الأربعاء، 8 يونيو 2016

الطريق إلى داعش (1 - 2)

الطريق إلى داعش

توم بارليت



قد    يطيب اليوم، وتبقى قيادة السيارة إلى خط المواجهة في الحرب ضد الدولة الإسلامية عملا ينطوي على شيء من المخاطرة. لكن اليوم لم يكن طيبا؛ كانت الرياح الشديدة تثير من الغبار ما يكفي ليعتم الشمس ويخفي الجبال القريبة، فهي غشاوة كثيفة توفِّر غطاء للقناصة والتفجيريين الانتحاريين. وفي حين يثبت أكراد البشمرجة ـ ومعناها الجنود "الذين يواجهون الموت" ـ براعة في إقصاء العدو، يبقى خارجا عن استطاعتهم أن يتجنبوا كل غارة محتملة على حدود يبلغ طولها قرابة ستمائة وخمسين ميلا، خاصة وأن المتسللين عازمون على الموت، بل طامحون إليه، أثناء محاولتهم التسلل.
يمر الطريق إلى الجبهة بقرى بيوتها مقامة من الخرسانة، ويمتد فوق مجالات خضراء ممتدة، قبل أن يفسح المجال لمساحة صخرية وهو يتلوى متجها إلى الجنوب الغربي منطلقا من اربيل عاصمة كردستان، البلد الذي ليس موجودا بالضبط. كما يمر بسلسلة من نقاط التفتيش العسكرية، حيث الجنود ـ الذين يزدادون ارتيابا، وتتدلّى من أكتفاهم رشاشات AK-47 العتيقة ـ ينظرون في المركبات ويستجوبون ركّابها ـ وليس ذلك بلا سبب وجيه ـ عن المكان المحدد الذي يظنون أنفسهم أنهم ذاهبون إليه.
لا بد من إجراء اتصالات، وتقديم وثائق. وحينما يشعر الجنود بالرضا، يتراجعون مشيرين للسيارة بالاستمرار.
تقول ليديا ويلسن من المقعد الخلفي "أنا قلقة فعلا. هذا أسوأ توقيت للذهاب". ويسلن مؤرخة متخصصة بحكم دراستها في العصور الوسطى، وليس من السهل أن تشعر بالجبن. فقد سبقت لها زيارة قواعد عسكرية، والجلوس على مائدة واحدة مع مقاتلي داعش. كل ما هنالك أنها لا تطلب المخاطرة المجانية. يمسح هوشانج وزيري ـ مترجم هذه المجموعة والسفير الثقافي ـ الأفق الغائم فلا يروق له ما يراه أمام عينيه هو الآخر. وليست القذيفة المتحركة أو الرصاصة الضالة هي التي تثير فيه كل هذا التوتر، بل احتمال التعرض للاختطاف. يقول إن "ذلك ما يروِّعني. فكرة الوقوع بين أيديهم".
كانوا قد قضوا الصباح في شرب قهوة مركزة وشاي أسود في فناجين صغيرة مع مسؤول كردي راجين أن يسمح لهم بمقابلة مقاتلين أسرى من داعش، فذلك هو الكأس المقدس للبحث الاستقصائي الذي يجرونه، وهو لأسباب بديهية أشق ما يمكن تنفيذه فيه. شرحوا للمسؤول، مثلما يشرحون للجميع، أنهم ليسوا صحفيين يتصيدون الأخبار أو مبعوثين حكوميين يروّجون لأجندة، بل هم علماء اجتماع مهتمون بأسئلة إنسانية صعبة تخص طبيعة الصراع البشري. وترجع صعوبة الإجابة على هذه الأسئلة جزئيا إلى فجوة قائمة بين الإرادة المعلنة والإرادة الفعلية، أي بين ما يعد الناس بالقيام به وبين ما إذا كانوا يختارون ـ عندما يحين الوقت ـ أن يحملوا السلاح أو يضعوا الواقي. ومحاورة المقاتلين المنخرطين في الصراع أو المنزوعين من ميدان المعركة فرصة مثالية لتقليص هذه الفجوة. فحينئذ يبقى سؤال وحيد: هو "لماذا؟"
ولكن كيف الوصول إلى أولئك المقاتلين؟ هذا هو المحك. فقد تتبخر أسابيع من التخطيط في لحظة، ويجد الباحثون أنفسهم مرغمين على الارتجال. وبعيدا عن المصاعب اللوجستية، هناك مسألة الأمن الشخصي. فحيثما يوجد مقاتلون، يوجد في الغالب قتال، وفي حين تبقى المنطقة الكردية ذات الحكم شبه الذاتي في شمال العراق مؤمنّة نسبيا بالمقارنة مع سوريا أو مع مساحات شاسعة في جنوبي العراق، إلا أن قربها من بحار الدم يبث قلقا يمكن تفهمه.
أقل أعضاء الفريق اهتياجا هو قائده سكوت آتران، عالم الأنثربولوجيا الذي يتحرك بين مؤسسات عديدة من بينها جامعة ميشيجن وكلية جون راي للعدالة الجنائية التابعة لجامعة نيويورك. وهو أيضا مؤسس مركز حل الصراعات المعقدة التابع لجامعة أوكسفورد. وهو بطبيعته الشخص الذي يدفع إلى مزيد من التوغل في الميدان، وزعزعة منطقة الفريق الآمنة، وربما عبور الحدود إلى سوريا. يبدو أثناء الإقامة في الفندق قلقا، غضوبا، أما عند الاتجاه إلى أراضي داعش فيبدو متزنا، مفعما بالحيوية، وباللامبالاة أيضا. غير أنه يطلق، بين الحين والآخر، من مقعده المجاور للسائق، تحذيراته فيقول مثلا "لا ينبغي أن نخرج عن الطريق، فهناك على الأرجح ألغام على الجانبين"، ولكنه يطلق هذه التحذيرات بنبرة من يلاحظ تجاوز السرعة القصوى المسموحة، أو من يلاحظ مقهى على الطريق.
سكوت آتران خبير معروف في شؤون الإرهاب، وذلك لقب لا يريده، ولا يجد فيه نفعا. فهو يرى أن عمله، بصفة عامة، يتمثل في امتحان دوافع الناس إلى القيام بما يتجاوز قدراتهم، سواء بالخير أو بالشر. وتركيزه في هذه الأيام منصب على الشر، لا سيما داعش. يتساءل "ما الذي يدفع الناس من مائة بلد إلى المجيء إلى هذه البقعة من العالم لتفجير أنفسهم؟ هناك شيء ما في الطبيعة البشرية ينجذب إلى هذا، وإلا لفشل. وهدفي هو تحديد ماهية هذا الشيء".

لك    كل العذر إذا وجدت نفسك ـ بعد اطلاعك على منتج سكوت البحثي في ما قبل 2001 ـ غير متأكد من السبب الذي يجعله الآن ينتهي إلى سيارة تسارع باتجاه أراضي داعش. فقد كان عمله آنذاك يركز على البيولوجيا الفولكلورية، في محاولة لاستكشاف أفكار البشر عن بيئتهم الطبيعية، وفي ما يكشفه عنا تقسيمنا للحياتين النباتية والحيوانية من حولنا. في مقالة نشرها سنة 1999، كتب أن نساء "إتزاج مايا" يعتبرن هديل الحمام ذي المناقير القصيرة "رثاء من أم الطيور التي اءتمنت على طفلها السنجاب المخادع". كانت لآتران مكانته المرموقة في ذلك المجال الدقيق، وفي ما عداه لم تكن له شهرة تذكر، فالسناجب لا تثير اهتمام المنتجين التليفزيونيين الذين عليه الآن أن يتقي دعواتهم المتهافتة عليه. كان أكاديميا في منتصف العمر، يعرف الكثير عن الطيور والثعابين في شمال جواتيمالا.
وكان يعرف أشياء أخرى كذلك. ففي عام 1990، كتب عن "بِنَى العنف المتناوبة" في الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، كما لو كان ذلك إيذانا بانشغالاته اللاحقة. وقضى كذلك سنين يبحث من أجل كتاب عن ما يسميه بـ "الأفق التطوري للدين" مصارعا السؤال عن كيفية تحوّل الناس عبر مختلف الثقافات إلى الإيمان بأن هناك قوة خيرة خفية تقود التاريخ. كيف لهذه المعتقدات أن تتكشف عن استراتيجية تطورية منتصرة؟ في ذلك الكتاب الصادر سنة 2002 بعنوان "في الآلهة نثق In Gods We Trust" يعالج سكوت آتران في إيجاز ظاهرة عقوبة الانتحار الإلهية فيكتب أن "التضحية بالذات نتيجةً لدوافع عاطفية، التضحية المقدمة لقوة فوق طبيعية، إنما هي تعمل على استقرار النظام الأخلاقي داخل الجماعة". فقتلك نفسك  وسيلة فعالة ـ مهما تكن تكلفتها ـ تظهر من خلالها لإخوتك في الوطن مدى قوة التزامك وتفانيك.
كان سكوت آتران في فرنسا في 11 سبتمبر 2001 ـ فهو أيضا مدير بحوث الأنثروبولوجيا في المركز الوطني للبحث العلمي في باريس ـ حينما اقتحم ابنه ذو الاثني عشر عاما ـ في ذلك الوقت ـ عليه الغرفة قائلا "ماما تقول لك تعال حالا". صدم سكوت آتران مثلما صدم الجميع بما رآه. ولكنه، خلافا للجميع، كان يجيد القراءة بالعربية، وقضى وقنا غير قليل في الشرق الأوسط، وألّف كتابا عن الدين والتطور. يقول "إني قلق أيضا بشأن الاحترار العالمي، لكنني لست ذا موهبة خاصة أو مقدرة للتأثير على شيء من ذلك. أما هنا فبوسعي أن أفعل شيئا".
لكن تركيزه لم يتحوّل بقدر من احتدّ. في عام 2003 نشر بحثا عن التفجيريين الانتحاريين ذهب فيه إلى أن نمط ـ الفقير القذر الملتاث ـ قد فشل في التطابق مع الصورة الحقيقية للمتعلمين الموسرين الذين فجروا أنفسهم في حافلات مزدحمة أو اقتحموا المباني بالطائرات. انضم ذلك البحث إلى وفرة من بحوث الإرهاب في ما بعد 11/9. فقد نشر من بحوث الإرهاب عقب الهجوم مباشرة أكثر مما نشر منها على مدار العقود الثلاثة السابقة.
غير أن بحث سكوت آتران برز وسط تلك الوفرة، فكان مرجعا حتى هذه اللحظة لأكثر من سبعمائة مرة، وهذا رقم مبهر. كتب يقول إنه على الباحثين أن يسعوا إلى إماطة اللثام عن "تركيبة العلاقات السيكولوجية والثقافية التي تغوي وتربط بين الآلاف، بل ربما الملايين، من الناس العاديين خالقة منهم شبكة تنظيم إرهابي استشهادي". في عالم البحث الأكاديمي المتأنق، نرى أن إثارة الأسئلة المثيرة ثم الابتعاد عنها وترك مهمة إجابتها الصعبة للآخرين، هي ممارسة تحظى باحترام تام، بل باستحسان. وبالمثل، لك أن تكتب أسفارا عن الصراع البشري ثم لا تغامر بالخروج بها من حرمك الجامعي المكدس بالكتب والأسفار.
سكوت آتران لم يتنكر للأسئلة، ولا هو أدلى برأيه من على البعد. بل قفز إلى المعمعة. فوجد نفسه في عام 2015 يدخن في مطعم بجزيرة سولاوسي الإندونيسية. كان هناك لمقابلة قائد من جماعة "لاسكار جهاد" الإسلامية العاملة في دعوة المسيحيين إلى الإسلام وفرض الشريعة بقوة السلاح. كان الآلاف قد تعرضوا بالفعل للقتل. وعبر الاستعانة بمترجم، ألقى سكوت آتران قائد الجماعة في خضم سلسلة من الفرضيات، ومن ذلك: إذا كان لقنبلة مزروعة في الطريق أن تؤدي إلى مثل ما قد يؤدي إليه تفجير انتحاري، فهل يختار القائد البديل الأقل إضرار بالذات؟
كما نظر سكوت آتران في أحد فرضياته الأثيرة، وهي سيناريو التحول عند الميلاد. فسأل، ما الذي يحدث لو أن طفلا مسيحيا أو يهوديا نشأ في أسرة مسلمة تؤمن بالشريعة والجهاد؟ فكانت لدى القائد إجابتان. لو كان الطفل من أسرة مسيحية، فسيصبح مسلما مخلصا. لكن هذا لا ينطبق على الطفل اليهودي. فاليهود أهل الجحيم، ولا يمكن لأي قدر من التعاليم الإلهية أن تغير هذا. ثم سأل القائد إن كان سكوت آتران يهوديا، وهذه معلومة أكدها المترجم وقد أخطأته الحكمة. فلما استشعر سكوت آتران تغيرا غير مريح في نبرة الحوار، استأذن وهرب من الباب الخلفي.
استمع سكوت آتران على مدار العقد الماضي أو نحو ذلك إلى أم فلسطينة مصدومة لشاب انتحاري وهي تقرأ رسالة تهنئة بميتة ابنها الشجاعة. وفي باكستان نام في مسجد مهجور متداع اجتنابا لعملاء الحكومة الذين عرف أنهم يتعقبونه. وسأل مرة أحد جنود القاعدة السابقين في معسكرات التدريب ـ بعدما أقام معه علاقة ودودا ـ سؤالا بسيطا: "هل يمكن أن تقتلني باسم الجهاد؟" فقال المقاتل السابق "نعم، أقتلك".
أبناؤه الثلاثة الكبار يتضرعون إليه كي لا يسافر إلى تلك الأماكن الخطرة. ووالدته ـ وهي الآن في الثمانينيات من العمر ـ طلبت من زوجته أن تكسر رجله فلا يرجع إلى العراق. كان ذلك مزاحا، أو شيئا قريبا من المزاح. ولعل هناك ما يدعو إلى القلق، فقد نشرت داعش أخيرا مقالة من إحدى عشرة صفحة عن سكوت آتران عنوانها "بكلمات العدو". ويتساءل زملاؤه عما يجعل باحثا في الستينيات من عمره، ويسهل أن يضاف إلى ألقابه الآن لقب "الأستاذ الفخري"، يتنقل بين قرى نائية، ويتسلل إلى سجون عراقية، ويعبر بنقاط تفتيش وقنابل مزروعة على الطرقات. يقول "إنني أقول للناس دائما إنهم يمكن أن يتعلموا الكثير من يوم واحد على الأرض. تعرف كثيرا من المعلومات عن الأسئلة التي قد تطرحها، وعما ينبغي أن تبحث عنه، عن التوافه، وتعرف في يوم أكثر مما تعرفه في خمس سنين من الدراسة الأكاديمية. ما من شيء يضاهي هذا. وما من أحد هناك يقوم بهذا العمل".
سكوت آتران وفريقه

تقع    قاعدة مخمور، على بعد ساعتين بالسيارة من اربيل، محاطة بسور خرساني عال يعلوه سياج في حدة الموسى. في فنائها حفنة من الجنود الأكراد يلعبون الدومينو بجوار مركبات مدرعة في حالات متراوحة من العطب. بين إطارات ناقصة، وزجاج مهشّم. الجنود مصابون أيضا، فأحدهم يركن عكازيه بجوار المنضدة. كثير من هؤلاء الجنود اشتروا أزياءهم وتجهيزاتهم بأنفسهم. فارتضوا أسلحة بالية قديمة من بقايا حروب سابقة. في الشهور الأخيرة، لم يحصل أولئك الجنود إلا على النزر اليسير من رواتبهم، وهي في الأساس رواتب متواضعة، إذ الحكومة الكردية تناضل لحل خلاف على عوائد النفط يوشك أن يتردّى بالمنطقة كلها إلى مرحلة الدمار الاقتصادي.
وفي حين أن غموض داعش المخيف لا يزال مثيرا للفتنة، فلو أنك راغب في فهم سر تجاوز الناس العاديين لقدراتهم، فلعلك تلجأ إلى أسوأ مما يلجأ إليه جنود البشمرجة، الذين يحرسون حواف المنطقة الخاضعة للسيطرة الكردية متعايشين مع التهديد الدائم، مقاتلين في ظل ظروف كفيلة بتحطيم الروح المعنوية لدى أي جيش أقل حماسا، ومع ذلك لا تجد بينهم أي بوادر على التمرد أو مؤشرات ظاهرة على السخط.
هذا ما يجعل سكوت آتران ورفاقه موجودين هنا، لاختبار عزيمة الأكراد مقارنة مع داعش. خطة الفريق هي أن يتوقفوا في القاعدة الرئيسية، ثم يواصلون طريقهم إلى موقع أبعد على بعد كيلومترات. تقع القاعدة على مسافة شبه آمنة من العدو. أما الموقع المتقدم فليس كذلك. يقترح أحدهم إرسال مرافق مسلح يكون دليلا للفريق على الطريق. بمجرد الاستقرار على هذا، يتكدس الجميع في السيارة لرحلة قصيرة متوترة. يقول سكوت آتران "إذا واصلت هذا الطريق، تصل مباشرة إلى الدولة الإسلامية" فلا يجد أحد في قوله ما يبعث على الطمأنينة.
لا يتجاوز عدد جنود الموقع المتقدم العشرين فردا إلا قليلا، يرتدون جميعا خوذات متربة، ويتمترسون وراء أكياس رمل. يعيشون في غرف يعلوها القش ويغطيها قماش أزرق مثبت بإطارات وحبال. يقال إن الحرب ليست إلا حالة من الضجر بين لحظات من الرعب الصرف، وكذلك هي الزيارة التي يقوم بها غربيون يرتدون الجينزات والسترات، واضعين تحت أذرعهم دفاتر وأجهزة آيباد، فزيارتهم هذه ليست على أقل تقدير إلا خروجا عن الرتابة والقلق. يقدم الأكراد ـ وهم مضيافون طول الوقت ـ لضيوفهم كعكا بالتمر محلى بالسكر المسحوق. يلتقط الجنود الأصغر سنا صور سيلفي مع الغرباء. ويوافق قائد الموقع ـ وهو عقيد في منتصف الأربعينيات، ثقيل الجفنين يعلوه سمت الجدية ـ على الخضوع لساعة من البحث الرامي إلى الكشف عن جوهر الأسباب التي تحمله على القتال، وعما يمكن أن يفعله أو لا يفعله من أجل قضيته، وعن المستقبل مثلما يتخيله. وقبل أن تبدأ الجلسة يقول له سكوت آتران إنه "من المهم للغاية أن تقول ما تعتقد به حقا".
يقول العقيد من خلال المترجم "بالقطع. بل من أعماق قلبي".
في غرفته الخاصة سرير مفرد، وجهاز تليفزيون صغير، ومنضدة عليها مطفأة، ومدفأة، وإناء للشاي، وصندوق خشبي لتخزين الذخيرة، وقاذفتا قنابل يدوية. على ظهر الباب المعدني رسم أحدهم كردستان ومن حولها الدول المجاورة (تركيا وإيران والعراق وسوريا). يبدو الأكراد محاصرين من جميع الجهات.
يخلع العقيد واثنان من الباحثين ـ هما ليديا ويلسن وهوشانج وزيري ـ أحذيتهم ويجلسون على الأرض. تبدو جلسة جمع البيانات أشبه بحلقة نقاشية ودية ليلية منها بدراسة رسمية، ذلك لأن من يستطلع الباحثون آراءهم إنما هم واقعون أساسا تحت ضغط، فأي شيء يستطيع الباحثون القيام به لتخفيف القلق تكون له نتائج مميزة. يستند العقيد إلى السرير ويشعل سيجارة رفيعة.
يبدأ الباحثون ببطاقات منفصلة فيها رسوم كاريكاتورية لرجال ذوي أعلام بدلا من الرؤوس: العلم الأمريكي، والعلم الإيراني، وعلم داعش، وهكذا. يطلبون من العقيد أن يرتب القوة المادية والروحانية لكل بلد باختيار رقم من الأرقام الموجودة على كل بطاقة (وقد اخترع الباحثون أيضا تطبيقا على آيباد لهذا الاختبار، وفيه يعدل المختَبَرون ارتفاع وحجم الرجال ذوي الأعلام). ومن نتائج الاختبار المتواترة أن الأكراد، على الرغم من مقتهم البالغ للتكتيكات التي يتبعها مقاتلو الدولة الإسلامية، يحترمون قدرتهم على القتال والتزامهم بالقضية، لا سيما مقاتلي داعش القادمين من الخارج. لقد شاهد الأكراد حماسهم المتقد، ومعروف أن مقاتلي داعش يخوضون المعارك وهم يرتدون أحزمة انتحارية فيكونون مستعدين للتضحية بأنفسهم متى لزم الأمر. وهم يثبتون حيثما ينتظر من أغلب الجيوش الانسحاب، وعندما سئل أحد الضباط الأكراد عن الكيفية التي تمكنت بها داعش من الاستمرار في السيطرة على الموصل ـ ثاني كبرى مدن العراق ـ بقوة صغيرة هزَّ كتفيه وقال "لأنهم داعش". وكان هذا في رأيه تفسيرا كافيا.
وتزداد طبيعة الأسئلة شخصية. فيطلب من العقيد أن يرتب ـ بحسب الأهمية: بلده وأسرته ودينه. فيعلي الإسلام والبلد على القرابة. ويقول "إذا خسرت روحي، فما نفع عائلتي؟ وهو ـ شأن أغلبية الأكراد ـ مسلم سني. وداعش أيضا سنية. يتبني أغلب المسلمين الأكراد موقفا متسامحا من الأديان الأخرى، ومن بينها المسيحية واليهودية. في حين تعتبر داعش من لا ينتمون إلى تفسيرها الضيق لتعاليم الإسلام مهرطقين مصيرهم النار ولا يستثنون السنة أمثالهم من ذلك. أما رؤية العقيد للإسلام فلا تتسع على الإطلاق للتعذيب الذي تستمتع به داعش أشد الاستمتاع. وإيمان العقيد يمنع استهداف النساء والأطفال، وهؤلاء تعمد داعش بانتظام إلى ذبحهم، ويستبعد العقيد المهام الانتحارية كتكتيك قتالي، في حين لا تشعر داعش تجاهه بأي قدر من تأنيب الضمير.
يضغط عليه الباحثون في ما يتعلق بالانتحار، وهو خط فارق. فاستعداد داعش مثلا لإقحام شاحنة وقود محلمة بالمتفجرات في نقطة تفتيش، مثلما يحدث كثيرا قرب مخمور، يضفي على الجماعة رهبة حقيقية. تسأل ويلسن العقيد عما يمكن أن يفعله إذا سنحت له فرصة قتل أبي بكر البغدادي زعيم الدولة الإسلامية. هل يمكن أن يقتل البغدادي إذا علم على وجه اليقين أنه سوف يفقد حياته؟ بعبارة أخرى: هل يمكن أن ينفذ مهمة انتحارية لو أن الثمن يستحق؟
فلا يتردد العقيد. بل يهز رأسه نافيا ويقول "الأكراد لا يفعلون هذا" ويبدو الرفض قاطعا في نبرته.
وهذا إلى حد كبير هو رأي أغلب المقاتلين الأكراد في هذا السيناريو. وبمثل الطريقة التي عبر بها العقيد عن رفضه: أي أنه كردي، والأكراد لا يتصرفون بهذه الطريقة. في اختبارات مماثلة مع ثمانية وثلاثين مقاتل كردي وعمال داعمين لهم على الجبهة، كان الرباط الدائم بالعرق واضحا طول الوقت، وتبيّن أن واحدا وعشرين منهم "ذائبون" تماما في الهوية الكردية فوق كل ما عداها وسكوت آتران يعتمد على نظرية الذوبان في الهوية identity fusion  مثلما بسطها وليم إس سوان أستاذ علم النفس بجامعة تكساس في أوستن، والذي عرَّفها بالالتزام بجماعة التزاما شديدا مرتبطا بالهوية الشخصية بحيث يتعذر التمييز بين الاثنين، وبما يخلق ما يسميه سوان بـ "الإحساس العميق بالواحدية". تصبح الأنا هي النحن. ويرى سكوت آتران بين الأكراد بصفة عامة أن "الالتزام تجاه الإسلام أقل من الالتزام تجاه الهوية القومية".
ولا يعني هذا أن الإسلام قليل الأهمية. ولكن التفرقة بين الولاءات المتداخلة لتبين "القيمة المقدسة" لدى الفرد ـ و"القيمة المقدسة" هو المصطلح الذي يستعمله سكوت آتران للإشارة إلى الخط الأحمر الذي لا يمكن تجاوزه ـ مسألة شديدة الصعوبة. من المؤكد أن الجندي الكردي الذي يقاتل داعش إنما يفعل ذلك ليحمي بلده، لكن أسرته تعيش في هذا البلد، والعرق يرتبط أيضا بحب البلد، وذلك نفسه يصعب فصله عن الإيمان المشترك بإله. والقلب أحد أشكال فن Venn ، وهو شكل غامض حتى على صاحبه.
ويلسن ووزيري لم يدرسا، ولو بصورة رسمية على أقل تقدير، بما يؤهلهما لهذا النوع من العمل. فهما ليسا متخصصين في الأنثروبولوجيا أو علم النفس. ولكن سكوت آتران يرى في خلفيتيهما النادرتين ميزة ويرى أنهما قادران على نيل العلم في الميدان. وزيري كاتب مسرحي وله كتاب مقالات بعنوان "بين عراقين". ولد في اربيل وبوسعه أن يجري حوارات قصيرة عن الحياة في ظل حكم صدام حسين وبعد الغزو الأمريكي. درس المسرح ويعتمد على هذه الخلفية المعرفية في قياس درجة الحرارة الشعورية داخل الغرفة. وحصلت ويلسن على الدكتوراه في الفلسفة العربية في العصور الوسطى من جامعة كمبردج حيث تخصصت في تصنيف القرن العاشر للمعرفة. ولم تكن تعرف أي مجال يمكن أن تواصل دراساتها فيه حينما صادفت آتران في مؤتمر سنة 2010، فالتقطت عدوى حماسه.
خلال الحوارات، تتنحى ويلسن جانبا حيث تدون الملاحظات. وإذا لم تكن على دراية بالأمر ـ وهذا هو حال من تجري محاورتهم ـ فقد تحسب أنها مساعدة لوزيري، في حين أنها في حقيقة الأمر هي التي تلقّنه في الغالب بما يقول كأنها مخرج مسرحي. لحظة، انتظر، لم يجب السؤال، اطرحه عليه مرة أخرى. تتواصل ويلسن ووزيري من خلال لغة اختزالية تمرسا عليها، فيتجاوزان الأسئلة العقيم، والرجوع إلى مواضيع سبق تناولها، وأي محاولة يمكن أن تربك الشخص الجالس أمامهما.

عن ذي كرونيكل أو هاير إيديوكيشن
يتبع