الثلاثاء، 5 ديسمبر 2017

مشكلة مصر ليست مع داعش فقط

مشكلة مصر ليست مع داعش فقط
ذي نيويوركر في 27 نوفمبر 2017
روبين رايت

توشك شبه جزيرة سيناء ـ بصحاريها البرية وجبالها البكر ـ أن تبلغ مثل مساحة ولاية فرجينيا الغربية، وهي تشتهر بتاريخها الإنجيلي، وحياتها القَبَلية البدوية، ومنتجعات البحر الأحمر. ولكن الآن وقد تدمرت للتو خلافة الدولة الإسلامية في العراق وسوريا، بدأت شبه الجزيرة التي تربط أفريقيا وآسيا تشتهر بوصفها أشد الجبهات في الشرق الأوسط سخونة مع الجماعات الجهادية ومن بينها داعش، وفرع من فروع القاعدة، وخلايا أصغر حجما.
يسبِّب الإرهاب منذ عام 2013 إزعاجا متزايدا للحياة في مصر، لا سيما في سيناء. فقد شهدت مناطق مصر الداخلية أكثر من ألف وسبعمئة هجمة على مدار السنوات الأربع الماضية بحسب إحصاء معهد التحرير لسياسة الشرق الأوسط ومقره واشنطن. وكان نصيب ولاية سيناء  ـ وهي الفرع المحلي من داعش ـ نحو ثمانمئة منها. وقد بدأت الهجمات ـ في الفترة الأخيرة ـ تزحف مقتربة من القاهرة ومستهدفة المدنيين.
حدث يوم الجمعة الماضي ـ وهو يوم صلاة المسلمين الجامعة الأسبوعي ـ أن نفذ أكثر من دزينتين من المتطرفين أكثر الهجمات دموية في تاريخ مصر الحديث. تلك الغارة المتطورة ـ التي انطوت على تفجير قنابل داخل مسجد صوفي ثم إطلاق الرصاص من الخارج على المصلين عند هروبهم أسفرت عن مصرع أكثر من ثلاثمئة وإصابة العشرات في بلدة بئر العبد الشمالية النائية. وبذلك تكون تلك الحصيلة قد تجاوزت حصيلة تفجير طائرة متروجت الروسية في عام 2015 التي تحطمت بعد إقلاعها من منتجع في جنوب سيناء مسفرة عن مصرع مئتين وأربعة وعشرين شخصا.
تعد هجمة المسجد أحدث التحديات الكثيرة التي تواجه الرئيس ـ المشير سابقا ـ عبدالفتاح السيسي مع اقتراب مصر من انتخابات في العام القادم. لا يزال السيسي عاجزا ـ برغم كل فطنته العسكرية ـ عن حماية شعبه، بل عن حماية قوات أمنه نفسها. فقد قتل قرابة ألف ضابط وجندي في أثناء محاربة المتطرفين والمتمردين على مدار السنوات الأربع الماضية. وبرغم وضعه التأليهي ـ إذ يظهر وجهه على أغلفة الحلوى والقمصان واللافتات ـ لم يحلّ السيسي غير قليل من المشكلات التي تسببت في بداية الفصل المصري من كتاب انتفاضات الربيع العربي في عام 2011.
في العام الماضي، حذَّر عادل عبدالغفار في تقرير صادر عن معهد بروكنجز من أن السيسي جاء إلى السلطة بـ"صفقة استبدادية كلاسيكية" إذ "وعد بالأمن والاستقرار والرخاء الاقتصادي في مقابل سيطرة سياسية شبه كاملة. والآن تشارف هذه الصفقة على الانهيار، بسبب فشله على الجبهات الثلاث". إذ تبلغ البطالة بين الشباب المصريين ـ وهم الذين ما يزالون مشاة للجهاديين ـ تتجاوز الثلاثين في المئة، بما يمثل "قنبلة موقوتة" على حد قول عبدالغفار.
وعلى الصعيد السياسي ما يزال نظام السيسي يزداد أوتقراطية. فعلى الرغم من أن الرئيس ترامب حليف قوي [للسيسي]، انتقد تقرير وزارة الخارجية لحقوق الإنسان الحكومة المصرية بسبب "إفراط قوات الأمن في استعمال القوة في غياب للإجراءات اللازمة وقمع الحريات المدنية. وقد تضمن استعمال القوة المفرطة أعمال قتل وتعذيب خارجة على القانون".
لقد منعت القاهرة فعليا المظاهرات المناهضة للحكومة، وعذَّبت المعتقلين، وقمعت حرية التعبير، ومارست التمييز ضد الأقلية المسيحية، وفقا لما ورد في تقرير هيومان رايتس ووتش للعام الحالي. وذكرت المنظمة أن "المقاضاة ومنع السفر وتجميد الأصول للمدافعين عن حقوق الإنسان، فضلا عن تشريع قمعي جديد، تهدد جميعا بالقضاء عمليا على المجتمع المدني المستقل. وتنكر الحكومة على العمال حق تنظيم نقابات مستقلة وتقاضي من يشاركون في الإضرابات".
ولقد تجلَّت التوترات الداخلية على أوضح نحو في سيناء، حيث تشعر القبائل منذ عهد بعيد بالتهميش على الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية من قبل حكومة القاهرة المركزية وثقافتها النيلية. بل إنه يتردَّد أن لدى البعض في سيناء حنينا إلى الاحتلال الإسرائيلي بين حرب 1967 وعودة سيناء إلى مصر سنة 1982 في سياق عملية السلام في كامب ديفيد.
ولقد تحولت الآن حملة رامية إلى المزيد من الحكم الذاتي القبلي فصارت تمردا. حيث سجل معهد التحرير في الربع الأول من 2017 أكثر من مئة وثلاثين هجمة في شمال سيناء. وكثير من المناطق الآن أصبح مناطق عسكرية مغلقة يعيش أهلها في ظل حظر تجول.
وتتردد في استراتيجية السيسي أصداء من نهج الغرب مع المتطرفين: السجن والرصاص وقتل الأنصار والأمل في انطماس أيديولوجيتهم أو تشوهها في ثنايا ذلك. وقد عمد السيسي ـ شأن كثير من الزعامات العسكرية السابقة عليه في الرئاسة ـ إلى تحويل كثير من الدعم الخارجي الذي يتلقاه (وجزء كبير منه معونة أمريكية) إلى جهازه الأمني. كما اشترت مصر غواصات وطائرات مقاتلة لا نفع يذكر لها مع العصابات المتطرفين. فعلاج الإرهاب نادرا ما يقتصر على القوة الغاشمة brute force وحدها.
لقد أعلنت مصر في 2014 حالة الطوارئ في سيناء (وتوسعت لتشمل مصر كلها في ابريل الماضي). وفي حملة انتقدتها جماعات حقوق الإنسان المحلية والدولية، أخليت مناطق حدودية، إذ أزيلت منازل وقرى بأكملها وفي بعض الأحيان. كما أزيلت أنفاق التهريب التجاري التي تشتهر بها سيناء.
وذكرت جماعة هيومان رايتس ووتش أن "الجيش يرتكب في شمال سيناء انتهاكات جسيمة ـ يحتمل أن يكون بينها قتل غير قانوني ـ في سياق حملته على الجماعة التابعة لجماعة الدولة الإسلامية المتطرفة التي يستهدف مقاتلوها من يشتبه في تواطؤهم فضلا عن المسيحيين". ويزعم الجيش المصري أنه قتل نحو ثلاثة آلاف جهادي في سيناء.
غير أن النتيجة لا تعدو تصاعد العنف. إذ ازداد الجهاديون في سيناء جرأة وعدوانا في إرهابهم لأهالي سيناء. وليس الهجوم على المسجد الصوفي إلا مثالا. كما استهدفوا قوات الأمن في المقام الأكبر على مدار السنوات الخمس الماضية. والآن يستهدف الجهاديون الصوفيةَ الذين يعتبرهم المتعصبون السنة مهرطقين.
لقد تصاعد ما بدأ كتمرد محلي يستهدف الحكم الذاتي فبات تحديا للدولة المصرية وقائدها، مع تداعيات على جيرانها في إسرائيل والسلطة الفلسطينية شرقا، وليبيا بما فيها من فوضى غربا، وأوربا شمالا. ويزعم تقرير لمركز وودرو ويلسن عن ولاية سيناء الداعشية أن "مقاتلين أجانب ـ أكثرهم من ليبيا والمغرب وأوربا ـ قد هاجروا إلى سيناء، وهم يمثلون ما يصل إلى ثمانين في المئة من القوة المقاتلة في ولاية سيناء حتى منتصف 2017".
وقد كتب تشارلز ليستر ـ خبير الشؤون الجهادية في معهد الشرق الأوسط ـ يوم الاثنين الماضي أن قوة مصر الشديدة ربما تكون قد منعت داعش من السيطرة على الأرض "لكن استراتيجية الأرض المحروقة تسببت أيضا في تشريد الكثير من المدنيين ومزيد من التدهور في الأوضاع المعيشية في سيناء". ومضى ليستر فكتب أن "داعش قد لا تكون موجودة بسبب هذه التكتيكات العسكرية الضالة، ولكن من المؤكد أيضا أن وجودها لن ينتهي بسبب هذه التكتيكات".

إن وضع مصر الآن شبيه بتجربة الولايات المتحدة في العراق وأفغانستان. فللقوات المصرية قواعد عسكرية،  وتدير نقاط تفتيش، وتحرك دوريات في قوافل مسلحة، لكنها لا تستطيع السيطرة على كثير من المناطق الريفية. وقد يكون السيسي هو الأقوى بين حكام الدول العربية جميعا، لكن استراتيجية القوة التي يتبعها في سيناء غير فاعلة حتى الآن.