الأربعاء، 8 يونيو، 2016

الطريق إلى داعش (2-2)

الطريق إلى داعش
(2-2)
توم بارليت


مقاتل من داعش في حوار مع فريق آتران

يساق    الأسير إلى الغرفة، والحرس عن يمينه ويساره، ويد حازمة على مؤخرة رأسه. يظهر في الفيديو مرتديا سترة جلدية على جلباب تقليدي، ووجهه مخفي في قناع، هو نفس القناع الذي يرتديه الجلادون الذين يذبحون ضحايا داعش في فيديوهات الجماعة الدعائية. سجادة الغرفة الوردية بالية تماما، وطلاء الجدران البارز مقشور في بعض المواضع. تضرب الريح باب الغرفة الذي لم يوصد رتاجه. يُجلس الحراس الأسير في مقعد وراء مكتب قديم.
في اليوم التالي لزيارتهم للجبهة، ساق الباحثون سيارتهم إلى سجن في مدينة كركوك الملتهبة لمقابلة مقاتل أسير من داعش. يقول سكوت آتران لاحقا إنهم يعرفون عنه أشياء قليلة. يعرفون أنه في السابعة والأربعين من العمر. يعرفون أنه من هويجة Hawija، وهي مدينة في وسط العراق تقع على مسافة نحو نصف ساعة من مقر سجنه الحالي. يعرفون أنه يقاتل منذ عام 2009، أي من قبل أن توجد الدولة الإسلامية، ومن قبل أن تطغى الجماعة على تنظيم القاعدة. ويعرفون أنه اعتقل قبل ثلاثة أشهر من لقائهم به.
فما الذي يعرفه هو عنهم؟ هو يرى أنهم أربعة أشخاص، ثلاثة منهم بيض البشرة. أيكونون صحفيين؟ أم يعملون لحساب وكالة المخابرات المركزية الأمريكية؟ وهل هذا استجواب؟ لم يبد على أية حال كمن صادف إعلانا على لوحة إعلانات فقرر أن يجرب. لم يملأ استمارة الموافقة على المشاركة في الاستبيان. ولا يقتصر الأمر على أن موافقته لم تكن قائمة على معرفة، بل إنها بلغة الدليل الأخلاقي للدراسات الاستبيانية، لم تكن موافقة من الأساس.
أغلق وزيري الباب ليمنعه من الاهتزاز المزعج بسبب الريح. يحاول تقليص أسباب التشتت، ليريح الأسير، أو يوفّر له أكبر قدر ممكن من الراحة في ضوء الظروف. مع إغلاق رتاج الباب، يعترض ريتشارد ديفيز، مسؤول مكافحة الإرهاب في البيت الأبيض الذي عرف سكوت آتران أثناء ولاية جورج دبليو بوش، ويعترض بشدة. يذكّر الجميع أن الحرس موجودون خارج الغرفة، وأنه ليس من الحكمة أن يحبس أحد نفسه في غرفة واحدة مع عضو منظمة دموية وهو غير موثق، فيفتح وزيري رتاج الباب.
لا يعرفون اسم الأسير، لذلك يخاطبه وزيري بـ محمد. يوضح له وزيري أن المعلومات التي يريدون معرفتها منه ليست معلومات متعلقة بالتكتيكات العسكرية. فهم لا يريدون منه ما يعرفه عن الهجمة التالية التي تخطط داعش لتنفيذها في أوربا أو الموقع الذي يختبئ فيه أبو بكر البغدادي. يقولون له إنهم باحثون يدرسون القتال البشري، وما يسعون إليه إنساني لا قتالي: يريدون أن يفهموا الحرب من وجهة نظر من يخوضونها. يقول له وزيري "نحن نريد أن نرى ما يجري في أذهانكم وفي قلوبكم".
يفهم محمد. يعرفون أنه ـ وإن لم يتجاوز في دراسته الصف السادس ـ ذكي وواثق في نفسه. كان الفريق قد قابل أسرى من داعش العام الماضي ووجدوهم أشد مراوغة. لم يكن بهم شبه مطلقا من أولئك المرعبين المقنَّعين بالسواد الذين يظهرون في يوتيوب. محمد، في المقابل، يشعّ بالثقة. يضطجع في مقعده. يضع ساقا على ساق. يمد يده تحت سترته ليحك إبطه. وحينما يضعون البطاقات أمامه على المكتب يشير إلى خياراته بسبابته. هذا، ذاك. ولو أنه يرهب الموقف بأي شكل، فهو لم يظهر هذا على الإطلاق.
يجلس وزيري عن يمين محمد. وتجلس ويلسن عن يساره. وسكوت آتران وديفيز يرقبان من على بعد بضع خطوات، ويصوّران اللقاء من خلال كاميرا آيفون، مركزين على محمد، بينما وزيري وويلسن خارج الكادر (وسوف يستعملان هذا الفيديو لاحقا في دراسة نبرة صوته ولغته الجسدية). عندما يطلبون من محمد أن يرتّب قيمه، يضع الدولة الإسلامية في المقام الأول، ثم أسرته، ثم بقية العالم الإسلامي. وعندما يطالبونه بترتيب القوة المادية والروحانية للاعبين في المنطقة، يضع داعش في المرتبة الأولى، وبعدها الولايات المتحدة، ثم روسيا، فالأكراد. لقد قابل جنودا أمريكيين في ميادين القتال، وكان ذلك قديما حينما كان يقاتل ضمن قوات "القاعدة في العراق" وذلك هو الكيان الأسبق لداعش، وكانت قدرتهم على الاستمرار في القتال لما بين خمس ساعات وعشرة تثير إعجابه. ولكنه لا يكن احتراما يذكر للجيش العراقي. ويرفض أن يعطي إيران ترتيبا. يقول "أنا لا أبالي بإيران" مشيرا باستخفاف إلى العلم الإيراني. احتقاره للمسلمين الشيعة مطلق.
أما الأسئلة الحساسة، فهي الأسئلة التي لا تسأل محمدا عن رأيه، بل التي تسأله عما يعتقد أنه رأي رفاقه. يرى الباحثون أن أسرى داعش يصفون رفاقهم المقاتلين بأنهم أكثر منهم راديكالية وأكثر عنفا، ربما رغبة من الأسير في أن يهوّن من أمر حدة معتقداته هو شخصيا. فما الفائدة التي يجنيها من إقناع الباحثين (الذين يعرف أنهم يعملون عن قرب مع آسريه) بأن آراءه الشخصية متطرفة؟ ولذلك يعتقد سكوت آتران أنهم يكونون أقرب إلى الحقيقة حينما تزداد الأسئلة شخصية.
هل الإسلام معرض لتهديد؟
نعم.
هل هذا البلد محتل؟
نعم.
ومن المحتل؟
الشيعة، بدعم من الأمريكيين.
هل يمكن أن يقتل رفاقه المدنيين؟
نعم.
هل يمكن أن يمارسوا التعذيب؟
نعم.
هل يمكن أن يقوموا بهجمات انتحارية؟
نعم.
هل يمكن أن يضحوا ببعض أقاربهم؟
نعم.
هل يمكن أن يقتلوا أفرادا من أسرهم لو أنهم يعارضون الخلافة؟
لم ير أحد يفعل مثل ذلك. ثم صمت طويل. يتذكر أنه سمع عن رفيق مقاتل داعشي من سوريا قتل أمه نفسها.
يقول محمد إنه ضجر من هذه الأسئلة. وهي أسئلة كثيرة للغاية.
يسأل سكوت آتران: "ما الذي يمكن أن يقوله للشعب الأمريكي أو الشعب الفرنسي؟ ما الذي يمكن أن يقوله أصدقاؤه للأمريكيين أو الفرنسيين لإيقاف العنف من الجانبين؟"
يحتار محمد في السؤال.
يعيد آتران الصياغة: "هناك قتال، والناس تتعرض للقتل. والأطفال يبكون. وآباؤهم وأمهاتهم يموتون. والجنود الأمريكيون أيضا يتعرضون للقتل. وأبناؤهم يبكون. ما الذي يمكن أن تفعله لإيقاف بكاء الأطفال؟".
ردّ محمد، ارجعوا إلى بلدكم.
خلال اللقاء، وبينما الجميع جالسون، يتحرك وزيري في الغرفة، واضعا البطاقات أمام محمد، لافتا انتباهه، مبقيا إياه منخرطا في اللقاء. يقول وزيري بالإنجليزية لكي لا يفهمه محمد "أنا أحب هذا الرجل. أريد أن أصطحبه معي إلى البيت". يمزحون قليلا حول ذلك. فعلا؟ تريد أن ترجع إلى البيت مصطحبا معك مقاتلا من داعش؟ ما يقصده وزيري هو أنه يريد أن يتكلم معه لساعات، فيرى من هو، وما الذي يريده، وكيف كانت أفكاره قبل تعرضه للأسر وكيف هي الآن. تشعر ويلسن بمثل ذلك، تقول "ليتني أستطيع رؤية وجهه، والنظر في عينيه وسؤاله: لماذا؟ لماذا".

اللقاءات   المباشرة مع الإرهابيين أضفت ثقلا على تحليلات سكوت آتران. يمكن اعتبارها علامته التجارية الخاصة جدا. هو العالم الذي يجلس مع الراديكاليين، ويسبر أعمق أفكارهم، ويرجع إلى العالم المتمدن لينشر فيه معارفه التي جناها بصعوبة. وذلك هو السبب الذي يجعل الأسماء الضخمة في أجهزة الأمن الوطنية تقصده، وتسعى إليه. البيت الأبيض على اتصال به. أدلى بشهادات أمام الكونجرس ومجلس الأمن الوطني في الولايات المتحدة. وأثناء تواجده في العراق تكلم مع ليون بانيتا مدير وكالة المخابرات المركيزة (CIA) السابق، وتوني بلير رئيس وزراء بريطانيا السابق عبر فيديو كونفرنس. وخلافا للأكاديميين الذين يحبون أن يبقى صنّاع السياسة بعيدا عنهم، يسعى آتران إلى أصحاب السلطة. ويقشعرّ جسمه كلما سمع مرشحا رئاسيا يصف داعش بالمجانين أو مغسولي الأدمغة. فتلك اللوافت تعتم الرؤية بدلا من أن تصفّيها. هو راغب في المعاونة على إلحاق الهزيمة بداعش، ويظن أن ما يتعلمه قد يؤدي خدمات. وبالتبعية يفضل أن تظهر نتائج أبحاثه في نيويورك تايمز بدلا من أن تظهر مثلا في "جريدة العلوم الاجتماعية".
العمل الذي يقوم به، وطريقته في القيام به، غير مقيدة بقوة بالأعراف الأكاديمية، وهذا مقصود. الجهة التي تقوم بتنظيم وتمويل رحلاته إلى العراق هي آتيس إنترناشيونال، وهي جماعة أسسها هو وديفيز ومهمتها الأساسية هي "تحسين الوضع البشري من خلال تقليل الصراع في العالم". تتلقى آرتيس بعض تمويلها من مبادرة مينيرفا، وهي برنامج تابع لوزارة الدفاع الأمريكية يدعم العلوم الاجتماعية المرتبطة بالأمن الوطني. غير أن برنامج مينيرفا لا يدفع تمويلا لتجارب في أماكن مثل العراق، لذلك يضطر الباحثون إلى جمع التمويل من مصادر خاصة، أو يقتطعون من أجورهم هم، وهو وضع يحبط سكوت آتران ويحيره. يقول "إنهم ينفقون الملايين، ويهدرون أغلبها، على مقامرات، ولكنهم لا ينفقون شيئا على البحث العلمي الفعلي الذي يجري على الأرض".
ولا يأتي النجاح إلا مصحوبا بالنقد، ولذلك نال سكوت آتران نصيبه المستحق من النقد. فقد وجه سام هاريس أشد سهام الهجوم شخصية بعدما استمع إلى آتران في محاضرة. اعتبر هاريس، المتخصص في علم الأعصاب، والشهير بمناصرته الإلحاد، أن سكوت أتران "مدَّعٍ ومضلّل" وكتب أن آراءه دليل إما على "مرض عقلي أو حالة متدهورة من الكذب الثقافي". آتران ـ في رأي هاريس ـ يعتقد أن المتطرفين الإسلاميين الذين يفجّرون أنفسهم إنما يفعلون ذلك "لا بسبب إيمانهم العميق بالجهاد والشهادة بل بسبب تجربتهم مع الروابط الذكورية في فرق كرة القدم وفي محلات الحلاقة".
ومثل ذلك الموقف الرافض يتبناه جيري كُوين، أستاذ البيولوجيا في جامعة شيكاغو، والشهير في هذه الأيام بسخريته الزاعقة من الدين. ففي تدوينة على مدونته الشخصية بعنوان "مرة أخرى يبرئ سكوت آتران الدين من أن يكون سببا للإرهاب" يستشهد بالأقوال التالية من آتران: "إن ما يلهم أشد لاعبي العالم تمسكا بالدموية اليوم ليس القرآن أو التعاليم الدينية. بل هي قضية مثيرة للخيال واعدة بالمجد والتقدير". ثم يوجه كوين خطابه مباشرة، كاتبا كلماته بحروف كبيرة ليتأكد من وصول الرسالة: "ما الذي يمكن أن يقعنك بأن تنسب أيًّا من أفعالهم إلى الإسلام؟"
آتران ـ في نظر جيري كُوين ـ مدافع عن قضية فاسدة. وفي نظر هاريس، إما كاذب أو مجنون.
آتران (يمينا) يتسعرض خريطة مع قائد كردي
والحقيقة أن آتران يكتب بالفعل عن كرة القدم في كتابه "الحديث مع العدو" [Talking to the Enemy]، الصادر في عام 2010، قبل صعود داعش. حيث يتكلم في هذه الكتاب عن كشف تراءى له وهو يتحدث مع جهاديٍّ من أفغانستان. سأل آتران الرجل كيف بقي على تواصل مع "خريجي أفغانستان" في الوقت الذي لم يعد فيه قتال أو تدريب. فقال الرجل، من خلال كرة القدم. كانوا يلعبون كرة القدم معا. "كانوا يلعبونها لعب الأصدقاء، ورفاق القتال، وزملاء الدراسة، وزملاء العمل، وزملاء لعب الكرة، وزملاء ممارسة كمال الأجسام ... فهم شركاء لعب وقضية" بحسب ما كتب سكوت آتران. "ربما هم يموتون من أجل أحلام الجهاد ـ والعدالة والمجد ـ والتفاني في جماعة أصدقاء شبه عائلية والاعتناء من أحدهم بالآخر، اعتناء’أقرباء الدم’، شأنهم شأن جنود المارينز". يعترف سكوت آتران أن تفسير داعش القاسي للنصوص المقدسة يلعب دورا، ولكن ما ينتهي إليه هو أن أسرى داعش غالبا ما يكونون على دراية بقليل من نفائس الإسلام، أي الدين الذي يقتلون باسمه ويموتون من أجله. أي أن هناك أمرا آخر يجري.
ولكن الانتقادات الموجهة لآتران من زملائه الباحثين في شؤون الإرهاب أقل صخبا وأكثر إثارة. وجوهر ذلك النقد هو أن أفكاره قد تكون مراوغة، وأن تفسيراته تتغير. هو يؤكد على مفهوم القيم المقدسة، وهو مصطلح  سائر منذ فترة ويرتبط أكثر ما يرتبط بفيليب تيتلوك أستاذ علم النفس بجامعة بنسلفانيا الذي يشار إلى أعماله على نطاق واسع. يذهب تيتلوك في بحث نشره سنة 2003 إلى أن القيم المقدسة قد تصبح "شديدة القوة في مفاصل تاريخية معينة بحيث أن اقتراح أي مهادنة فيها يكون بمثابة تعريض المرء نفسه لتشويه لا يمحى". أي أن القيم المقدسة هي المعتقدات التي لا يمكن أن تباع أو تشترى.
ومثلما يلاحظ هاريس وكوين ـ مصيبين في ما يلاحظانه ـ فإن سكوت آتران يؤكد فعلا على أهمية الأخوة. وبالنسبة لزملاء آتران، مثل هارفي وايتهاوس ـ أستاذ الأنثروبولوجيا في جامعة أوكسفورد الذي كتب عن أهمية الروابط الاجتماعية ودرس الثورة في ليبيا، تبقى المنطقة التي يقع  فيها آتران غير واضحة. يقول "إنني أعتقد أن ذلك يعتمد على اليوم الذي نسأل فيه سكوت. أستطيع أن أنقل عنه قوله إن الأمر كله يعتمد على القيم المقدسة، ثم قوله في موضع آخر إن الأمر كله يعتمد على الروابط العلائقية". عمل وايتهاوس عن قرب مع سوان، أستاذ جامعة تكساس، في أبحاثه حول ذوبان الهوية. ويدور شرح سوان المتأني للنظرية حول السؤال الذي يثيره في بحث له بعنوان "ما الذي يساوي موت جماعة؟". برغم أن آتران يمتدح ذوبان الهوية، إلا أن سوان من جانبه غير مقتنع بأن بحث آتران يتقاطع مع بحثه. يقول سوان "إنه ليس من الواضح لي أين توجد القيم المقدسة في النظام الأكبر للأشياء [لدى آتران]، لأنه لا يكلف نفسه مطلقا عناء القيام بذلك العمل. يبدو أن للمصطلح تعريفا مختلفا في أبحاثه".
الطريقة الخيّرة في النظر إلى هذا الأمر هي القول بأن آتران ينتزع أدوات جديدة لتنفيذ المهمة التي بين يديه، وأنه ليس مخلصا لنظام معين. أما إذا أعوزتك الأريحية، فلك أن تقول إنه يفتقر إلى التماسك التنظيري. وبالمقارنة مع أعمال بعض كبار باحثي شؤون الإرهاب، مثل روبرت بابي أستاذ العلوم السياسية بجامعة شيكاغو، يبدو عمل آتران أقل مباشرة. فبابي يصرّ على أن حافز الإرهاب الانتحاري هو الاحتلال الأجنبي. إذ يكون لدى الناس سبب لقتل أنفسهم حينما يشعرون أن الغرباء قد استولوا على أرضهم. ولقد بدا ـ في الخريف الماضي ـ أن صدى هذه الرؤية تحديدا يتردّد في خطبة أعرب فيها أوباما عن تخوفه من أن داعش قد تستعمل "وجودنا لتجنيد عناصر جديدة". فهل نظرية بابي ثاقبة أم تبسيطية؟ يرى سكوت آتران أنها تبسيطية وقال ذلك كتابة. في الوقت نفسه يعتمد بحثه على تنويعة من النظريات فلا يسهل تلخيصه.
ربما تكون هذه الفوضى نقيصة، وربما هي انعكاس صادق لواقع فيه وضع شديد التعقيد.
في بحث قادم، تنشره مجلة "الأنثروبولوجيا الآن Current Anthropology"، يصوغ سكوت آتران ما يطلق عليه "إطار اللاعب المتفاني" وفيه يمزج القيم المقدسة وذوبان الهوية في نظرية واحدة ويقدم نصائح لإلحاق الهزيمة بداعش: "يرى العلم أن خير مقاومة للقيم المقدسة تكون بقيم مقدسة أخرى تدفع إلى التفاني، أو بالفصل بين الشبكات الاجتماعية الذائبة التي تثبت هذه القيم". لكن هناك ما يبقى مسكوتا عنه: كيف تقدم بديلا ملهما بالقدر نفسه؟ من خلال أي منهج يمكن الفصل بين هذه الشبكات الاجتماعية؟ لا يدعي آتران أنه يعرف الإجابة، لكنه يعتقد بشدة أن المحاولات الراهنة لما يعرف بـ "الرسائل المضادة countermessaging" منذورة بالفشل، لأن هذه الرسائل "منفصلة عن الشبكات الاجتماعية التي تترسخ فيها الأفكار وتوهب الحياة".
ولئن نحن نحّينا المشاحنات البحثية جانبا، لا يبقى أمامنا إلا إعجاب مطلق تقريبا، يقترب من حد الإجلال، وينصب على قدرة سكوت آتران على جمع البيانات من وسط صراع عنيف. يشعر آتران بشبه بينه وبين مراسلي الحروب الصحفيين، ولكنه يشعر بقرب أيضا من أمثال صديقه القديم ناعوم تشومسكي الذي قدم في التطرف "أعمالا استثنائية". يقول سوان "إن أغلبنا يفتقر إلى شجاعة القيام بما قام به آتران". أما آندرو سايلك، أحد المراقبين المخضرمين للبحث العلمي في هذا المجال، ومدير دراسات الإرهاب في جامعة شرق لندن، فيعلي كثيرا من شأن نوعية المعلومات المستخلصة من مناهج عمل آتران المباشرة. يقول سايلك إن "قدرا رهيبا من بحوث الإرهاب قد تم عن طريق أشخاص لم يقابلوا إرهابيا قط. وفي حين أن هناك عملا جيدا يمكن القيام به من على البعد، إلا أن البصيرة والفهم اللذين يتهيآن من الحديث المباشر معهم [أي مع الإرهابيين] أكثر إثارة للإعجاب بما لا يقاس".
الفندق الذي يقيم فيه الباحثون في اربيل كان مؤسسة مهيبة في ماضي الزمان. أما الآن، فالكهرباء متذبذبة، والمياه الساخنة أسطورة. وجهاز الكشف عن المعادن لدى الباب الأمامي يصفر كلما عبر به أحد، فلا يثير إنذاره الحارس أو يبعد نظره عن هاتفه الذكي. وفي اربيل أماكن للسكن أكثر حداثة، لكنها قد تجتذب الأجانب، مثلما قد تجتذب الإرهابيين من بعدهم. في الربيع الماضي، انفجرت سيارة مفخخة أمام القنصلية الأمريكية في اربيل فأسفر انفجارها عن مصرع ثلاثة وإصابة أكثر من عشرة. الاختفاء وسط الناس أفضل.
بعد السفر إلى الجبهة، يجتمع آتران وفريقه في بهو الفندق المزخرف معتم الإضاءة لدراسة خرائط الأقمار الصناعية، والشجار على أسئلة الاستبيان، والمناقشة حول من ينبغي أن يتصلوا بهم، ومن ينبغي مهافتهم، وما ينبغي أن يقولوه. يتشاجر وزيري مع ديفيس ـ المسؤول السابق في البيت الأبيض ومؤلف كتاب حديث عن حماس ـ حول كم المطالبات التي يمكن تقديمها عند الاتصال بالحكومة الكردية. يريد ديفيس أن يطلبوا مسبقا مزيدا من الوقت مع أسرى داعش، ويقول لوزيري "قل لهم إن هذا لازم للعلم". ويرد وزيري دافعا بأن الحساسية الكردية تستوجب المزيد من التحفظ والاحترام ويقول "لا أحد يقتحم بيوت الناس ويقدم طلبا". وهكذا يقتضي إتمام المهمة مراعاة الاختلافات الثقافية وتحقيق التوازن بينها.
يحددون أيضا استراتيجية النقطة التالية التي ينبغي أن يذهبوا إليها. يمكن أن يذهبوا إلى مدينة سنجار التي تقع في شمال غرب العراق والتي تحررت حديثا من سيطرة داعش. يرجون من تلك الرحلة ـ بافتراض قدرتهم على الوصول إلى أطراف المنطقة التي تسيطر عليها داعش ـ أن يقابلوا بعض اليزيديين، وهم جماعة ناطقة بالكردية تعتبر داعش دينهم العتيق عبادة شيطانية، وترى اغتيالهم متاحا شرعا، وكذلك اغتصاب نسائهم واسترقاقهن، وذلك بالضبط ما فعله مقاتلو داعش بعد استيلائهم على المدينة سنة 2014. الأخبار والصور التي انهالت من المنطقة بعد إخراج داعش منها مريعة، ويقدر عدد القتلى من اليزيديين بخمسة آلاف. وبالسفر إلى سنجار في الوقت الراهن، أي بعيد الأعمال الوحشية التي اقترفت فيها، سوف يمكّن الفريق من جمع روايات من الناجين قد تلقي ضوءا إضافيا على ممارسات داعش نفسها حينما تتاح لها السيطرة على من تعتبر أنهم تافهون يمكن الاستغناء عنهم. ذلك أن من المهم لفهم داعش أيضا أن نعرف إلى أي مدى يمكن أن يذهبوا.
ما من شك في أن العمل ينطوي على إثارة حقيقية، وإحساس بأنهم ينتهزون الفرص من أجل إنجاز شيء مهم. ثمة صداقة واضحة بينهم، تبدو في بعض الأحيان هازلة، وفي البعض الآخر متقدة المشاعر. لعلها لا تختلف تمام الاختلاف عن الحالة التي يجد فيها المقاتلون دوافعهم والروابط المتينة بينهم. عندما يرجع آتران إلى نيويورك الأسبوع القادم، تكون أول رسالة إلكترونية يبعثها إلى بقية أعضاء الفريق اعترافا: "أفتقد كل شيء".
لو نحينا المغامرة جانبا، فإن ما يكتشفونه قد يكون مقبضا باعثا على الاكتئاب. "يبث في قلبي المزيد من الخوف" مثلما يقول وزيري "بوسعك أن ترى صورة أوضح لما يفكرون فيه. فتراها سوداء بحق". قد يبدو مقبضا على سبيل المثال ما يقوله العقيد الكردي عن داعش، إذ يتنبأ أنها بمجرد أن تمنى بالهزيمة سوف تظهر من جديد حاملة اسما جديدا. ويبدو مقبضا أيضا أن يقول مقاتل داعش إنه لا يجد غضاضة في قتل المدنيين والأقارب.
لا يتفق آتران مع قول ستيفن بيكر في كتابه "طبيعتنا في زواياها الأفضل" بأن الإنسانية تسلك مسارا واعدا وإن يكن مضطربا نحو مستويات أقل من العنف. يقول إن "الحضارة فعل متقطع. وقد تتعرض للسقوط. والبشر ليسوا كائنات متحابة متعاطفة بالضرورة. هم كذلك في بعض الأحيان، لا سيما مع أقاربهم، لكن البشر قد يكونون شديدي القسوة والبربرية والوحشية على أنفسهم".
لدى ويلسن ـ شأن سكوت آتران ـ وعي حاد بالمنطقة وبالعلم، ولكنها بعد مقابلة مقاتلين، وسبر أغوار عقولهم، وتبيّن دوافعهم، لم تعد طول الوقت متأكدة من أفكارها. تقول "بوسعك أن تخلص إلى الإحساس بأن الجميع يكرهون الجميع وأن البشر سلالة مقززة".
حلمت ويلسن بداعش بعد يوم من رحلة الجبهة. في حلمها كانت تحضر عزف فرقة رباعية للموسيقى الكلاسيكية في ميدان بإحدى البلدات ـ فهو مشهد لا يمكنك أن تطلب أكثر منه تحضرا ـ حينما تقدمت سيارة لا سائق لها. عرفت بطريقة ما أن في السيارة خطرا فبدأت تجري. وفي تلك اللحظة ظهر من السيارة سائقها الخفي مرتديا حزاما ناسفا. والأحلام لا تتبع دائما منطق الواقع الممل. ومثل ذلك ينطبق على الصراع البشري.
وقفت ويلسن أمام الشهيد المحتمل في اللحظة السابقة على تنفيذه المهمة.
فماذا حدث بعد ذلك؟
تقول "لا أعرف. في تلك اللحظة استيقظت".

عن ذي كرونيكل أوف هاير إيديوكيشن