الخميس، 9 مارس، 2017

الرحيل عن حلب

الرحيل عن حلب
بولس توتونجي
 
حلب 1939






من بين جميع القصص العائلية عن الوقت الذي قضاه جدي فيليب توتونجي في شمال هوليود، ثمة قصة هي الأكثر إيلاما لي. في عام 1951، وبعد شهور من السعي المهذب والعنيد، نجح جدي في مقابلة الممثل داني توماس. ولد توماس باسم مزياد يعقوب كيروز سنة 1912، لأبوين من الكاثوليك المارون من بشري بلبنان. وجدي ولد باسم فيليب إلياس توتونجي سنة 1898 لأبوين من الكاثوليك الملكيين في حلب بسوريا. في ذلك الوقت كان الاثنان يحضران قداسا واحدا في كنيسة كاثوليكية بلوس آنجلس. لكن بينما كان توماس يقف أمام دوريس داي في فيلم الأخوين وورنر الموسيقي الذي أخرجه مايكل كيرتز بعنوان "سوف أراك في أحلامي"، كان جدي يمسح البلاط في استديوهات يونيفرسال.
ومع ذلك، كان جدي المهاجر الحديث ممتلئا بالطموح. كان شاعرا، كتب بضع مقطوعات غنائية بالإنجليزية وكان يحلم بتحويلها إلى أغنية. كانت ـ كما سيقول لاحقا، بل وبعد عقود ـ قصيدة "تساوي مليون دولار" ولا تشبه "أي شيء سمع به من قبل". في اليوم الذي التقى فيه بتوماس، ذهب إلى مكتب البريد وأنفق ثمانية وعشرين سنتا لإرسال القصيدة إلى نفسه بالبريد المسجل، وذلك أقصى ما في يد رجل فقير لإثبات حقوق الملكية الفكرية. كتب عنوانه على المظروف مرتين [مرسلا، ومرسلا إليه] ثم أضاف: "Poeme in English" [أي "قصيدة بالإنجليزية" معتمدا التهجئة الفرنسية لكلمة "قصيدة" Poem] و"لم يُستعمل عنوانها من قبل".
وفي ابتهاج وثقة، مضى إلى بيت توماس، فطُلب منه الدخول إلى غرفة المكتب. كان قد اصطحب ابنه ـ أي أبي ـ معه، فجلسا ينتظران في صبر. كان جدي قد توصل إلى لحن أيضا، وكان يرجو أن يعزفه توماس على البيانو ـ ولو بمصاحبة بسيطة ـ بينما يلقي عليه الكلمات. كان من شأن تلك أن تكون أول أعمال جدي ككاتب أغنيات في هوليود. كان لديه يقين أن أشعاره كفيلة بأن تحقق له الشهرة، وبأن ترجع إليه أكبر، وأجمل، عبر أثير الإذاعة أو الأسطوانات أو الأفلام.
انتظرا لساعة. فاثنتين، فثلاثا. وأخيرا دخلت خادمة. قالت إن السيد توماس لن يتمكن من استقبالهما، ويعتذر. ولكن من المؤكد أن بالإمكان تحديد موعد آخر. أطرق جدي موقنا أن هذا الموعد الآخر لن يتحدد مطلقا. وخرج هو وأبي من باب جانبي ورجعا إلى البيت. كان يعمل بالليل، فكان عليه أن يبدل ببذلته عفريتة الشغل.
يرجع تاريخ عائلتي المسجل إلى عام 1720 عندما ولد أخوان هما فكتور وجورج توتونجي. توتون بالتركية تعني التبغ الذي كان يزرعه التوتونجيون في مزارع مبعثرة في الريف المتاخم لساحل تركيا المتوسطي. على مدار القرنين التاليين أصبح أسلافي ينتمون إلى طبقة التجار، واتسع من خلال التجارة عالمهم واتصالاتهم إلى أوربا والمؤسسات الأوربية بصفة خاصة. ويمكنكم أن تروا ذلك في شجرة العائلة ابتداء من عام 1904. وهي مكتوبة بالكامل باللغة العربية، وفيها أسماء لها وقع (بشير وعبدالله وفؤاد وسليم وحفيفة Hafifa) وأسماء لها وقع آخر كـ(بسيل، وإدوارد ومايكل وسوزان وصوفيا). على مدار السنين عاشت أجيال كثيرة من آل توتونجي في المنطقة، على مقربة من البحر. وكانوا يتكلمون بأي مزيج من نصف دزينة من اللغات، ومنهم من كانوا مسيحيين ومنهم من كانوا مسلمين.

وفي تلك الثقافة المعقدة الثرية ولد جدي في حلب في نهاية القرن، ولأن أباه وأعمامه كانوا يبيعون التبغ في المنطقة كلها ويعتمدون على التجارة الداخلية في كسب لقمة عيشهم فقد كانوا كثيرا ما يسافرون عبر سكك حديد بغداد متنقلين عبر المدن الرئيسية في ولاية حلب التابعة للإمبراطورية العثمانية. كان عالما كوزموبوليتانيا. وكان بيت العائلة يقع في حي صناعة الصابون بالمدينة، فلم ينس أبي قط رائحة موسم الصابون الحلبي، أي ذلك الوقت في نوفمبر من كل عام حينما كانت البيوت المصنِّعة للصابون تطعِّم مراجلها بالخشب لتطهو عليه مزيجا من لون القش. كان الهواء يمتلئ بعبق الفحم وزيت الغار، فيعلق ذلك العبق العكر الحاد في الثياب وملاءات الأسرَّة ونسيج السجاجيد.
وتغيّر كل هذا في آخر أيام الحرب العالمية الأولى. إذ جرت إحدى آخر معارك الحرب داخل أسوار المدينة، وكانت عبارة عن شجار واشتباكات دموية بين قوات الحملة المصرية ومجموعة جيش الصاعقة العثماني الهارب. وقع أغلب الشجار في ظلمة ليلة الخامس والعشرين من أكتوبر سنة 1918، وهي الليلة التي لقي فيها مئات من سكان حلب مصرعهم. وعلى مدار السنين التالية لم تزدد الأوضاع السياسية إلا كآبة. انهارت الإمبراطورية العثمانية، واندلعت الحرب الأهلية، وخاض الجنرال مصطفى كمال أتاتورك زعيم الحركة الوطنية التركية حرب استقلال طويلة ضد القوات الأمريكية والفرنسية في ريف الولاية. أحرقت القوات التركية وقتلت وأغرقت آلاف المسيحيين الأرمن. وتعرض الملكيون والمارون بالذات للخطر إذا كان يعتقد ـ ظلما ـ أنهم يرفضون قيم الدولة التركية حديثة التأسس.
في وقت الحرب، ركدت أغلب المشاريع القائمة على التبادل التجاري. وكافحت عائلتي من أجل النجاة، وتقسمت، إذ اختار بعض أفرادها البقاء، وكان جدي من الكثيرين الذين هربوا. سافر بحرا إلى القاهرة، وكان يتصوّر أن الوقت الذي سيقضيه في القاهرة سوف يكون استراحة عابرة  سرعان ما يرجع بعدها إلى الوطن ليعمل في ما أراد العمل فيه دائما وهو تدريس اللغات وكتابة الشعر بالفرنسية وزراعة النباتات، وذلك ما كان يبدو له إضافة حقيقية إلى الحياة كما تستحق أن تعاش.
كان شابا، فمضى في مدينته الجديدة يكتب قصائد عن المنفى، وقصائد لمدينته الجديدة وبلده الجديد، وقصائد لسانت تيريزا، ومريم العذراء. وفي النهاية كتب قصائد إلى جدتي لوريس التي التقى بها في حي مصر الجديدة بشرق القاهرة حيث كان يقيم. ثم كتب قصائد لكلٍّ من أبنائه السبعة وهم يولدون واحدا إثر واحد في غضون إحدى عشرة سنة. عمل مدرسا ومترجما للغة الفرنسية وكان يعطي دروسا في الفرنسية داخل شقته غير البعيدة عن فندق هليوبوليس أوتيل. كتب مقالات لصحف قاهرية، ومثَّل بصورة شبه احترافية في مسرحيات. لكن الشعر بقي ولعه الكبير، والفن الذي ظل يرجع إليه المرة تلو الأخرى.
كان معجبا بألفونس دي لامارتين وآخرين من الشعراء الفرنسيين في مطلع القرن التاسع عشر، فكتب [بالفرنسية] شعرا موزونا مقفى بدقة.
منذا الذي يراك ولا يقع في غرامك
أنت يا أجمل الكروم
أنت يا جنة موصدة فوّاحة
يزيّنها باسمه الرب؟
بدأت قصائده تنشر في جرائد مصر الأدبية مثل مجلة Le Rayon d’Égypte التابعة للرهبان الدومينيك الفرنسيسكان بالقاهرة. وفي عام 1929 فاز بجائزة أدبية فرنسية إقليمية من أكاديمية دي جو فلوريمنتان، وحصل منها على شهادة تقدير عرَّفته بـ"الشاعر المصري الفرنسي/الفرنكفوني"، كما سمحت الأكاديمية لنفسها أيضا أن تغيِّر اسمه العربي، مبدلة تهجئته من توتونجي إلى توتونغي.
على بعد ستمائة ميل من حلب، استمر يقرأ صحف المنطقة، بصفة يومية، في كافيه كازابلانكا، وهو مطعم صغير في الجهة المقابلة لبيت الأسرة الجديد. كانت أخبار الولاية تأتي مربكة ومدوية، فيشعر جدي أنه أكثر أمنا في القاهرة، لا سيما مع تنامي أسرته. ثم حدث في الثالث عشر من سبتمبر سنة 1940 أن عبر فيلق القمصان السود من الجيش الإيطالي حد الجبهة الليبية عند حصن كابوزو Fort Capuzzo، وأدخل الحرب العالمية إلى مصر.
في الصحراء، خارج المدينة، كان الفرنسيون والإنجليز يحاربون الألمان والإيطاليين. وأطل وجه العنف. واعتقلت الشرطة إيطاليين كان من بينهم أصدقاء لجدي. وهكذا حينما حصلت عمتي الكبرى أجنيس على وظيفة كاتبة اختزال في شركة ستاندرد للنفط، وبسرعة مدوخة التقت بشاب يعمل جيولوجيا في ستاندرد للنفط، تزوجته وانتقلت معه إلى لوس آنجلس، قرَّر جدي أن يلحق بها ومعه من بقي من العائلة. ومرة أخرى هرب. بسرعة باع آل توتونجي ممتلكاتهم وأغراضهم ليدفعوا ثمن تذاكر السفينة عابرة المحيط. وفي 26 مايو 1946 رحلوا من الإسكندرية بمصر في سفينة إس إس فولكانيا المتجهة إلى مدينة نيويورك. وفي قسيمة الهجرة والتطبيع 1-415 الخاصة بالسفينة ـ وهي قسيمة لم تزل مستعملة إلى اليوم ـ سجَّلت عائلتي نفسها عرقيا بوصفها سورية, وفي الخانة التالية المخصصة لبلد المواطنة ترد كلمة أخرى: "عديم الدولة". وعند وصولهم إلى منهاتن، حزم آل توتونجي حقائبهم وأنفقوا آخر نقودهم على تذاكر الحافلة المتجهة إلى كاليفورنيا. وبدأ عديمو الدولة حياة جديدة في بلد جديدة، كانت في أغلب مناحيها منفتحة على أولئك اللاجئين المتفائلين مرحبة بهم.
ما الذي يحدث حينما يتلاشى العالم الذي أنشأك؟ في مواجهة الحرب، يهرب البعض، ويبقى البعض. وبالطبع تتحول الثقافة، لكن كل تحول يكون فرديا، فلا سبيل إلى تعميم المعاناة.
بمجرد الوصول إلى كاليفورنيا، نشر جدي إعلانا في الصحف، راجيا العثور على عمل كمدرس لغات: "مدرس لاتيني وفرنساوي، دبلوم نوتردام دي أونج، ثونون، فرنسا. 23 عاما من التدريس في مدارس الحكومة المصرية. دولاران في الساعة. لم تنهل الطلبات عليه. وكان عليه أن يدعم أسرته بطريقة أو بأخرى. فعمل في نوبة ليلية بمخبز، وكان يحمِّل الشاحنات في وسط مدينة لوس آنجلس، وينظف الأرضيات في سوق السمك بشاطئ روندو، إلى أن تمكن أخيرا من الوقوع على وظيفة حارس في استوديوهات يونيفرسال.
كان عمل الحارس صعبا، ومنخفض الأجر، وقذرا، ومختلفا كثيرا عن التدريس، وبالقطع مختلفا عن الكتابة، وهما المهنتان اللتان كانتا تتحديان عقل جدي، وتعبران عن الهوية التي كدح بشدة من أجل تكوينها على مدار العقود. كانت له إزاء الجمال عينا شاعر، انقطعت السبل بينه وبين النشر، وبات محاطا بثقافة جديدة، فأي أمل ترى كان قد تبقى له؟ لقد أمكن جدي أن يتحقق في مصر ككاتب، والقاهرة في ذلك الوقت كانت مدينة كولونيالية لها اتصال محترم باللغة الفرنسية، أما أمريكا فكانت شديدة الاختلاف. فبات في أمريكا كاتبا لن يطلع العالم على أعماله ـ في حياته.
لقد كتب إدوارد سعيد يقول إن "المنفى هو الصدع الذي لا التئام له، بين إنسان ومكانه الأصلي، بين ذات ووطنها. وفي عام 1998 موَّل أخي جمع ونشر قصائد جدي في مطبعة محلية صغيرة، فكان حدثا بارزا في أسرتي، إذ كتب جدنا المئوي إهداءات لكلٍّ من أحفاده التسعة والعشرين. فكتب لي أنا في نسختي بيده المرتعشة "عسى أن تعيش حياة ملؤها الفرح والسعادة".
ولكن القصائد ـ سيئة للغاية. وقصيدة "Retour au Pays Natal " أو "العودة إلى أرض الوطن" محزنة بصفة خاصة، فقد كتبها بعد رحلة إلى حلب لم تستغرق غير أسبوع واحد سنة 1985، كان زيارته الأولى للمدينة التي ولد فيها بعد ستين عاما، وخلالها قرر جدي أن يذهب إلى قبر أمه.
أجلس على الحجر
مرهقا، منهك القلب.
ماذا يعنيني من أرض
لا صدى فيها لصوت بلدي؟

وماذا يعنيني من الحياة؟
أريد أن أرى مكانك يا أمي
أريد أن أرى الصليب المكسو بالزهور
والقبر الذي ترقدين فيه وسط الرخام الصامت.

لكن القبر الغيور
لا يقول لي شيئا
والعشب المتورم
يبتلع إلى الأبد آخر رباط بيننا.

ينهض الليل ساكنا
والأرض تنام.
ونجمة بعيدة
تهدر نورها على نوم الموتى.

نجمة بعيدة/تهدر نورها على نوم الموتى. أقرأ هذا الآن فلا أملك إلا التفكير فيمن يقيمون حيث ولد جدي، من يعيشون الآن هدنتهم الهشة، مواجهين مهمة إعادة بناء مدينتهم. في الوقت الذي كان سكان حلب يكافحون فيه الشتاء، لم يكن في المدينة ماء أو كهرباء. خرب المسجد الأموي، وهو من كنوز العالم الإسلامي العظيمة، وانهارت مئذنته ذات التسعمائة عام فإذا بها حطام. وما أشبه القسمين الشرقي والأوسط من المدينة بصفة خاصة ببيروت في أسوأ فترات حرب لبنان الأهلية، أو بالهوان الذي أعقب حصار سراييفو. وقد قال مسؤول في الأمم المتحدة أخيرا "إن الخراب يتجاوز الخيال، وإن الحرب غيَّرت كل شيء".
قبل خمس سنوات كانت منطقة جدي الدينية أي إبرشية الكاثوليك اليونان الملكيين في حلب ـ وتضم إدليب والرقة الخاضعتين لداعش في ذلك الوقت ـ تضم رعية قوامها قرابة ثمانية عشر ألف شخصا. والآن بعد سنين من الحرب الأهلية والتطهير العرقي، يكافح جان كليمنت جنبار أسقف حلب لكي يبدو متفائلا، فقال لي قبل وقت غير بعيد "ليست لدينا إحصائيات عن عدد الأحياء منا في المدينة. ربما نصف العدد الأصلي. ولكننا نبقى أوفياء للمدينة شأن آبائنا".
بعد يوم من ميعاد جدي مع داني توماس، وصل إلى بيته الظرف الحاوي "قصيدة بالإنجليزية" بالبريد المسجل. كان قد بعثه إلى نفسه الأمريكية الجديدة أي "فيلِب Philip توتونغي". فلكي يقدم نفسه كشاعر غنائي هوليودي، أَمْرَك اسمه الأول، فحعله فيلِب بدلا من فيليب Philippe. لا بد أنه أخفى الخطاب في الدرج الذي بقي فيه على مدار عقود. لم ينظر إليه، لكنه رفض أن يتخلص منه. وظل يحمله كلما انتقل من بيت إلى آخر في الخمسينيات فالستينيات فالسبعينيات فالثمانينيات فالتسعينيات. ولا يزال معي اليوم. ظل الظرف مغلقا طوال خمسة وستين عاما، لم يفتح قط. ولا تزال القصيدة بداخله، غير منشورة، ولا مرئية، ولا مغناة، ولا مقروءة.


بولس توتونغي كاتب أمريكي صدر كتابه الأول بعنوان "كلب راح Dog Gone" سنة 2016.

نشر الموضوع في ذي نيويوركر  بتاريخ 28 فبراير 2017 ونشرت الترجمة في جريدة عمان قبل أيام