الثلاثاء، 7 أبريل 2020

يوميات كورونا بقلم ممرضة في وحدة الرعاية المركزة


يوميات كورونا بقلم ممرضة في وحدة الرعاية المركزة

سيمون حنا كلارك


أصحو قبل رنين المنبه. أعد قهوة، أغسل وجهي، وأضع من مزيل العرق مرتين. لا يكفي المزيل مطلقا لإيقاف العرق والرائحة، لكنني أحاول. لا يزال زوجي وأبنائي نائمين. أحاول أن آكل. يضطرب بطني لحظة أتخيل ما سيأتي به اليوم، برغم أنني أعرفه بالطبع. هي دائما تنويعات على الأمر نفسه: مرضى في حالات حرجة وبتشخيص واحد، هو كوفيد 19.
بدأت أطلق على الزمن السابق لهذه الأيام زمان السلام. لأنها تبدو حربا. وأنا أحترم على مضض، عدونا فيها. عدونا الخفي، العشوائي، عديم الرحمة.
أنا واحدة من آلاف مؤلفة من الممرضات العاملات في وحدات الرعاية المركزة في نيويورك. لسنا خادمات ولا ملائكة. نحن محترفات في مجالنا. نحول خطط العلاج إلى أفعال. نسأل حين تفتقر الأمور إلى المنطق أو لا تبدو قابلة للنجاح. نجد من الحلول ما ينفع مرضانا. الممرضات يقدِّرن ويلاحظن، ويسألن ويخفِّفن. نقف بين المريض والعدو. نحن الجبهة.
مترو أم أوبر؟ أفكر في هذا قبل كل نوبة. لا أشعر بالأمان حينما أستقل المترو. هو الآن هادئ هدوءا مخيفا. أوبر إذن. أمر في الطريق بزميلتي. نناقش أمر العدو، وفي حديثنا سخرية مريرة ونمائم بريئة على الزملاء. أقول لها لحظة أصل إلى وحدة الرعاية المركزة "عديني إذا انتهى بي المطاف هنا ألا تجعلي تشاد يراني عارية".
نصل إلى العمل وتكلَّف كلٌّ منا في وحدة العناية المركزة المخصصة لكوفيد. نحن هنا الآن بصفة دائمة. فهذه أول وحدة رعاية مركزة تخصص لكوفيد في مستشفانا. نشعر تجاهها بنوع من الملكية.
نجري مشاورة سريعة بشأن المرضى: أيهم أسوأ حالة، أيهم على وشك "الانهيار"، أيهم تتصل عائلته تسأل عن التطورات. نقيَّم التجهيزات التي قل مخزونها. نرتدي في العادة كمامات "إن 95". نرتديها الآن طول اليوم.
لم أكلف بمريض معين بعد. أنا الممرضة "العائمة"، أؤدي جملة من المهام. مهمتي الأولى مساعدة إخصائية ما بعد التشريح في مريضة فقدناها بكوفيد. رأيناها تموت ببطء خلال الأيام القليلة الماضية. فعلنا كل ما في وسعنا. ليس في الغرفة غيري وزميلة تمريض.
مهمة مقبضة. نلف جثة المريضة بدقة، نربت على جبهتها ونتمنى لها السلامة في الرحلة التالية. تخلع زميلتي عنها حليها باعتناء، نعرف أن ابنتها سوف تطلبها. عليّ أن أجمع متعلقاتها لأن أفراد الأمن ممنوعون من دخول الغرف. يصعب علي إذ أرى حقيبتها، ودفترها، وأدوات زينتها. قبل أسبوع واحد فقط، كانت شخصا له مستقبل، وخطط، ومرطب للشفاه بنكهة الكرز.
أقضي السويعات القليلة التالية مشاركة في البحث عن طريقة لمضاعفة طاقة  وحدتنا. كيف نجعل في كل غرفة سريرين، وجهازي تنفس صناعي، وشاشتين؟ من أين نأتي بمزيد من الشاشات؟ هل لدينا ما يكفي من أجهزة التنفس الصناعي؟ يمزح أحد أطبائي بشأن ذوقي الصيني في ترتيب الغرفة. أقول له، كل شيء خطأ.
نستقبل ثلاث حالات كوفيد جديدة متتابعة. أرتدي أنا وزميلة تمريض سترة إضافية، ونضاعف قفازاتنا ونضع واقيا للوجه فوق كمامات إن 95. هذه هي معدات حمايتنا الشخصية (م ح أ).
نبدأ خطوات رقصة دقيقة مألوفة. ننقل أحد المرضى الوافدين حديثا من النقالة إلى سرير رعاية. نخلع عنه ثيابه وفيما أجري تقييما لكامل الجسد، تصله زميلتي بشاشة رسم القلب وتتلقى مجموعة الإشارات الحيوية. نصله بقسطرة تبول وأنابيب وريدية.
نحمم المريض ونفحص بشرته بحثا عن جروح. نضع تحت كعبيه وأسفل ظهره عازلا لنحول دون الضغط المؤلم على هذه المناطق من جراء بقائه في السرير. نثبت أنبوب معدة فمويا ليتسنى له استقبال التغذية أثناء حقنه أو وضعه على جهاز التنفس الصناعي.
خارج الغرفة زميلات تمريض يزودن مضخات التغذية بوصلات أنابيب طويلة بحيث يتسنى لنا تعليق السوائل دون ارتداء الـ(م ح أ). مذهلة الاختراعات التي توصلنا إليها لنبقى آمنين.
أخيرا، يحين الوقت لخلع الـ(م ح أ). ننظف بعناية واقيات الوجه ونضعها في أكياس ورقية لإعادة استعمالها. مضت ساعة. كلتانا تتعرق، وعلى وجهينا علامات من كمامات الـ إن 95. يستولي عليّ قلق كل يوم: هل كنت حذرة بالقدر الكافي وأنا أخلع الـ(م ح أ)؟ هما القناع والواقي الوحيدان لي طوال ما بقي من اليوم. هل غسلت يدي بالقدر الكافي، وللوقت الكافي؟
بعد ذلك، أذهب إلى الأطباء لمناقشة خطة العلاج والتغييرات والإضافات. أتصل بالصيدلية. أحتاج إلى معدَّات لا يمكنني العثور عليها، تقرأ مساعدة التمريض أفكاري دون أن أضطر إلى السؤال.
أبدأ بعض التوثيق بينما ترتدي إحدى ممارسات التمريض الـ(م ح أ) وتذهب لتركيب أنبوب شرياني ـ وهو نوع من القسطرة تساعدنا في مراقبة ضغط الدم وغازات الدم الشرياني، لنقيس كيفية تنفس المريض. أناقش النتائج مع طبيب الرعاية الحاضر. أحتاج إلى الرجوع إلى الغرفة لإعادة ضبط جهاز التنفس الصناعي.
لم أزل هنا بعد ساعة ونصف الساعة من موعد تغيير النوبة. أريد أن أرجع إلى البيت لكن يصعب الخروج. لم يزل الكثير من العمل متبقيا. علينا جميعا أن نذكر بعضنا بعضا بأن التمريض مهنة مستمرة طول الساعات الأربع والعشرين. نسلم النوبات لممرضاتنا الليليات.
أخلع واقيات الحذاء وأطهر الحذاء. أغير ثيابي وأجمع الثياب الوسخة لغسلها في البيت. أشترك وزميلة العمل في سيارة إلى البيت. لا نتكلم كثيرا. أنظر خارج السيارة إلى جسر بروكلن، إلى مدينتنا الجميلة، ولا أعرف ما حال المريض في السرير رقم 8، وهل سنرجع يوما إلى زمان السلام.
أدخل شقتي بظهري، تاركة حذائي عند الباب، أرش ورائي ليزولLysol ، وأتجه إلى الحمام. الأولاد نائمون. يبتسم زوجي لكنه يعرف أن أحدنا لن يحيي الآخر قبل أن أستحم، وأدعك جسمي من الرأس إلى أصابع القدمين. وحتى بعد ذلك نبقى على مسافة، ننام في غرفتين منفصلتين.
في بعض الأحيان لا يمر اليوم بهذه السلاسة، بسبب انهيار المرضى، أو بسبب نقص العمالة. ولكننا نقوم بنسخة من هذا مع كل مريض، مرارا وتكرارا، ويوما بعد يوم. يظل المرضى يتوافدون. وكلهم يتألمون. البعض يموت. البعض كبار، البعض شباب.
العناية بأولئك المرضى عمل جماعي. كلنا خائفون مفطورو القلوب. ولكن لنا انتصاراتنا: مريض يتحسن ويتسنى إخراجه من الرعاية، توصُّلنا إلى فكرة توفر الوقت وتحافظ على الـ(م ح أ) الثمينة.
العمل الجماعي الآن ملهم. ممرضات وحدة الرعاية المركزة شديدات، نقاتل من أجل مرضانا، وكل منا تقف في ظهر الأخريات. قد يكون الأطباء هم المهندسين المعماريين الذين يخططون لما يجري في المستشفى. ولكنا نحن البنَّاءات. ولذلك نبني، حتى وسط الفوضى والتفكك. نبني، بينما يحاول عدو صامت هدم كل شيء نقيمه. نبني ونبني، نوبة بعد نوبة، بأسرع وبأفضل ما في وسعنا.

كاتبة المقال ممرضة في وحدة الرعاية المركزة بمدينة نيويرورك، والمقال منشور في نيويورك تايمز بتاريخ 3 ابريل 2020 ـ نشرت الترجمة في جريدة 



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق