هيرش

بعد منتصف ليل السادس من سبتمبر لعام 2007، قامت أربع مقاتلات ـ على الأقل ـ من سلاح الجو الإسرائيلي بالعبور إلى المجال الجوي السوري، وتنفيذ عملية قصف على ضفة نهر الفرات في موقع يبعد نحو تسعين ميلا عن حدود العراق الشمالية. وقد كان هذا العمل الذي لم يسبقه ـ فيما يبدو أي نوع من الاستفزاز، والذي أعقب شهورا من التوتر بين سوريا وإسرائيل بسبب التدريبات العسكرية والزيادة في القوات على جانبي مرتفعات الجولان ـ عملا حربيا بأي معنى من المعاني. ولكنه لم يؤد بصورة فورية إلى أي شيء. فلم نسمع بيانا صادرا عن الحكومة الإسرائيلية. وذلك على العكس مما حدث عام 1981، حينما قامت القوات الجوية الإسرائيلية بتدمير مفاعل أوزيراك النووي العراقي بالقرب من بغداد، ففي ذلك الوقت هللت الحكومة الإسرائيلية محتفلة بالنصر، وبثت صورا للقصف، وسمحت بإجراء الحوارات واللقاءات الصحفية مع الطيارين.
في غضون ساعات من الهجمة أدانت سوريا انتهاك إسرائيل لمجالها الجوي، ولكن ما صدر عن سوريا من بيانات جاء منقوصا ومتضاربا، مما أضاف للأمر غموضا على غموض. فقد قال متحدث عسكري سوري إن الطائرات الإسرائيلية أسقطت بعض العتاد في منطقة غير مأهولة بالسكان بعد أن ووجهت بالدفاعات الجوية السورية التي "أرغمتها على الفرار". ولم تمض غير أربعة أيام حتى قال وليد المعلم وزير الخارجية السوري أثناء زيارة رسمية إلى تركيا إن الطائرات الإسرائيلية استخدمت الذخيرة الحية أثناء الهجمة، غير أنه أصر على عدم وجود خسائر في الأرواح أو الممتلكات. وفي الأول من أكتوبر، وفي ثنايا حوار مع شبكة بي بي سي اعترف الرئيس السوري بشار الأسد أن طائرات حربية إسرائيلية ضربت هدفها الذي كان ـ على حد وصفه ـ "مبنى عسكريا غير مستخدم". وأضاف الأسد أن سوريا تحتفظ بحقها في الرد، ولم يتبع ذلك شيء.
برغم الصمت الرسمي في تل أبيب (وواشنطن)، إلا أن الأيام التالية للقصف شهدت فيضا من التقارير التي انهالت على وسائل الإعلام الأمريكية والأوربية، وكانت قائمة بالأساس على معلومات منسوبة إلى مصادر حكومية مُجهلة تزعم كلها أن إسرائيل قامت بتدمير مفاعل نووي وليد كانت سوريا تقوم بتجميعه سرا بمساعدة من كوريا الشمالية. ولقد كان البدء سرا في إقامة مفاعل نووي يعني خرقا من سوريا لالتزاماتها بموجب معاهدة حظر الانتشار النوي، كما كان من الممكن أن ينتج أسلحة نووية.
لم يكن هناك دليل، بل قرائن غير قوية فيما يبدو. فقد وردت أولى التقارير عن التعاون النووي بين سوريا وكوريا الشمالية في الثاني عشر من سبتمبر في صحيفة التايمز وغيرها. ولم ينته أكتوبر حتى اتفقت الروايات العديدة التي أوردتها وسائل الإعلام على أربع نقاط: علمت المخابرات الإسرائيلية بوجود صلة لكوريا الشمالية بموقع يقام في منطقة زراعية بشرقي سوريا، وأن "سفينة كورية شمالية" اسمها الحمد قد وصلت إلى ميناء طرطوس السوري على البحر الأبيض المتوسط، وأن صورا التقطتها الأقمار الصناعية تشير بقوة إلى أن البناء الذي يقام كان مصمما ليحوي مفاعلا نوويا عند اكتماله، وبذلك تكون سوريا قد تجاوزت ما تعتبره إسرائيل "خطا أحمر" على طريق تصنيع قنبلة، وأنه لا بد من إيقافها. وظهرت تقارير صحفية ـ في شبكة آيه بي سي نيوز وغيرها ـ تشير إلى أن بعضا من هذه المعلومات الاستخبارية الإسرائيلية كانت معلومة مسبقا للولايات المتحدة التي لم تعترض على القصف.
وبقيت الحكومة الإسرائيلية عازفة عن إصدار أية بيانات حول الواقعة. ولأسابيع عديدة ظلت الرقابة مفروضة على جميع الرسائل الصحفية الخاصة بهذا الأمر، فلجأت الصحافة الإسرائيلية إلى إعادة إنتاج ما يتم الإفصاح عنه من معلومات في الصحافة الأجنبية. وفي الأيام الأولى التالية للهجمة، شهدت الصحافة الإسرائيلية العديد من الروايات الانتقادية التي رأت أن عملية القصف كانت لتؤدي إلى صراع مع سوريا. حيث وصف لاري درفنر ـ وهو كاتب عمود في جيروزاليم بوست ـ الغارة بأنها تنتمي "إلى نوع الأعمال التي تؤدي إلى نشوب الحروب". غير أنه بمجرد أن أشارت التقارير الصحفية إلى المسألة النووية وشاعت تفاصيل ذلك بين القاصي والداني حتى سكت كل صوت علا من قبل بالانتقاد.
في مؤتمر صحفي عقد يوم 20 سبتمبر، ووجه الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش أربع مرات بأسئلة عن الواقعة ولكنه قال "إنني لن أعلق على هذه المسألة". وهكذا صار نقص البيانات الرسمية جزءا من الحكاية. "كان صمت جميع الأطراف يصيب بالصمم" كما قال ديفيد إجناتوس في واشنطن بوست، مستدركا بقوله "ولكن الرسالة وصلت إلى إيران ـ التي كانت الإدارة الأمريكية تشك منذ وقت طويل في سعيها إلى التسلح النووي ـ وكانت الرسالة واضحة: أمريكا وإسرائيل قادرتان على تحديد الأهداف النووية واختراق الدفاعات الجوية لتحطيم هذه الأهداف".
كان واضحا أن المسئولين في إسرائيل والولايات المتحدة ـ برغم عزوفهم عن الإدلاء بالتصريحات ـ ملهوفين على أن تكتب وسائل الإعلام حول القصف. وفي وقت مبكر، اقترب مني ضابط سابق في قوات الدفاع الإسرائيلية على صلة قريبة من المخابرات الإسرائيلية وأطلعني على رواية للقصة النموذجية مضمنا إياها تفاصيل مثيرة وإن كانت ـ كما تبين من بعد ـ غير مؤكدة: قيام المخابرات الإسرائيلية بتعقب السفينة منذ لحظة مغادرتها لأحد موانئ كوريا الشمالية، قيام الجنود السوريين بتفريغ حمولة السفينة وهم يرتدون أقنعة واقية، مراقبة المخابرات الإسرائيلية لشاحنات انطلقت من الميناء إلى الموقع المستهدف. وفي الثالث من أكتوبر، نشرت لندن سبكتيتور رواية ساخنة ـ تضمنت الكثير مما سبق من تفاصيل ـ قائلة إن الغارة الإسرائيلية قد تكون "أنقذت العالم من خطر فتاك" وأن "مصدرا وزاريا بريطانيا رفيعا" قد حذر من أنه "لو علم الناس كم كنا قريبين في ذلك اليوم من الحرب العالمية الثالثة لعم العالم غضب عارم".
غير أنه على مدار ثلاثة أشهر من الإعداد لكتابة هذه المقالة، سمعت مرارا من مسئولين حاليين وسابقين في المخابرات والخارجية والكونجرس أنهم لم يكونوا على معرفة بوجود أي دليل ملموس على برامج سورية نووية قائمة. ولعل إسرائيل قامت بنقل معلومات بطريقة مباشرة إلى مسئولين كبار في إدارة بوش، دون أن تمر على وكالات المخابرات. (وهذه العملية تعرف باسم "التنفيس" وهي التي أغرقت المخابرات الأمريكية بالمعلومات قبل حرب العراق). ولكن محمد البرادعي ـ مدير عام الوكالة الدولية للطاقة الذرية وهي المؤسسة التابعة للأمم المتحدة والمسئولة عن متابعة مدى الالتزام بمعاهدة حظر الانتشار النووي ـ قال إن "خبراءنا الذين قاموا بتأن بتحليل الصور التي التقطتها الأقمار الصناعية يقولون إنه ليس من المرجح أن يكون ذلك المبنى منشأة نووية".
أخبرني جوزيف سيرنسيون ـ وهو مدير السياسة النووية في مركز التقدم الأمريكي ـ إن "سوريا لا تملك من القدرات التقنية والصناعية والمالية ما يكفي لدعم برنامج تسلح نووي. وإنني أتابع هذه القضية منذ خمسة عشر عاما، وكلما تثور الشكوك، نحقق في الأمر ولا نجد شيئا. فلم يكن ولا يوجد تهديد نووي من سوريا. تلك كلها مسألة سياسية". وأدان سيرينسيون تعامل الإعلام مع القصة قائلا "إنني أعتقد أن بعضا من أفضل صحفيينا كانوا عرضة للاستغلال".
وقد ظهرت رسالة مماثلة في جلسة إطلاع معلوماتي عقدت لأعضاء في الكونجرس بعد الهجمة. فقد ركزت الجلسة ـ التي نظمتها جهات استخبارية ـ على ما عرفته واشنطن عن غارة السادس من سبتمبر. كان أحد المخاوف يتعلق بما إذا كانت كوريا الشمالية قد فعلت شيئا يستوجب انسحاب الولايات المتحدة من محادثات الدول الست القائمة حول برنامجها النووي. وقد قال أحد البرلمانيين الذين شاركوا في بعض تلك الجلسات ـ والعهدة على أحد مساعديه ـ إنه لم يسمع شيئا يستوجب "أية شكوك" حول المفاوضات مع كوريا الشمالية وأن شيئا مما سمعه لا يستوجب "وقف هذه المفاوضات". وكانت النتيجة التي توصل إليها البرلماني ـ وفقا لمساعده ـ هي أنه "لا يوجد ما يثبت وجود غدر من جانب كوريا الشمالية".
قال لي مورتو آبراموفيتش ـ وهو وكيل سابق للخارجية الأمريكية لشئون المخابرات والبحث ـ إنه مندهش من غياب رد الفعل. "فكلما قامت دولة بقصف دولة أخرى، تصبح مشكلة كبيرة، ولكن أين الغضب خاصة من الدول المعنية والأمم المتحدة؟ ثمة شيء ناقص".
ربما يكون لدى إسرائيل دليل واه لا تريد الإفصاح عنه. ولكن ثمة في التقارير الصحفية العديدة تعقيدات لم تحظ بما تستحق من استيضاح.
الدليل الأساسي المعلن على قيام سوريا ببناء مفاعل نووي هو الذي ظهر في الثالث والعشرين من أكتوبر حينما نشر ديفيد ألبرايت ـ من معهد العلوم والأمن الدولي وهو مجموعة بحثية مرموقة ومحترمة ـ صورة التقطها قمر صناعي للهدف. التقط هذه الصورة قمر صناعي تجاري تابع لشركة ديجيتال جلوب في لانمونت بكولورادو في العاشر من أغسطس، أي قبل أربعة أسابيع من القصف، وظهر في الصورة بناء مربع بجواره محطة لضخ المياه. وفي تحليل تم نشره في الوقت نفسه، خلص ألبرايت ـ وهو فيزيائي عمل كمفتش على الأسلحة في العراق ـ إلى أن البناء كما يظهر من الفضاء له حجم وعرض يماثل تقريبا حجم وعرض مفاعل مقام في يونج بيون وهو المنشأة النووية الأساسية لدى كوريا الشمالية. وقال ألبرايت "إن المبنى الطويل الذي يظهر في الصورة قد يكون حاويا لمفاعل تحت الإنشاء وقد يكون الهدف من محطة ضخ المياه المقامة قرب النهر هو أن تمد المفاعل بالمياه المبردة. وانتهى تحليله بسلسلة من الأسئلة البلاغية التي تفترض أن الهدف كان منشأة نووية:
"إلى أي مرحلة وصل بناء المفاعل عند قصفه؟ كم كان مدى العون النووي المقدم من كوريا الشمالية؟ أي من مكونات المفاعل حصلت عليه سوريا من كوريا الشمالية، وأين هذه المكونات الآن؟"
وفي وقت لاحق نقلت عنه واشنطن بوست قوله "إنني مقتنع إلى حد بعيد بأن سوريا كانت تحاول إقامة مفاعل نووي".
وحين سألت ألبرايت كيف تسنى له أن يحدد الهدف بدقة، قال لي إنه قام مع زميل له هو باول برانان "بالكثير من الجهد" ـ في جمع القصاصات الصحفية حول الأمر والتحديق في صورة ديجيتال جلوب ـ "قبل أن ننتهي إلى تحديد الموقع". وبعد ذلك قام ألبرايت بعرض معلوماته على روبين رايت وصحفيين آخرين في البوست فقالوا له بعد أن تثبتوا من مسئولين بالإدارة إن المبنى هو بالفعل المبنى الذي استهدفه الإسرائيليون. وقال لي "إننا لم ننشر المعلومات إلا بعد أن حصلنا على تأكيد صريح من واشنطن بوست". وقد فهم ألبرايت أن مصادر واشنطن بوست الرئاسية قد اطلعت على المزيد من الصور التفصيلية التي حصلت عليها الأقمار الصناعية الاستخبارية الأمريكية. وقد نشرت البوست خبرا ـ غير مصور ـ في التاسع عشر من أكتوبر جاء فيه أن "مسئولن أمريكيين وأجانب مطلعين على تبعات الهجمة" قد انتهوا إلى أن الموقع فيه "سمت" أو خصائص مفاعل "شبيه بالمنشآت النووية في كوريا الشمالية" وهي نتيجة اتفق معها ألبرايت في ذلك الوقت. أي أن ثمة تأكيدا متبادلا بين كل من ألبرايت وتقارير البوست الصحفية لما توصل إليه كل منهما، برغم وحدة المصادر التي اعتمد عليها الجانبان.
أخبرني ألبرايت أنه التقى سرا بمسئولين إسرائيليين قبل أن ينشر معلوماته، وقال "إنني كنت أود أن أطمئن شخصيا إلى أن الإسرائيليين ظنوا الموقع مفاعلا، واطمأننت بالفعل. صحيح أنهم لم يقولوا قط إنه كان نوويا، ولكنهما استنتجوا إمكانية أن يكون صاروخيا، أو كيميائيا أو موقع رادار. ومن خلال عملية الحذف توصلت إلى أنه كان نوويا".
بعد يومين من مقاله الأول، نشر ألبرايت صورة التقطها قمر ديجيتال جلوب الصناعي للموقع في الرابع والعشرين من أكتوبر، أي بعد سبعة اسابيع من القصف. وبينت الصورة الجديدة أن الموقع قد سوي بالأرض، وأنه قد تم مسح الأرض نفسها. قال ألبرايت إن في ذلك إشارة إلى عملية تغطية، فإزالة بقايا الموقع المقصوف تجعل من الصعب على مفتشي الأسلحة أن يحددوا طبيعة الموقع السابقة بدقة. وقال للتاميز إن "سوريا فيما يبدو تحاول إخفاء شيء من خلال تحطيم الدليل على قيامها بنشاط ما. ولكن ذلك لن يفلح، فلسوف يكون لزاما على سوريا أن تجيب أسئلة حول ما كانت تفعله بالضبط". وكان تقديره هذا منتشرا في الصحافة. (ففي منتصف يناير، نقلت التايمز صورا عن ديجيتال جلوب أوضحت أن منشأة تخزينية ـ أو شيئا من هذا القبيل ـ قد أقيمت على عجل في موقع القصف).
وقد اختلف خبراء حظر الانتشار النووي في الوكالة الدولية للطاقة الذرية وغيرهم من المعنيين بالحد من التسلح مع تفسير ألبرايت للصور. فقد أخبرني دبلوماسي يعمل في فيينا ـ حيث يوجد مقر وكالة الطاقة الذرية ـ إن "الناس هنا قد احتاروا في هذا الأمر، ورأوا أن ألبرايت قد حشر أنفه فيه حشرا، فالوكالة تؤكد على إخبار الصحفيين بأنها متشككة كثيرا في المسألة النووية السورية، ولكن الصحفيين مقتنعون للغاية".
بينما علق دبلوماسي آخر في فيينا تعليقا لاذعا حيث قال: "أي مبنى مربع هو مبنى مربع وحسب". وقال الدبلوماسي المتخصص في التأكد من الأنشطة النووية من خلال صور الأقمار الصناعية إن الوكالة الدولية للطاقة الذرية "لا تملك من المعلومات ما يكفي لاستنتاج أي شيء عن الطبيعة الدقيقة للمنشأة. فالمتخصصون فيها يرون في الصور مبنى ذا أبعاد هندسية معينة يقع بالقرب من نهر ويمكن أن يكون له علاقة بشيء نووي. ولكنهم لا يمكن أن يقطعوا بذلك. فالمعلومات الواردة تأتي من مصادر معلنة تتجاوز الصورة، وثمة جهاد مضن لعزل هذه المعلومات عن جلبة السياق السياسي الذي تأتي فيه".
إن كثيرا مما يتوقع المرء أن يراه حول موقع نووي سري لا يوجد حول الموقع الذي استهدفته إسرائيل. ذلك ما يقوله خبير مخابرات عمل من قبل في الخارجية الأمريكية ويتعامل الآن لحساب الكونجرس مع قضية حظر الانتشار. قال الدبلوماسي "إنه لا يوجد تأمين حول الموقع. لا ثكنات للجيش أو للعاملين. لا يوجد مجمع ملحق". وقد أخبرني جيفري لويس ـ رئيس برنامج حظر الانتشار النووي في مؤسسة أمريكا الجديدة وهي مركز بحثي مقره واشنطن ـ أنه حتى إذا كان طول المبنى وعرضه مماثلين لموقع كوري، فإن ارتفاعه لا يكفي لاحتواء مفاعل بحجم يونج بيون واحتواء فراغ يسمح بوجود قضبان التحكم، وذلك شيء أساسي في عمل أي مفاعل، كما لم تظهر الصور دليلا على وجود منشآت تحت الأرض. "كل ما يمكن أن تراه في الصور لا يزيد عن صندوق، لا يمكن أن ترى ما يكفيك لتحكم على الحجم الذي سوف يصل إليه أو الوظيفة التي سيقوم بها. إنه مجرد صندوق".
قال مسئول سابق بالمخابرات الأمريكية ـ على اطلاع بالمعلومات المخابراتية الحالية ـ "إننا لا نملك دليلا على وجود مفاعل، لا توجد إشارات، أو معلومات مستقاة من أشخاص أو أقمار صناعية". وقد تساءل خبراء دفاع مطلعون وضباط مخابرات سابقون عن السبب الذي يجعل إدارة بوش تصر على عدم الإعلان عن الدليل، إذا كان هناك دليل دامغ على تورط دولة تعتبرها إدارة بوش من دول محور الشر في تقديم مساعدات نووية لدولة أخرى تعتبرها نفس الإدارة دولة راعية للإرهاب.
حينما ذهبت إلى إسرائيل في أواخر ديسمبر، كانت الحكومة لا تزال تفرض السرية على تلك الغارة، ولكن بعض المسئولين وضباط الجيش الحاليين والسابقين كانوا راغبين في التكلم بشرط عدم الإفصاح عن هويتهم. وقد أصر أغلبهم على أن المعلومات المخابراتية لدى إسرائيل كانت دقيقة. وقد قال لي مسئول إسرائيلي يسمح له موقعه بالاطلاع على تفاصيل الغارة على سوريا: "لا تكتب أن المكان المستهدف لم يكن فيه شيء" وقال وهو يشير لي بسبابته "فهذا الشيء كان موجودا في سوريا".
وقد أخبرني الجنرال المتقاعد شلومو بروم ـ الذي عمل نائبا لمستشار الأمن القومي في حكومة إيهود باراك ـ أن إسرائيل ما كانت لتتحرك دون أن تكون على قناعة بوجود تهديد. وقال برومو "ربما كان الأمر عن قناعة موهومة، ولكن كان هناك شيء ما. لقد كان بداية مشروع نووي". ومع ذلك، وحتى التاريخ الذي دار فيه حوارنا، فإن "السؤال عما إذا كان ذلك موجودا أم غير موجود ليس القضية المعنية".
حين تكلمت مع ألبرايت في ديسمبر، بدا أشد حيطة مما كان عليه في أكتوبر حيث قال "إننا لم نقل قط إننا عرفنا من الصورة أنه كان مفاعلا. كنا نريد أن نتأكد أن الصورة متسقة مع مفاعل، ومن وجهة نظري، فقد كانت كذلك. ولكن ذلك لا يؤكد أنه مفاعل".
أصبحت رحلة سفينة الحمد التجارية الساحلية الصغيرة جزءا مركزيا في كل روايات قصف السادس من سبتمبر. ففي الخامس عشر من سبتمبر أوردت البوست أن "خبيرا أمريكيا مرموقا في شئون الشرق الأوسط" قد قال إن الهجمة "تبدو مرتبطة بوصول ... سفينة تحمل شحنة من كوريا الشمالية مكتوب عليها أنها أسمنت". ومضت المقالة إلى أن أوردت اعتقاد الخبير "بأن إجماعا تكون في إسرائيل مفاده أن الحمولة كانت عبارة عن معدات نووية". كما أشارت تغطيات صحفية أخرى إلى السفينة بوصفها سفينة "كورية شمالية مشبوهة".
ولكن هناك دليلا على أن الحمد لم تكن تحمل شحنة حساسة ـ أو أي شحنة ـ من كوريا الشمالية. فالشحن الدولي يخضع لرقابة دقيقة من وحدة لويد للمخابرات البحرية وهي تعتمد على شبكة من العملاء وسجلات الموانئ وغيرها من السجلات. بالإضافة إلى أن أغلب السفن التجارية اليوم ملتزمة بتركيب جهاز يسمى اختصارا آيه آي إس وهو عبارة عن نظام تحديد، وقد كان هذا الجهاز على سفينة الحمد وكان يعمل بطريقة مماثلة لأي جهاز مناظر على أية سفينة تجارية، أي أنه كان يرسل تقريرا عالي التردد بموقعه. ([نقلا عن] أجهزة الرقابة البحرية التابعة للقوات البحرية الأمريية والقائمة في منشأة سرية بإحدى ضواحي واشنطن).
تشير سجلات وحدة المخابرات البحرية إلى أن الحمد أنشئت عام 1965 لتعمل على مدار سنوات في البحر الأبيض المتوسط والبحر الأسود، ولا توجد أية مؤشرات على قيامها مؤخرا بزيارة إلى كوريا الشمالية. وتشير السجلات إلى أن الحمد رست في طرطوس في الثالث من سبتمبر وكانت تلك هي المرة الخامسة التي ترسو فيها في سوريا خلال خمسة أشهر. (كانت واحدة من ثماني سفن رست في ذلك اليوم، وبرغم أن أيا من السفن الأخرى قد تكون محملة بشحنة محظورة، إلا أن الإعلام لم يشر إلى غير الحمد). تغير تسجبل الحمد كثيرا. فقد كانت ترفع علم كوريا الجنوبية، قبل أن ترفع علم كوريا الشمالية في نوفمبر 2005، ثم علم جزر القمر. (غالبا ما ترفع السفن الأعلام المناسبة، وتكون مسجلة لدى أكثر من دولة، وذلك اجتنابا لدفع الضرائب، أو تفاديا لأية إجراءات شاقة). وفي وقت القصف ـ وفقا لـ لويد ـ كانت ترفع علم جزر القمر وكانت مملوكة لمواطنين سوريين. وفي السنوات السابقة على ذلك، كانت السفينة ترفع أعلام روسيا وإستونيا وتركيا وهندوراس. وتوضح سجلات لويد أن السفينة لم تمر فيما يبدو عبر قناة السويس ـ وهو الطريق الأساسي بين البحر الأبيض والشرق الأقصى ـ منذ عام 1998 على الأقل.
جرينبيس واحدة من المجموعات المعنية بتعقب الشحن الدولي. وقد قال لي مارتيني جوتجي ـ الذي يعمل في المنظمة مراقبا لأعمال الصيد غير المشروع والذي كان من أول من طرحوا تساؤلات حول الحمد ـ "إنني في البحر منذ واحد وأربعين عاما، ويمكنني أن أخبرك كقبطان أن الحمد لم تكن ذات شأن، هي سفينة متهالكة، لا يمكنك أن تحملها بشحنة ثقيلة، لأن أرضيتها أضعف من أن تحتمل ذلك".
إذا لم يكن الهدف الذي قصفه الإسرائيليون في سوريا موقعا نوويا، فلماذا لم يرد السوريون بمزيد من العنف؟ لقد اشتكت سوريا لدى الأمم المتحدة لكنها لم تبذل جهدا يذكر لدفع قضيتها. ولو لم يكن الموقع المقصوف مفاعلا، فماذا كانت طبيعته؟
عبر رحلتين قمت بهما إلى دمشق بعد الغارة، أجريت لقاءات مع الكثير من كبار الشخصيات في الحكومة والمخابرات. ولم أحصل على قصة ثابتة التفاصيل من مستشاري الأسد المقربين، إلا أن بعض الروايات كانت كاشفة ـ وأكثر منطقية ـ من بعضها الآخر. بشكل عام، بدا المسئولون السوريون أكثر تلهفا على تحليل دوافع إسرائيل منهم على مناقشة الهدف الذي هاجمته. قال لي فاروق الشرع نائب الرئيس السوري "إنني أتردد في إجابة اسئلة الصحفيين عن هذا الأمر" وأضاف أن "إسرائيل قامت بالقصف لتستعيد مصداقيتها، وكان هدفهم هو حملنا على الكلام في الموضوع. وبإجابتي على أسئلتك أحقق لهم هدفهم. فما الذي يجعلني أتطوع لأداء هذه الخدمة لهم؟". وأنكر الشرع أن يكون لدى بلده برنامج تسلح نووي. وقال "إن كم المقالات التي صدرت عن القصف يفوق قدرة العقل على التصديق، ولم يكن مهما إطلاقا أن المسألة كلها مجرد كذبة".
قال لي أحد كبار المسئولين في الخارجية الإسرائيلية إن الهدف كان عبارة عن "مبنى عسكري قديم هجره الجيش السوري" منذ سنوات. غير أن جنرالا في المخابرات السورية حكى لي رواية مختلفة، إذ قال إن "ما استهدفه الإسرائيليون كان مبنى يستخدم للتخصيب وضخ المياه" وذلك في سياق جهود الحكومة لإنعاش الزراعة. وقال إن "هناك مدينة كبيرة [هي دير الزور] على بعد خمسين كم" فلماذا يضع السوريون مواد نوية قرب مدينة؟ والتقيت بالجنرال نفسه في زيارتي الثانية إلى دمشق، فأكد على أن المبنى المستهدف لم يكن "في أي وقت منشأة عسكرية". أما عن السبب الذي جعل سوريا تحجم عن اتخاذ رد فعل عنيف، ما دام الموقع نظيفا، قال الجنرال "كل ما أستطيع أن أؤكده هو أن ذلك لم يكن عن خوف". وبينما كنت أتركه، سألته لماذا لم تدع سوريا ممثلي الوكالة الدولية للطاقة الذرية لزيارة الموقع المستهدف ليعلنوا أن الموقع لم يكن يشهد أنشطة نووية، فقال الجنرال "إنهم لم يطلبوا المجيئ، وليس لدى سوريا ما يجعلها تطلب منهم ذلك".
غير أن مسئولا بالوكالة الدولية للطاقة الذرية نفى هذا التأكيد حينما تحدثت إليه في فيينا، حيث قال لي إن "الوكالة طلبت من سوريا أن تسمح لها بزيارة الموقع لتتأكد من طبيعته ... وكان رد سوريا هو أن الموقع عسكري لا نووي، وليس هناك من سبب لتذهب إليه الوكالة. وكان من مصلحتهم ومصلحة الجميع أن يسمحوا بزيارة الوكالة للموقع. فلو أنه كان موقع نوويا، لبقيات بصمات تدل على ذلك".
وفي لقاء تال على ذلك، دافع عماد مصطفى ـ السفير السوري لدى واشنطن ـ عن قرار سوريا بعدم دعوة مفتشي الوكالة قائلا لي "إننا لن نبدأ لعبة دعوة الخبراء الأجانب لزيارة كل موقع تزعم إسرائيل أنه منشأة نوية... فلو أننا دعونا الوكالة وقالت إن الموقع لم يكن فيه شيء، فسوف تقول إسرائيل إنها أخطأت، ثم تقوم بعد أسبوعين بقصف موقع آخر، ولو أننا حينئذ لم ندع الوكالة لقالت إسرائيل: أرأيتم؟ .. وهذا هراء، ما الذي يجبرنا عليه؟".
حتى إذا لم يكن الموقع نوويا، فمن المحتمل أن سوريا خشيت أن تكتشف الوكالة تواجدا لكوريا الشمالية. فقد حصلت عندما كنت في سوريا على تأكيدات بأن كوريا الشمالية كان لها تواجد في الموقع. كان ضابط رفيع ذو معرفة مباشرة بالحادثة في دمشق قد وافق على مقابلتي منفردا، وفي منزله، بينما تمت بقية لقاءاتي في العاصمة السورية داخل مكاتب حكومية. ووفقا لما رواه لي، فإن الكوريين الشماليين كانوا متواجدين في الموقع، ولكن كعمال بناء. وقال الضابط الرفيع إن المبنى المستهدف كان سيصبح عند اكتماله منشأة حربية كيميائية. (لم توقع سوريا معاهدة الأسلحة الكيميائية ومن المعتقد منذ سنوات أن لديها ترسانة كيميائية لا بأس بها).
قال الضابط إن صفقة البناء مع كوريا الشمالية كانت صفقة روتينية تشمل المراحل كلها بدءا من التصميم وحتى الإنشاء. (ولعل كوريا الشمالية أرسلت بعض التقنيين المهرة لإجراء أعمل أقل روتينية). إن بين سوريا وكوريا الشمالية شراكة قديمة في الشئون العسكرية. وقد أخبرني الضابط أن "التعاقد القائم بين البلدين قديم، يرجع إلى 2002، وتم تنفيذه متأخرا ... كان ينبغي أن يكتمل بحلول 2005، ولعل الإسرائيليين توقعوا أنه مضى إلى أبعد مما كان مفترضا به".
وقال الضابط الرفيع إن عمال كوريا الشمالية كانوا يأتون ويذهبون لمدة قد "تبلغ ستة أشهر" سابقة على قصف سبتمبر، واستنتجت مصادر في الحكومة السورية أن يكون الإسرائيليون قد التقطوا محادثات هاتفية باللغة الكورية من الموقع (وهذا يتفق مع ترتيب الوقائع الذي حصلت عليه من المسئولين الإسرائيليين). ويعتقد الضابط الرفيع "أن الإسرائيليين لهم جواسيس شاهدوا انتقال العمال الكوريين إلى المنطقة ... ولكن الكوريين كانوا لا يتواجدون في الموقع ليلا، بل ينتقلون للنوم في الأماكن المخصصة لهم ثم ينتقلون إلى الموقع في الصباح. لقد كان الموقع في منطقة معزولة، وربما رأى الإسرائيليون أن يخاطروا، حتى وإن كان احتمال كونه موقعا نوويا هو احتمال ضئيل".
في الأيام السابقة على القصف كان العمال الكوريون يعملون في الطابق الثاني، وكانوا يغطون الموقع بنوع من القماس حماية له من الشمس والمطر، "وتلك طريقتهم في العمل" كما قال الضابط السوري، مضيفا احتمال أن يكون عدم رؤية الإسرائيليين لما يحدث تحت الغطاء، قد أضاف لهم عزما على عزم.
قال الضابط السوري إن الهجمة كانت دراماتيكية، إذ استخدم الإسرائيليون إضاءة المغنسيوم المبهرة ليروا الهدف قبل قصفه فاستحال الليل بغتة ـ كما قال لي ـ إلى نهار. "وحينما رأى الناس ذلك ظنوا الأمر غارة لقوات خاصة". تحطم المبنى، واستنتجت الحكومة أنه لم تكن هناك قوات أرضية في المنطقة. ولو كان الإسرائيليون أخذوا عينات من التربة "لما وجدوا غير الأسمنت" حسب ما قال الضابط السوري.
أكد مسئول سوري رفيع أن مجموعة من الكوريين الشماليين كانت تعمل في الموقع، ولكنه أنكر أن يكون المبنى مخصصا للأسلحة الكيميائية. وقال إن سوريا انتهت إلى أن المعدات الحربية الكيميائية لا تمثل رادعا ذا شأن بالنسبة لإسرائيل، في ضوء قدراتها النووية. وقال المسئول إن المنشأة المقصوفة كانت لتصبح مصنعا من سلسلة مصانع للصواريخ تنتشر في أرجاء سوريا "وهي جميعا ذات تقنية منخفضة وليست استراتيجية". (لا تزال كوريا الشمالية تمثل بالنسبة لسوريا مصدرا أساسيا لتقنية وخبرة الصواريخ). وأضاف المسئول قائلا "إننا لم نعد مجارين [لإسرائيل]، وصرنا نقوم بتطوير قدرتنا لصناعة صواريح منخفضة التقنية وسنكون قادرين على التسبب في أكبر ضرر ممكن دونما الالتجاء إلى مواجهة الجيش الإسرائيلي".
ومهما تكن طبيعة ذلك الموقع الذي كان تحت الإنشاء بمساعدة من كوريا الشمالية، فإنه لم يكن ذا علاقة بالزراعة ـ أو المفاعلات النووية ـ وإنما كانت له علاقة بالوضع الدفاعي لسوريا وبعلاقاتها العسكرية مع كوريا الشمالية. ولعل ذلك كان كافيا لأن تصمت الحكومة السورية يعد قصف السادس من سبتمبر.
ليس من الواضح مدى تورط إدارة بوش في الهجمة الإسرائيلية. غير أن التقرير الأكثر تفصيلا عن التعاون بين البلدين ظهر في منتصف أكتوبر من خلال شبكة آيه بي سي نيوز. إذ أوردت الشبكة نقلا عن مسئول أمريكي كبير أن إسرائيل أطلعت الولايات المتحدة على معلومات استخبارية وتلقت في المقابل مساعدة من أقمار صناعية أمريكية ومعلومات خاصة بالاستهداف. وذكر أن إدارة بوش فكرت ـ في إحدى المراحل ـ في مهاجمة سوريا بنفسها، ثم نبذت ذلك الخيار. وأوحى التقرير بأن المعلومات الإسرائيلية حول التهديد النووي قد بدت مقنعة للولايات المتحدة.
ولكن المسئولين الذين تحدثت إليهم في إسرائيل نفوا تماما فكرة تلقيهم عونا كبيرا من واشنطن في التخطيط للهجمة. وحين قلت لمسئول إسرائيلي رفيع إنني وجدت دعما قليلا في واشنطن لزعم إسرائيل بأنها قامت بقصف منشأة نووية في سوريا، رد بغضب قائلا: "لم يساعدنا أحد. لقد فعلناها بأنفسنا" ثم أضاف قائلا "ما أقوله لك هو أن أحد لم يكتشف الأمر ويطلعنا عليه". (رفض البيت الأبيض التعليق على هذه القصة).
ثمة دليل يدعم هذه الرؤية. فالقمر الصناعي التابع لديجيتال جلوب ـ الشركة القائمة في كولورادو والذي مد ألبرايت بالصور ـ يعمل بالإيجار، ويستطيع أي شخص أن يطلب تصوير أي موقع يحدد إحداثياته بتكلفة تتراوح من بضع مئات إلى مئات آلاف الدولارات. وتقوم الشركة بعرض نتائج هذه الطلبات على موقعها على الإنترنت دون أن تكشف عن هوية مقدم الطلب. وقد تلقت ديجيتال جلوب خمس طلبات مدفوعة الأجر فيما بين الخامس والسابع والعشرين من أغسطس لالتقاط صور مقربة للمبنى الذي تم استهدافه في سوريا.
من الواضح أنه أيا من يكون ذلك الذي طلب تلك الصور، فإنه شخص مرتبط بالتخطيط للهجمة. وإذا كان ستون بالمائة من العمل الذي تقوم به شركة جلوبال ديجيتال يكون لحساب الحكومة الأمريكية، إلا أن ذلك يتعلق بالعمل غير السري، مثل رسم الخرائط. أما نظام الأقمار الصناعية المخابراتية العسكري التابع للحكومة فيوفر من الصور ما يسميه الخبراء "بالصور عالية التحبب"، ولعل هذا النظام قد وفر صورا للموقع عالية الوضوح. ولإسرائيل على الأقل نظاما أقمار صناعية مخابراتية عسكرية ولكن ديجيتال جلوب ـ بحسب المحلل السابق بالمخابرات الأمريكية آلن طومسن ـ لها مزايا استطلاعية تجعل إسرائيل عميلا منطقيا لديها. (قال تشاك هيرنج المتحدث باسم جلوبال ديجيتال إن "سرية العميل أمر أساسي لدينا. وأنا لا أعرف من الذي طلب الصور وحتى لو كنت أعرف فلن أفصح عنه"). ومن الممكن أيضا أن تكون إسرائيل أو الولايات المتحدة قد طلبت الصور لكي تكون لديها مادة غير سرية يمكن تمريرها إلى الصحافة لو لزم الأمر. فلو كانت إدارة بوش تتعاون مع إسرائيل قبل الهجمة، فما الذي ألجأ إسرائيل إلى شركة تجارية؟
في الخريف الماضي، ذكرت مصادر في صناعة الطيران لمجلة "تكنولوجيا الفضاء والطيران" أن الولايات المتحدة أمدت إسرائيل بنصائح حول "أهداف ضعيفة محتملة" قبل هجمة السادس من سبتمبر، وراقبت تنفيذ العملية من خلال الرادار. وذكرت المجلة أن المقاتلات الإسرائيلية قامت ـ قبل قصف الهدف القائم على ضفة نهر الفرات ـ بضرب منشأة رادار سورية قرب الحدود التركية، فقطعت الاتصال مع الرادار، مما أتاح لها الفرصة كاملة لإكمال مهمتها دونما تدخل.
وقد أخبرني مسئول المخابرات الأمريكية الرفيع السابق أن اشتراك أمريكا في الغارة الإسرائيلية ـ حسب فهمه ـ يرجع إلى شهور سابقة على الغارة، ويتعلق بتخطيط الإدارة الأمريكية لحرب جوية محتملة ضد إيران. فقد اقتنعت وكالة المخابرات التابعة لوزارة الدفاع في الصيف الماضي بأن سوريا تقوم بتركيب نظام رادار ودفاع جوي روسي شبيه بمجمعات الرادارات في إيران. كان دخول المجال الجوي السوري كفيلا بإطلاق هذه الدفاعات وكشفها للأمريكيين والإسرائيليين بما يوفر معلومات قيمة عن قدراتها. وقد كان نائب الرئيس ديك تشيني يدعم فكرة الضربة الجوية الخاطفة ـ بحسب ما أكد مسئول المخابرات الرفيع السابق ـ إذ إنها "ستكون ناجعة مع سوريا وتبين أننا جادون بشأن إيران" (رفض مكتب نائب الرئيس التعليق). وقال المسئول نفسه إن الطائرات العسكرية الإسرائيلية تحلق باستمرار فوق سوريا دونما رد من الأخيرة. وقال المسئول إن التركيز كان على الرادار والدفاعات الجوية، وليس على أي منشأة نووية مشبوهة. وجاءت مزاعم إسرائيل حول الهدف بعد ذلك لتصيب الكثير من العسكريين ورجال المخابرات ـ وربما البيت الأبيض نفسه ـ بالدهشة.
وعندما سألت المسئول الإسرائيلي الرفيع عما إذا كانت هجمة بلده على سوريا تتعلق باهتمام بتركيب سوريا لنظام رادار، قال لي "هذا هراء". وإذن، مهما تكن أجندة الإدارة الأمريكية وأهدافها، فقد كان لدى الإسرائيليين ما هو أكثر من تلك الأهداف.
لقد جاءت قصة القصف الإسرائيلي لسوريا، حافلة بتفاصيل من نوع المعلومات الواردة من الأقمار الصناعية، واختراق المجال الجوي، واعتراض المقاتلات، زالتسريبات الصحفية، وتبادل الآراء والافتراضات، فأنعشت ذاكرة دبلوماسيين ورجال مخابرات أمريكيين حول حادثة وقت منذ عشر سنوات وكانت خاصة بكوريا الشمالية. ففي منتصف عام 1998 قامت الأقمار الصناعية الاستطلاعية الأمريكية بتصوير مشروع بناء كبير تحت الأرض في كوتشانجري على بعد خمسة وعشرين ميلا إلى الشمال من يونجبيون. "وقد قيل لنا إن هذا البناء بلا شك يتعلق بمنشأة نووية، وكان ثمة معلومات استخبارية تشير إلى علاقة بين المنشأة القريبة من كومتشانجري وبين مجمع نووي في يونجبيون" حسب ما أخبرني خبير المخابرات السابق في الخارجية الأمريكية.
وقد أخبرني تشارلز كارتمان ـ مبعوث الرئيس بيل كلينتن الخاص في محادثات السلام الكورية الشمالية ـ أن المحللين في وكالة المخابرات التابعة للدفاع قد اعتبروا أن هذه المعلومات مؤكدة، برغم أن وكالات أخرى اختلفت على ذلك. وقال كارتمان "إن جدالا ثار بيننا ولكن وكالة المخابرات التابعة للدفاع ذهبت بالقضية إلى الكونجرس" مما جعل المسألة تنصدر الصفحة الأولى من التايمز.
بعد شهور من المفاوضات، كما قال كارتمان، وافق الكوريون الشماليون، بعد ضغط دبلوماسي، على السماح بزيارة كوتشانجري. وفي المقابل حصلت على عون تضمن نظام إنتاج صور جديدا. ولم يجد المفتشون أكثر من سلسلة من الأنفاق الخاوية. وقد أخبرني روبرت كارلن (وهو خبير في الشئون الكورية الشمالية تقاعد في عام 2005 بعد أن خدم في المخابرات الأمريكية لمدة ثلاثين عاما وفي مكتب المخابرات التابع للخارجية الأمريكية) أن حادثة كومتشانجري قد أبرزت بوضوح أن ثمة "ضعفا مستوطنا" في المخابرات الأمريكية، إذ إن "فيها من يظنون أنهم يعرفون النتائج فيبحثون عن الأدلة التي تصلح مقدمات لهذه النتائج. وبعدئذ تتكون مجموعات بحثية، كلها تعمل على هذا المنوال، وتؤكد نتائج بعضها البعض".
ويبدو أن كان ثمة اعتقاد مترسخ إلم يكن جماعيا لدى المخابرات الإسرائيلية ـ كما كان الحال في كومتشانجري ـ بأن السوريين يقيمون منشأة قد تكون لها عواقب وخيمة على الأمن الوطني. ولكن ما الذي يجعل الإسرائيليين يخاطرون باستفزاز السوريين إلى القيام بعمل عسكري، وربما شن حرب، إذا لم يكن هناك كما يبدو دليل دامغ؟ قال محمد البرادعي ناطقا بإحباطه: "إذا حصلت أي دولة على معلومات حول نشاط نووي لدولة أخرى، فينبغي عليها أن تقوم بإطلاع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، لا أن تقصفها أولا ثم تثير الأسئلة فيما بعد".
يقترح ديفيد ألبرايت جوابا مفاده أن إسرائيل لم تكن تثق في الجهات الدولية المعنية بالتحكم في التسلح. وقال "إنني أفهم وجهة النظر الإسرائيلية، في ضوء تاريخ إيران والجزائر، فقد كان لدى كلا البلدين برامج تسلح نووي، وعندما تبين أنهما تخادعان، أعلنتا أن مفاعلاتهم النووية مدنية ومقامة لأغراض سلمية. ولم تقم الأمم المتحدة أو الوكالة الدولية للطاقة الذرية بإغلاقها قط". ولعل إسرائيل أيضا قد رأت أن مخاطرة قيام سوريا بهجمة مضادة لا تمثل غير احتمال بعيد: فلا شك أن الرئيس الأسد توصل إلى أن الهجمة تمت بتأييد من إدارة بوش، ومن ثم فأي رد من سوريا سيكون موجها أيضا إلى الولايات المتحدة. (وقد تردد هذا الاحتمال في حواراتي مع المسئولين السوريين).
في تل أبيب، قال لي مسئول إسرائيلي رفيع إن "سوريا لا تزال تتصور أن حزب الله انتصر في حرب لبنان ... لكن نصر الله يعرف كم كان الثمن ـ موت ثلث قواته، قصف البنية الأساسية، زوال خمسة وتسعين بالمائة من أسلحته الاستراتيجية ... لا تزال لدى الأسد 'عقدة نصر الله'، لا يزال يقول لنفسه 'إن كان هو فعلها، فبوسعي أن أفعلها' وكانت نتيجة ذلك أن ساد دمشق مزاج مغامراتي. لكنهم اليوم باتوا أكثر واقعية".
وقد وردت هذه الفكرة نفسها على لسان سفير لدولة حليفة لإسرائيل، فقد قال لي السفير في تل أبيب "إن الحقيقة ليست مهمة. لقد استعادت إسرائيل مصداقيتها كدولة قادرة على الردع، وهذا هو الأمر المهم، ولن يعرف أحد ماهية القصة الحقيقية".
هذا دليل على أن هذه الغارة الاستباقية على سوريا كان تهدف أيضا إلى التحذير من هجمة استباقية على إيران تكون على غرار غارة سوريا. فحينما قمت بزيارة إسرائيل هذا الشتاء، وجد إيران هي الهاجس المسيطر على السياسيين والضباط الذين التقيت بهم، وليس سوريا. لقد لمست غضبهم على واشنطن بعد صدور تقرير المخابرات الوطنية الذي انتهى إلى أن إيران لا تقوم حاليا بتصنيع أسلحة نوية. فكثيرون في إسرائيل يرون أن طموحات إيران النووية تمثل خطرا وجوديا، ويعتقدون أنه قد لا يكون هناك مفر من القيام بعمل عسكري ضد إيران، ويخشون ألا يكون الأمريكيون جاهزين عندما تنشأ الحاجة إلى وجودهم. لقد صدر تقرير المخابرات الوطنية في نوفمبر، بعد أن ظل موقوفا لمدة عام بسبب مكتب ديك تشيني الذي عارض نتائج التقرير. وفي الوقت الذي تمت فيه الهجمة، كانت أنباء التقرير القادم قد بدأت تتواتر.
قال لي العميد المتقاعد جيورا إيلاند الذي عمل مستشارا للأمن الوطني في حكومة آريئل شارون إن "الجيش الإسرائيلي يفترض أننا يوما ما سوف نضطر إلى شن حملة عسكرية ضد إيران وذلك لإبطاء وإلغاء الخيار النووي". وأضاف قائلا: "أما بخصوص الوضع السياسي ومدى سماحه بحدوث ذلك، فتلك مسألة أخرى".
في الأسابيع التالية لإعلان تقرير المخابرات الوطنية، أصر بوش أن خطر الأسلحة النووية الإيرانية يبقى مؤكدا كما كان من قبل، ثم ظل يؤكد ذلك في جولته التي استمرت تسعة أيام بالشرق الأوسط. حيث قال لجريتا فان ساستيرن من شبكة فوكس نيوز الإخبارية إن "الكثير من الناس سمعوا بتقرير المخابرات الوطنية هنا وقالوا إن جورج بوش والأمريكيين لا يأخذون التهديد الإيراني مأخذ الجد، ومن ثم فقد نجحت هذه الرحلة من منظور أننا سوف نواصل الضغط".
بعيد القصف، التقى مبعوث صيني وواحد من كبار مسئولي الأمن الوطني في إدارة بوش في واشنطن. كان المبعوث الصيني قد عاد للتو من زيارة لطهران،وقد أخبرني شخص مطلع على الحوار الذي دار بين الرجلين، بأن المبعوث الصيني أراد أن يطلع البيت الأبيض على أن في طهران معتدلين مهتمون بالمحادثات. فرفض مسئول الأمن الوطني تلك الإمكانية وقال للمبعوث ـ بحسب ما أخبرني الشخص المطلع على الحوار ـ "إنكم تعرفون ما تقوله إسرائيل مؤخرا عن سوريا. الإسرائيليون جادون جدا فيما يتعلق بإيران وبرنامجها النووي، وأعتقد إنه إذا لم تنجح حكومة الولايات المتحدة في صفقاتها الدبلوماسية مع إيران، فسوف يتعامل الإسرائيليون عسكريا مع الأمر. ثم طلب من المبعوث أن ينقل إلى حكومته أن الإسرائيليين جادون جدا.
وقد أخبرني الشخص المطلع على تفاصيل لقاء المبعوث الصيني بمسئول الأمن الوطني الأمريكي إن الأخير "كان يقول للقيادة الصينية إن من الأفضل لها أن تحذر إيران بأننا لن نستطيع أن تكبح إسرائيل، وإن على الإيرانيين أن ينظروا إلى سوريا ويرون ما سيحدث إذا فشلت الدبلوماسية ... كانت رسالة واضحة مفادها أن الهجمة السورية كانت موجهة جزئيا إلى إيران".

نشر المقال في 11 فبراير 2008 في مجلة ذي نيويوركر الأمريكية